زكي شيرخان - السويد

انفجار

زكي شيرخانفجأة، أصبحت الظلمة حالكة. سكتت الأصوات، وأطبق السكون على كل شيء. المكان اصبح مجهولا. والزمن صار بعلم الغيب. توقفت الحركة، وسكن كل شيء. وبدأ الانكماش.

حاسة اللمس هي الأخرى فقدت فاعليتها، ولم تعد تميز الأشياء. بين المكان والزمان المعاشين هذه اللحظة وما قبلهما فقدت الذاكرة قدرتها على الوصل؛ وفقد العقل هو الآخر قدرته على إحصاء وحدات الزمن.

صور تراءت، دم (الرجل) ما زالت تصطبغ به الذاكرة، ومشاهد مواراته الثرى هي هي لم تتشوه.

جيبوتي في طريقها إلى الاستقلال. بيروت الممزقة الأوصال. الطائرة المختطفة حطت في مطار لارنكا.

هل غيبوبة هي؟ وإن كانت، فكم دامت؟ أزمن توقف؟ وتفرض صورة نفسها: "يستطيع العلماء تجميد الإنسان. تتوقف فيه الحياة، ولكنه لا يمارس موتا. ثم يعيدون حركة الحياة إليه بعد ثلاثين عاما، وربما أكثر". وقفز السؤال مرة أخرى، كم دامت الغيبوبة؟

في هذه الفجوة من المكان والزمان. في هذه الظلمة الحالكة، والسكون المطبق، وفقدان القدرة على النطق والسمع، ليس هناك من رائحة أيضا. لا رائحة لتراب عفن، أو عطر فواح، ولا حتى رائحة الموت. أليس للموت رائحة؟

في الذاكرة صورة مقتل (الرجل) و(الضحايا). ولكن أليس غريبا أن لا طعم لدم الضحايا؟

ولكنْ، غريب أمر هذه البقعة من المكان، وغريب حال هذه الفترة من الزمان. كل الحواس فقدت فاعليتها، ولكن العقل يرى الانكماش، ويشم رائحة الخوف، ويلمس جدران الرهبة خشنة، وكذلك هي رطبة. يتذوق مرارة الضياع.

يُسمعُ صوت آت من بُعد لا تُفهم مفردات لغته. وينطق العقل جملة واحدة لا يعرف غيرها: "ماذا جرى؟".
لا بد وأن هناك خطأ ما، فليس عدد الحواس ستة، السمع والبصر والشم والتذوق، والسادسة التي رقّموها ولم يستطيعوا تسميتها، لأنهم لم يعرفوا وظيفتها.

الحواس سبع. لم يذكروا السابعة لأنهم لا يعرفونها. الحاسة الشاملة.

"تناثرت النفس أجزاء من شدة الانفجار، وسالت الدماء ببطء شديد ممل. لون الدم كان غريبا، لا يشبه أيا من الألوان، لون لم يُصنّف بعد. الجرح في جبهة النفس بالغُ العمقِ. الإصابة بالغة الخطورة".

ويستمر التقرير الأولي في الوصف:

"وفقدت النفس أجزاء كثيرة. لا يمكن تقدير مدى تأثير الإصابة ولا نتائجها".

يسري الألم. يزحف، ولكن الإحساس به معدوم. يدب بلا حالة، ثم يقبع في ركن النفس الذي لم يمسه الانفجار. أخيرا وجد الألم له مستقرا. ولكن هناك أجزاء أخرى ما زالت سليمة، وهي جميعها مملوءة. جزء يملأه الغضب، وجزء يشغله الحقد، وآخر بالسعادة، بالحزن.

ما زالت الأجزاء السليمة مُحتلة. عادت الحاسة السابعة إلى تمييز المسميات غضب، حقد، سعادة، وأمل. لم تفقد المسميات معانيها بعد. ولماذا تفقدها؟ فقدان المكان والزمان لم يؤثر عليها.

وخُتم التقرير الأولي:

"تحتاج الحالة إلى مداخلة جراحية فورية وعاجلة وقبل فوات الأوان لتخليص الأجزاء السليمة مما استوطنها".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3154771

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC