طه بونيني - الجزائر

صابر بلا حدود

طه بونينيسقط ذراقُ حمامة متعبة على عباءته البيضاء.

لم يحرّك ياسر ساكنا، رغم سخونة تلك اللطخة التي بدت واضحة تزعج بياض العباءة. لم تشغله رائحتها العفنة ولم تبعث ألوانها المقززة الاشمئزاز في نفسه. وبدا هو والشجرة الوارفة التي يرتكز عليها والظلّ الظليل الذي يستلقي على فراشه، والحشائش التي تتناثر من حوله...بدا كلّ ذلك كلوحة لا تتجزّأ.

كان يكتفي في تلك اللحظة بقيلولته المقدّسة التي ينعم بها كلّما آوى إلى شجرة الصنوبر المنعزلة في عمق الحديقة. وقد دلّت تقاطيع وجهه المنبسطة على الارتياح.

لم تؤثر في هجعته تلك اللطخة وكان هو نفسه لطخة بيضاء وسط السواد العظيم الذي يمثّله هذا العالم الكئيب في مخيلته. طارده السواد منذ خروجه من بيته صباحا إلى أن انزوى بين الأشجار في طرف المدينة.

وتمدّد هناك على بساط التراب والكلأ، وغفت عيناه واستقرّ باله وطابت نفسه. لم يوقظه هديل الحمام المطّرد وتغريد العصافير المتواصل. وقد كان وسط الحديقة مُهران من خيول الشتلاند القزمية. كانا يجولان غير بعيد عنه وبين الوقت والآخر يعلو صهيلهما وهما يمرحان. لم تكن هذه الأصوات خليقة ببثّ الذعر في نفسه بل واصل نومه في سكون وهدأة بال.

فالحديقة تمثّل في خيالِه، الطبيعةَ الوادعة والتي تعاكس في مفهومها جوّ المدينة المزعج. فما إن يلجها حتّى يخمد غيضه وتزول روعته ويعود للحياة معناها فجأة. واستطاعت هذه الحديقة وحدها أن تعيد التوازن لمعادلة حياته، وصارت صمّام الأمان الوحيد الذي يحول دون أن يفقد صوابه.

وبينما هو ينعم بأشعّةٍ تنسلُّ بين الأوراق الإبرية، إذ أحسّ بوقع أقدام خفيفة حريصة، تقترب منه. فتح عيناه على مهل ونظر بعين شبه موصدة وقد كان ذلك القادم هو حارس الحديقة.

ألقى هذا الأخير التحيّة وجلس إلى جوار ياسر الذي عدّل جلسته. اقتلع ياسر سنبلة خضراء وحيدة بين الحشائش وراح ينظر إليها نظرة تائهة. وظلّا ساكتين برهة من الزمن، مطرقي رأسيهما وقد كان سكوتهما يختزل ألف كلمة ثمّ تجرّأ الحارس ليقطع خيط السكوت قائلا: "كيف حالك؟"

فردّ عليه ياسر مباشرة: "لست بخير".
وسادت لحظة صمت، كان خلالها يفكّر ويتأهّب كلاعب شطرنج ثمّ أقدمَ قائلا: "هل عدتَ للعمل؟"

= لا، قلتُ لك البارحة بأنّي لن أردّ على إشعارهم الأخير.

= وهل اتّصلَتْ بك إدارة المستشفى؟

تنهّد ياسر تنهيدة طويلة وتبدّت علامات الألم وهي تحتلّ قسمات وجهه، ثمّ ردّ عليه بصعوبة بالغة: "نعم، ولم أُجب".

ثمّ عادت ملامحه لتُشرق من جديد، وأردف: "لقد أجبتُ على إشعار المنظمة".

= أي منظمة؟

= منظمة أطبّاء بلا حدود، أخبرتُك عنهم.

= نعم، ألم تنسَ أمرهم؟ كيف تترك أهلك وعملك وتذهب لأدغال إفريقيا؟

= لقد صارت الحياة عندنا هي الأدغال بعينها. انظر إلى النّاس ومخلّفاتهم. انظر إليهم وهم يعيثون فسادا في الحديقة. حتّى هذا المكان الجميل لم يسْلَم منهم: أكياس، قارورات، أوساخ. إنّ الإنسان صار وحشا كاسرا بل صار أعتى وأخطر من الوحوش، فالوحوش تتصرّف بدافع الغريزة، أمّا النّاس فيقارعون الشرّ وهم يعرفونه.

= ستجد البشر في انتظارك حيثما ذهبت يا ياسر. كن واثقا من هذا.

= يا صديقي الحارس، لقد سئمت من هؤلاء المترفين الذين أكسبتهم حياة البذخ قوّةً سلّطوها في وجه الفقير والحقير. فصارت مظاهر المَدَنية كلّها وسائل تعينهم على الطغيان، تماماً كالأسُود والنمور التي وجدت في مخالبها وأنيابها عونا لها في افتراس الضِعاف من الحيوان. اختفت المدينة يا صاحبي ولم أعد أرى إلّا الغابة. وانقرض الإنسان أو يكاد، وما بقيت إلّا الضواري. أمّا المظاهر التي يعتدّ بها الحَضَر فهي خداع بصري، فإذا رأيت بمنظار الحقيقة وجدت العالم قد تراجع القهقرى لعصور الجهل والظلام.

لم يجد الحارس سبيلا لمعارضته فقال: "أوافقك الرأي، فرغم أنّي واصلت دراستي وحصلت على شهادة جامعية تؤهلني لمنصب أفضل من هذا، غير أنّي أضِنُّ بهذه الوظيفة ولا أقايضها بأي منصب آخر. وفي الوقت نفسه، لا أشجّعك على مغادرة أهلك. لا بدّ من وجود عمل يشعرك بالارتياح".

= لا يا صديقي، الأمر ميؤوس منه، قرى إثيوبيا ومداشر الصومال أرحم.

= هل تهرب من بؤس إلى بؤس آخر؟

= لا بل أفِرُّ من بؤس الضمير إلى نعيمه. هنا توجد الأشياء وتموت الأفكار وتنتحر المعاني. لقد نمت الرداءة في قلوبنا وعقولنا واستحالت بروجا. حتّى عقولنا مناط التفكير صارت حجارة، وصار الإنسان يفعل أي شيء ليحيا وليجد لحياته معنى عندما اختفت كلّ المعاني الحقيقية. وصار يبرّر غاياته بكلّ الوسائل الممكنة.

ثمّ سكت ياسر فجأة واتّجه بصره نحو مكان ما في الحديقة، واستغرق في لحظة صمت وكأنّها سكتة في قطعة موسيقية.

حاول الحارس إيجاد النقطة التي يتّجه إليها نظره. كان ينظر صوب شجرة توت تهتزّ وسط الحديقة وكأنَّ زلزالا أصابها. وكان يرجُّ أغصانها بعض الشباب ليظفروا بحبّات توت.

بقي ياسر مشدوها فارغ الثغر للحظات. وكان يهمّ بالكلام ثمّ يحجم ويتردّد، ولم يُكمل كلامه حتّى صاح الحارس صيحةً أبعدتهم عن الشجرة المسكينة، وقد تركوا أغصانها مستسلمةً خائرة القوى.

استأنف ياسر الكلام بصوت ضعيف:

= صار الأمر ميؤوسا يا أخي. منذ أسبوع تجلّت لي الحقيقة. رأيتُ حياتي أمامي، ككتاب مفتوح. ورحتُ أتمعّن في نفسي وفي ما ينتظرني في هذا الأتون اللامتناهي. كان كلّ شيء واضحا لا يداخله شكّ. رأيتُ نفسي في عملي، مع أولئك الذين يزعمون أنّهم أطبّاء. كيف يغدو المرء طبيبا إذا كان يضيق بالمرضى، ولا يطيق الإنصات إليهم أو إجابتهم؟ لقد استشرى داءُ الماديّة والنفعية حتّى وصل للطبيب. أليس هذا العجب العجاب؟

عيادات الأطبّاء الخاصّة صارت أمكنةً أبعدُ ما تكون من مصحّات تداوي المريض وتسهر على شفائه. بل صار المريض يأتي إليها مُكرهاً. ولمّا أظهرتُ الشفقة والرحمة وحاولت تأدية واجبي على أكمل وجه، صرتُ محطّ استهجان وسخرية. وصار مكتبي قبلةَ المرضى المسحوقين الذين ذاقوا صنوف الهوان عند غيري من أطبّاء المستشفى.

والله يعلم أنّي كنتُ أزيد فوق وقتي القانوني وقتا في سبيل أولئك المرضى، الذين لا طاقة لهم بالمصحّات الخاصّة. ورغم ذلك كنتُ أشعر بالحياة تغمرني من أخمص قدمي إلى قمّة رأسي. كنتُ أتحمّل كلّ المشاقّ التي يلقاها المواطن العادي، في سبيل الهدف النبيل الذي أعيش لأجله.

أمّا اليوم وقد غاب ذلك الهدف وتوارى بعيدا، انطلقت المشاكل من جحورها كالذئاب بعدما كنت بمأمن عنها.

الفراغ يا صديقي. الفراغ. وقعتُ في شرك مصيبة أخرى، بعدما اضطررت للتخلي عن عملي، سقطتُ في هذه الهاوية السحيقة المسمّاة الفراغ.

الفراغ ينزعُ عنك تلك العُصابة التي تخفي عن ناظريك الآفات. يُفقدك الحصانة الفكرية ويضعك أمام المعضلات وجهاً لوجه. يحرِمُك من سترة النجاة، ويرميك لقمة سائغة لأسماك القرش.

= يا صديقي، إنّ بعد العسر يسرا، وإنّ بعد الليل الكحيل ينبلج الفجر.

كانت الشمس تقترب للمغيب وتهوي إلى خطّ الأفق عندما قال الحارس: "انظر إلى جمال العالم، اليوم ينقضي وغدا سيبدأ يوم جديد".

أجابه ياسر دون تفكير: "وقد رأيتُ ما فعله البشر بأيامهم الجديدة".

= يا ياسر، انظر إلى الأزهار في عزّ الربيع.

= يا صديقي، لقد ذَوَت تحت أعقاب السجائر.

= يا ياسر، املأ رئتيك من نَفَسِ الغروب.

= وقد امتزج بنسيم السيارات العليل.

= اسمع أصوات البلبل تشدو فوق الشجر، وهي تسبّح ربّها ليل نهار.

= هي تشدو هنا، أمّا في المدينة فلا شجر، ولا صوت إلّا الضجيج وصراخ البشر.

= انظر إلى النجوم، تطلّ من نوافذ السماء بعيونٍ لامعة.

= لم نعد نميّز بينها وبين الأقمار الاصطناعية، فكم من قمر صناعي حسبناه نجما، ثمّ لم نجده.

سكت الحارس وهو مدركٌ أنّ صديقه يمرّ بإحدى الفترات الحالكة. وكعادته سيهدأ بعد حين. عندما تصفو سماء ذهنه وتخلو من سحابات الصيف العابرة.

بدا ياسر منشغلا من جديد بتلك السنبلة الوحيدة، ثمّ تكلّم وهو يداعبها.

= يا صديقي القديم، لقد تعبتُ وضقت ذرعا. إنّ المسننّات التي تكفلُ الحركة والانسجام في تفكيري قد صدئت. استحالت حياتي إلى رواية كوميدية كلّ شخوصها رئيسيون إلّا أنا. كيف أواصلُ الحياة وأنا أنظر كلّ يوم إلى قلعة أحلامي تتهدّم تحت معاول الواقع الأليم وكأنّ كلّ أمانيَّ أوهام.

عاد إلى صمته والحارسُ ينظر إليه بحسرة، يودُّ لو يردّه عن فعلته هذه. وحاول في جهد فكري مستميت أن يجد طرفَ فكرةٍ تثنيه عن الذهاب. وقال له:

= لقد عهدتك منذ سنوات طويلة متمرّدا. كم مرّة أتيتني عازما على الاغتراب وتراجعت بعدما تتكشّف لك أسباب البقاء والصمود؟ انظر إلى شجرة الصنوبر هذه، هل رأيتها يوماً تتبرّم وقد صارت جدارية ينحت عليها المتحابّون أسماءهم، واتّخذ البعض من جوارها مزبلة؟ هي تزيد كلّ يوم قوّة وكرما.

"يا ليتني شجرة صنوبر"، قالها ياسر بحرقة.

= أتتذكّر ذلك اليوم الذي أتيت فيه تحمل حقيبتك. كنتَ ما تزال عازبا. قدمت إليّ والرغبة في الهجرة تشتعل في نفسك. كانت البطالة أيّامَها تأخذ بخناقك. ومرّ ذلك اليوم، وجئتني بوجه آخر مفعم بالثقة، بعدما جلست إلى أمّك التي أقنعتك بحنانها وعطرِ فؤادها النقيّ.

"رحمها الله"، قال ياسر وهو ينبش الأرض بعصيّة صغيرة.

أكمل الحارس كلامه:

= وبعدها بأيّام فتح الله عليك بالعمل في المستشفى. ومنذ سنتين، شكوت لي المشاكل التي تغرق فيها في عملك، وعزمتَ على المغادرة مرّة أخرى، ولوَّحتَ من جديد بخِيار الغربة. وسرعان ما تغيّر الأمر عندما لاح في الأفق خبرُ خطوبتك. وتشبّثت بالعمل وصبرتُ كما يصبر الآلاف. لست وحيدا فالكثير من الشمعات تذوب وتنطفئ في الخفاء.

"شمعتي ستنطفئ أمام الجميع إذا لم أغادر"، قال ياسر وأتبعها بزفرة طويلة.

أكمل الحارس كلامه: "اسمعني يا ياسر. ألست ترى أنّك كلّما مررت بأزمة عزمت على الرحيل؟ والآن كيف ترحل وتترك زوجتك؟ أخبرني".

"لقد أوصلتُها إلى منزل أبيها منذ أيام"، قال ياسر.

نظر الحارس إليه متحسّرا. أحسَّ بأنّه وصل إلى جدار مسدود، وقد استنفذ كلّ الطرق والحيل المتاحة. وبقي كلاهما يشاهد الغروب، والسّماء المحترقة في هدوء وقد خلت الحديقة من زوّارها، وعمّ المكان جوّ من الدّعة والسلام.

"إذن، أطبّاء بلا حدود. أتمنّى لك التوفيق"، قال الحارس وهو يهمّ بالنهوض.

أجابه ياسر: "نعم"، ونهض بدوره.

تمشَّيا بخطى وئيدة، نحو باب الحديقة وقد حان وقت إقفالها. وخلال ذلك، رنّ هاتف ياسر. توقّف، أخرج هاتفه، وإذ به اتّصال من زوجته. أجاب وفي ظرف ثوانٍ قليلة، انتقل وجه ياسر من الشحوب إلى النضرة، وتفتّحت عيناه من الاندهاش والتأثّر. تورّدت وجنتاه وامتلأ جسده حيوية ونشاطا، وكأنّه شخص آخر، أو كأنّ روحا أخرى قد سكنت بدنه. تبادل كلمات قليلة لفظها بحماس وسرعة وهو تحت الصدمة.

بقي الحارس يتتبّع المشهد بحرص وفضول كبيرين. وعندما أتمّ صديقه الاتصال لم ينبس ببنت شفة، بل أسرع الخطو، وهو تائه النظرات، مسلوب البال.

قال له الحارس: "أخبرني ما سرّ هذا التحوّل؟"

فأجابه ياسر: "زوجتي حامل".

= والآن "أطبّاء بلا حدود" أم ماذا؟

= لا يا صاحبي، " صابر بلا حدود"، لأنّ هذه المرّة سيطول البقاء.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3096091

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC