نازك ضمرة - الولايات المتحدة

لم يكتمل حواري مع نافذتي

خالد ضمرةكعادتي أعود إليك يا نافذتي، حين أفيض شوقا لحريتي التي اعتدت عليها مدى عمري الذي طال. أكاد أشبهك أيتها النافذة في سكونك وثباتك، على الأقل في الأيام والسنين القليلة الماضية.

لا أدري أينا افضل حظا، أنت مطمئنة راسخة مثبتة في مقرك، وليس بمشيئتك، لكنك ربما اعتدت على هذا المقام، أما أنا فما زال لدي هامش حرية بسيط، أتسمر أمام شاشة التلفاز لساعات، ممددا على أريكة طويلة، ملتني من ثقلي وقلة حركتي، مثلك أيضا ليس بمشيئتي.

لا أجرؤ على مخاطبتها وعلى مسمعها أنني مللتها أنا الآخر، كتمتها حتى لا أغضبها أو أغضب آخرين ومن يعتنون بها، أتململ كي أزحف، يهمّ الصغير بمساعدتي ويقرب مشايتي صوبي، أتقبلها شبه شاكر، لكن ملامح وجهي تبقى في موانئ الشكوى والقلق، ومع هذا لا أنسى أن أشكره طبعا بلساني.

أقود مشايتي صوب غرفة نومي، أو هي التي توصلني، ثم إلى سريري الذي غادرته صباح هذا اليوم متأخرا، لا أشعر بشوق للسرير ولا للنوم فيه، لكنني لا أنسى الذين يشبهونني.

أنت أيتها النافذة تطلين على العالم الواسع صبح مساء، تصدين الشمس والغبار والرياح، تفعلين أشياء لا أقوى على فعلها، عبرك أرى العالم، وأتنفس، أرى أثر الريح عبرك، وتماوج الأشجار، بفضلك أرى العصافير والطيور من مختلف الأشكال والألوان والأحجام.

محتاج إليك يا نافذتي، أتمنى أن أظل صديقا لك، أنتفع منك ومني تستفيدين. أستدرك، ماذا ستستفيدين مني؟ إنه غروري أولا، ومدحي لك ومخاطبتك، أزيح الستارة عنك، وأعريك أمام أعين الناس، ليروا جماليات الكون عبرك.

اتتبع متنفسي أمام نافذتي التي بمساحة متر مربع، نعم أراها السماء، قطعة محدودة لا تتجاوز نصف المتر ملتصقة بالزاوية اليسرى العليا من النافذة، فأين ذهبت بقية السماء، يا إلهي هل تم اختزال السماء التي لا حدود لها بهذه البقعة الصغيرة؟

وأقرب شيء أراه غصنين غضين من شجرة دراق زرعتها قبل عامين، وأما ما وراء ذلك فثلاث من أشجار الصنوبر الضخمة، باسقة، أظنها تلاصق السماء الزرقاء في هذا اليوم الصيفي، بسمائه الصافية.

لا غيوم هذا اليوم، وهو غير عادي في ولاية نورث كارولاينا الأمريكية، وربما يسار البقعة التي تظهر أمامي أو يمينها يوجد كسف من غيوم، ولكن أناقة نافذتي ورقتها لا تساعدني على مشاهدة ما هو ابعد من ذلك.

إنني أحرص على التخاطب بالذوق مع نافذتي وسجانتي. برغم شكواي منك يا نافذتي، فإنك تصلينني بالعالم الخارجي حين الحر وعند القرّ، تعينني أن أبقى في توافق وتناغم في المحيط الذي أعيش فيه، لأنني بحاجة ماسة للتواصل مع العالم الخارجي والفضاء.

اعتدت على التحرر والتحرك والتنقل من مكان إلى آخر في سنوات الشباب التي مرت كلمح البصر، تمكنت من العيش في أرجاء الكرة الأرضية عبر السنوات الخمسين الماضيات، وفجأة وجدتني أسير منزل صغير، وحولي أفراد منشغلون في أمورهم ومصالحهم ودراستهم وأحبابهم، وأنا ما زلت أشعر بمسئوليتي عن تأمين أقصى مستوى من حياة ينشدونها، وهم يرتاحون على هذا العناء.

أشكو كثيرا، لكنهم يصرون على بقائي قائدا للمركب حتى وأنا بحاجة إلى من يسندني، أو يساعدني حتى حين تنفتح شهيتي لأطلب الطعام، لا أشكو ولا أتذمر، أعرف أنه قد لا يفيد، أتمنى هذه الأيام أن أعود إلى منزلي في عمان حتى لو بقيت شبه مقعد.

حين أتوجه بنظراتي صوب هذه الأشجار الثلاث، ألمح حركات الطيور المهاجرة ورفرفات أجنحتها، تسعد بحرية في سماواتها الواسعة بلا حدود، وأنا حرّ أحلق بأنظاري فقط والأفكار عبرك يا نافذتي، لا أستطيع الاقتراب منها ومشاهدتها عن قرب.

قبل أسبوعين، وقبل دخول ذلك المستشفى الذي لم أستطع أن أحبه، استطعت الجلوس على شرفة منزلي لدقائق قليلة، آآآه كم فرحت وأنا أشاهد طيرا يدخل العش الذي صنعته له ولغيره بنفسي، ومنذ ثلاثة أعوام من خشب جيد قوي، ثبته أيضا بنفسي على الشجرة أمام بيتي، حتى لا تحطمه الرياح القوية في شهور الشتاء العاصفة.

أشعرني بسعادة غامرة ذلك الطير الغريب المسافر، أقارن حاله بحالي حين حضرت للمرة الأولى لأمريكا، وأراجع العوامل والظروف التي اضطرتني للهجرة هناك، الصهيونية والضيق الاقتصادي وفقر العلم ونقص الحرية والضغوط النفسية.

أسعد لأنني نجحت في مساعدة هذا الطير الجميل على التفريخ في عش دافئ أمين، وساعدني الكثير من نساء أمريكا ورجالها على التكيف مع الحياة في بلدهم قبل أربعين عاما بالتمام والكمال.

أؤكد أن هذا الطير الجار جميل لأنه بلون احمر مع خضرة خفيفة تساعده على الاختفاء بين أغصان الأشجار من أعدائه، وعلاوة على جمال لونه وغرابته، فلقد ذكرني بقبرات بلادي، كم عذبت منها وأنا أصيدها بفخاخي! كل أملي كان أن تسلم إحداهن كي أتمتع بمنظر التاج الذي يجمل رأسها، وهذا الطير له تاج فوق رأسه صاعد بشكل هرمي لافت للنظر.

يا إلهي فراشة عظمى يسمونها (دراجون) تعبر فضاء عيني القريب عبر نافذتي، ترفرف مباهاة، وتعرض أجنحتها، تقلد الطير، ربما شاهدت طيرا على إحدى الأشجار التي تنمو أمام منزلي، فصارت تنافسه، لكنها تتنقل من زهرة إلى زهرة، تعانقها أو تسلم عليها أو تتفحصها لتحصل على شيء ما، لا نعرف قصدها، أو ربما هي مباهية حين التفتت صوبي فرأتني مندهشا لجمال حركاتها وارتفاعها فوق المعدل الذي خبرته. لكنها هي التي أدهشت مشاعري وتكاد ترقصها، بألوان جسدها وأجنحتها الزاهية.

هذه اللحظات أتخيل أوراق حقول القمح والشعير وأوراق الذرة وهي خضراء قرب النضج في سهول فلسطين والأردن.

يعود الطير المتوج ليسرق أنظاري، أراقب دخول عصفوري الكندي أو الألاسكي لبيته الذي صنعته له، أحس بمتعة مشاهدة ذاك التاج الذكوري، وهو يستجلب شجاعته للدخول إلى عرينه، صرنا نساعده بحبوب أو أرز مطبوخ مما يزيد عن حاجة منزلنا.

راقبته بهدوء، اضطرب كثيرا حين شاهدني، أبى دخول العش الذي صنعته له ما دمت أنظر له حذرا، وحين ندير رؤوسنا إلى جهة أخرى يتسلل لعرينه، ظانا أننا عنه غافلون، بعدها صارت صغاره داخل عشه تفضحه وهي تسقسق وتستغيث، ومع هذا يأبى الدخول أحيانا، فأدير ظهري قليلا وأغض بصري، فيقفز قفزتين قرب المدخل الصغير، ثم يعود مبتعدا ثانية ليرى ردة فعلي. وبعد تكرار ذلك مرات أكثر، يغافلني حسب ظنه ويقفز كشبح إلى صغاره يطعمهم ما علق بفمه.

كل تلك المشاهد تتكرر عبر نافذتي. أرجو أن لا تذهب بك الظنون أني نسيتك يا نافذتي، فعبر صدرك المؤطر المنفتح لي دائما، أطل منك على أسرار قد لا أكون اكتشفتها بعد، أو اتبنى أفكارا لم يسبق لي واخترتها، لأن من طبعي أنني أحب التلمس، فأنا بحاجة ماسة إلى ابتكار ما أو حتى عون على الأقل، وبالتالي أتطلع إلى تطور أو تجديد لأمارس إنسانيتي.

يا نافذتي العزيزة، يا محبس أنظاري، أنت مصدر أي إيحاءات تتوالد لأعبر بأفكاري خارج هذه الغرفة الأمريكية الصغيرة، صغيرة جدا غرفتي الأمريكية، لا تتسع لأكثر من سريرين إحداهما لي والآخر لها.

وماذا عن الشيخوخة؟ أهي قيد أو هي سيدة القيود؟ لا متسع للشكوى، ولا تفيد، فلأحافظ على هذه المساحة المتاحة لي لعلي آتي بقبس أو أجد عبر التحليق هدى.

أيها الوافد الغريب، كرر قدومك بحضوري، ألست غريبا مثلك؟ وكل غريب للغريب قريبُ. لا تفاجئني أيها الضيف برحيلك، لتكن لنا لقاءات متكررة.

لا تنس أن تهمس على وتر حواسي بماذا تفكر وأنت في طريق عودتك إلى بلادك، أو فأسمعني لحنا يذكرني بك، فأنا لا أنسى الألحان الجميلة.

هيا أسمعني يا ضيفنا العزيز المهاجر، يا من اخترت اللجوء لبيتنا، أسمعني ولو لحنا قصيرا، وانا سأسمعك لحنا. ألا تجيب؟ إذن ابدأ أنا:

يا ظريف الطول وقّف اقل لك = = = واترك هالغربة وبلادك احسن لك

خايف يا محبوب تروح وتتملك = = = وترافق الغير وتنساني هنا


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC