أوس حسن - العراق

دوستويفسكي: رائد الرواية النفسية

دوستويفسكي: رائد الراوية النفسية في القرن التاسع عشر

رواية المراهق أنموذجا

أوس حسنتتميز روايات دوستويفسكي، إضافة لطابعها الفلسفي والتأملي، بأنها تقدم للإنسان معرفة مقرونة بالعمل والتطبيق، وعلاجا روحيا يساعد على تطهير النفس مما علق بها من شوائب وأمراض اجتماعية ونفسية، وتساعد على هدم الذات القديمة وبناء ذات جديدة متحررة من الأنا (ego) وأوهامها.

إن النفس البشرية بكامل تقلباتها وصراعاتها وتناقضاتها وعلاقتها بالمجتمع، تجدها حاضرة في روايات دوستويفسكي، فهو مشرح عميق للنفس الإنسانية ومصيرها في عالم متناقض ومرعب.

تعتبر رواية المراهق لدوستويفسكي من أصعب روايات دوستويفسكي وأعقدها؛ لما تتطلبه من لياقة ومرونة فكرية في تتبع أحداثها التي قد تصل إلى الملل أحيانا، ولتفرع الأسماء وتشابكها في الراوية أيضا؛ كما أن الزمن والبنية السردية وتشابك الأحداث وانفراجها، يبلغ مبلغا عظيما من التفكك والبطء، لكنها رواية الجنون والفوضى بامتياز، وفي نفس الوقت هي قادرة على اختراق طبقات عميقة من الوعي.

تتميز رواية المراهق بتفردها الواضح بالبعد النفسي والسلوكي، فهي تقدم لنا شخصية آركادي ماكاروفيتش، الطالب المراهق وما يرافقه من أوهام وآمال وطموحات في ظل عائلته وأصدقائه ومجتمعه، وما ينتج عنها من صراعات داخلية وخارجية، مبرزة بذلك أثر هذه الشخصية الطائشة والمتمردة، وما انعكس عليها من آثار الحياة السياسية والاقتصادية في روسيا القيصيرية والمجتمع البرجوازي.

تبدأ الرواية التي تتخذ في البدء شكل المذكرات أو السيرة الذاتية بصيغة المتكلم آركادي ماكاروفيتش، والتي يقرر فيها العودة من موسكو إلى بطرسبرج حيث تقيم عائلته، فهو، كما يصف على لسانه، الابن غير الشرعي لفرسيلوف، الشخصية الثانية الأكثر جدلا في الرواية، وأنه في الأصل ابن بستاني من الأقنان الروس.

تبدأ الحياة التي يعيشها المراهق أركادي في ظل عائلته والأجواء المحيطة به من خلال الصراعات مع نماذج إنسانية مختلفة في الرغبات والأهواء والنزوات، فيسعى للتمرد عليها عندما يضع نصب عينيه أن يصبح غنيا كروتشيلد، ويسعى لإقامة علاقات مع طبقة الأمراء والنبلاء.

يقرر آركادي هنا أن يعيش من أجل فكرة، وهي أن يصبح غنيا ويجمع المال بشتى الطرق منها: أن يكون زاهدا ويدخر ماله، ويعيش حياة شبه معدمة، ومن خلال المال يحصل على القوة والسلطة، ويحصل على العزلة الروحية التي كان ينشدها.

لكنه يصطدم بالعديد من المتناقضات والشخصيات التي تحول دون الوصول إلى فكرته، فهو أثناء عمله مع الأمير سرجي بتروفيتش، يقع في حب ابنته كاترين نيقولايفنا، والتي يعرف فيما بعد، أنها عشيقة والده فرسيلوف، لكنه من خلال علاقاته أيضا، يكتشف وثيقة كتبتها كاترين نيقولايقنا لأحد المحاميين، تسأله عن طريقة قانونية تتخذها لتثبت أن أباها مجنونا بحكم القانون، وتستولي على ثروته، لكنها تعدل عن هذا القرار بعد فترة وتثوب إلى رشدها.

يحصل آركادي على الوثيقة من كرافت الذي مات منتحرا ويبقيها في جيبه، لتبدأ مناورات وألاعيب المراهق مع أبيه ومع كاترين نيقولايفنا وتاتيانا بافلوفنا (المربية)، وينجر إلى علاقات أعمق وأوسع في سبيل فكرته مع لصوص ومجرمين ومشردين، منهم لامبرت زميل الدراسة في مدرسة توشار الفرنسية، والذي كان يضربه ويهينه لأنه ابن زنا، وليس له اسم ومكانة اجتماعية، واخته غير الشرعية آنا أندريفنا التي يسعى لخطبتها الأمير العجوز(سرجي بتروفيتش)، والتي علمت بأمر الوثيقة، فكان من مصلحتها أن تحصل عليها لتبين للأمير وجه الحقيقة، وأنه مخدوع من أقرب الناس إليه.

تتشابك أحداث الرواية مع بعضها، من خلال الرغبات والأهواء المتصارعة في شخصياتها وتتخللها مشاهد وحكايا جانبية منها ذكريات آركادي في مدرسة توشار أثناء زيارة أمه له، والحوار الذي دار بينها وبين ابنها ومدير المدرسة، وكيف تحتضن الأم ابنها تحت السلم بعيدا عن أعين الطلاب والمدير، وتعطي له شالا فيه مبلغ من المال مع شطائر الزبدة والمربة فيسرقها جميعها لامبرت هو وعصبته ويوسعونه ضربا في باحة المدرسة، ليأتي الليل ونرى أركادي يخضب وسادته بالدموع، وينتحب مناديا على أمه في رحم العتمة: ماما. ماما.

ومشهد أوليا أخماكوفا التي انتحرت شنقا في الغرفة التي كانت تقيم فيها هي وأمها من شدة الفقر والعوز، وشعورها بامتهان كرامتها لأنها استلفت مالا من فرسيلوف. يحدث هذا عندما تنهض الأم فجأة في منتصف الليل وتنادي على ابنتها أوليا لتراها واقفة في قلب الظلمة تتأرجح دون أي رد.

يصف دوستويفسكي هذه المشاهد من الحكايا الجانبية في رواية المراهق بخبرة ودراية نفسية بكل ما أوتي من دموع وصدق إنساني، وهناك أيضا حكايا أخرى تتخلل الرواية: منها صدمة آركادي بأحد دائنيه الذي يفاجأ بأنه عشيق أخته ليزا، وأنها حامل منه، وعودة ماكار ايفانوفيتش والده الحقيقي الذي طاف بلاد الأرض مبشرا بالمثل المسيحية العليا، والأسرار الإلهية وحكاياه التي يقصها على آركادي وما فيها من عبر وحكم تؤكد على أن منبع الإيمان الحقيقي من القلب والعاطفة.

أما فرسيلوف هذه الشخصية الجدلية في الرواية فهو إنسان مثقف وشاعر ومحب للنزعة الإنسانية الشاملة في الفكر المسيحي، لكنه في نفس الوقت مزدوج الإرادة والمشاعر.

تصبح شخصية فرسيلوف محور النزاع الرئيس مع ابنه غير الشرعي آركادي في حب كاترينا نيقولايفنا، لكنه في نهاية الأمر يستولي على قلب آركادي وعطفه من خلال أرائه وأخلاقه وثقافته الشاملة، لكنه في الأخير يسقط ضحية لرغبته وأهوائه فيفقد عقله ويشعر بهذا كل من آركادي وعائلته، عندما يقوم فرسيلوف بتحطيم ايقونة أهداها له ماكار ايفانوفيتش قبل وفاته، وارسال رسالة لكاترين نيقولايفنا يدعوها فيها للزواج.

تمر أيام على فرسيلوف يعاني منها من عزلة وكآبة واضطراب في العواطف. في أحد الأيام يتنصت آركادي من خلف الستارة على حوار دار بين فرسيلوف و كاترينا نيقولايفنا، فيخرج منفعلا غاضبا الى بيت صديقه لامبرت ليخبره بالأمر، ويخطط مع لامبرت في جذوة ثورته أن ينتقم من كاترينا نيقولايفنا لأنها تتلاعب بمشاعر أبيه ومشاعره أيضا، وتحاول أن تحصل على الوثيقة وتفر لتتزوج على الطريقة الأرستقراطية من الضابط بيورينج.

يستغل لامبرت هذه الثغرة فيدعوه إلى جلسة خمر مسائية مع عشيقته الفرنسية آلفونسين (عازفة القيثار)، فيجعلانه يحتسي الخمر لدرجة الثمالة، إلى أن ينام مخمورا بلا حس أو إدراك لما قد يجري. هنا تقوم ألفونسين بفتق جيب آركادي وتبديل الوثيقة بورقة بيضاء، وتعيد خياطة الجيب مرة أخرى. ينهض آركادي فجأة دون أن يشعر أن الوثيقة تبدلت في جيبه المخيط.

هنا تبدأ لعبة لامبرت الابتزازية مع كاترين نيقولايقنا ليستدرجها ويسحب منها ثلاثين ألف كوبيكا مقابل الوثيقة.

تنكشف المؤامرة عن طريق خيانة أحد أعوان لامبرت الذي يكشف لآركادي عن خطة لامبرت، وأنه اصطحب معه مسدسا ليهدد به كاترين نيقولايفنا.

يختبىء آركادي في مكان ما ويراقب الحديث الذي يدور بين كاترين نيقولايفنا ولامبرت، ويذهل من كبرياء كاترين وشموخها في عدم الإذعان والانصياع لابتزازات لامبرت.

وفي اللحظة التي يشهر فيها لامبرت مسدسه على كاترينا نيقولايفنا، يهم آركادي بالوثوب على لامبرت، لكنه يفاجأ بهجوم فرسيلوف على لامبرت قبله.

يضرب فرسيلوف لامبرت ويركله بقدميه إلى ان تسيل دماؤه ويغمى عليه، وتفقد كاترينا وعيها وتسقط على الأرض. يأخذ فرسيلوف، الذي فقد عقله، المسدس من لامبرت ويحاول أن يقتل كاترينا ويقتل نفسه في نهاية المطاف، لكن وثوب آركادي وتاتيانا بافلوفنا والخادمة ماري على فرسيلوف تغير اتجاه المسدس لتستقر الطلقة في كتف فرسيلوف.

يروي دوستويفسكي هذه الأحداث على لسان المراهق آركادي خلال عام ونصف من حياته، فبعد مضي ستة أشهر على هذه الأحداث نرى أن فرسيلوف قد تحسنت صحته وعاد له عقله، وانتقل هو وعائلته إلى قرية في الريف الروسي، حيث الشمس والربيع وأناشيد الفلاحين، ويبدأ عهد جديد من حياة هذا المراهق المتمرد، وكأن شيئا لم يكن، لكنه حتما كان ذا أثر في الذاكرة وتشظياتها.

يقرر آركادي أن يبعث بهذه المذكرات إلى أحد أستاذته في موسكو، الذي ينصحه أن تكون على شكل رواية شاهدة على مرحلة مهمة في تاريخ روسيا القيصيرية.

تكمن عبقرية ديستوفسكي وهو يسبر أغوار النفس البشرية، في أنه يحاول الإجابة عن الأسئلة الفلسفية الأزلية التي أرقت الإنسان وأزمة وجوده على هذه الأرض، فمن خلال معاناته مع مرض الصرع كانت تزداد رهافة دوستويفسكي وإحساسه بآلام الناس وعذاباتهم، فعدم كمال هذا العالم دفع بدوستويفسكي للولوج إلى جوهر الشر والخير عند الإنسان، من خلال رسم شخصيات مشحونة بجو من صراع التناقضات والثنائيات: كالمثالية والمادية، الأخلاق الثورية والمسيحية، الإيمان والإلحاد، العقل والعاطفة، وما يرافق هذا الصراع من أقدار ومصائر

دوستويفسكي الذي فاق سيغموند فرويد عمقا وتحليلا في نظرياته النفسية، والذي علم نيتشه أن يكون سايكولوجيا، يعلمنا أن المحبة في كل ذرة من ذرات الكون وفي كل حركة دؤوبة في هذا العالم. المحبة عند دوستويفسكي هي أن تنتقم بقوة التسامح، أن يكون قلبك ينبوعا طاهرا يغسل صليب الخطايا التي تناسلت في أوهام عدوك، أن تبلغ روحك ذروة الكمال والخلود؛ لكي تتحرر من وطأة الزمن و يتمثل فيك الإله على هذه الأرض.

غلاف رواية دوستويفسكي
غلاف رواية دوستويفسكي

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3177366

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC