كروان السكري - سورية

شاشة

كروان السكريصافحتني عن بعد، وجلست تحدق بي طويلا، ثم راحت تتحدث دون توقف، وأنا صامتة لا أنطق بحرف. فتحت ألبوم صورها وبعثرت محتواه في عينيَّ مشاهد حارقة تلسع عقلي فيشيط قلبي.

"أنتِ من اختار. يمكنك أن تنظري في صور أخرى لو شئتِ"، هكذا همست لي.

حسن، صور أخرى مما في جعبتك.

هذا أفضل. أناس طبيعيون، يضحكون ويتبضعون. ثيابهم أنيقة، وأولادهم يقفزون داخل الفرح. يرتادون منتجعات الثراء. يمخرون عباب البحر بيخوت فخمة. يسبحون في اللون اللازوردي. لا ينحنون أبدا، بل تنحني لهم الحياة وتؤدي طقوس الاحترام والتبجيل. لا يرون أحدا سواهم في النصف العلوي من الكرة الأرضية.

اسمعي؛ لا يمكنني أن أتابع. هذه ليست الحقيقة. هؤلاء ليسوا نحن. إنهم مختلفون. هل هم وهم أم حلم ؟

"لا أدري" قالت، "لعلهم حلم".

"هم حقيقة"، تمتمتْ.

لا. لا أستطيع أن أغمض عينيَّ وأمضي. أعيديني إلى الصور الحقيقية.

"ليست صورا حقيقية. إنها كوابيس"، قالت.

انظري جيدا. أنا موافقة. أعيديني إليها. سأتحرك داخل كابوس مع قارب موت يسير بسرعة ثلاث عقد بحرية على خط وهمي ما بين الكابوس وأرض الأحلام.

قفزتُ إلى القارب لأكون بينهم.

"ارجعي إلى مقعدك، واسترخي" هتفتْ.

لن أرجع. يا أيها الشيطان في داخلي، لم تستطع إقناعي، ولم أستطع أن أمحو النور. سأدفن معهم الغدر والقهر والظلم والفقر والخيانة. القارب الصغير مساحة ممتدة تسعنا جميعا، ثلاثمئة. أربعمئة، لا بأس. المهم أن نصل، أن نبحث عن حل مفقود منذ الأزل. نبحث عنه في الطرف الآخر من العالم.

نحن عميان وهم يعيشون في ضوء الشمس. سنعيش معهم في الضوء، فقد سئمنا الظلام. لم نستطع أن نغير شيئا هناك حيث جذورنا. انتزعناها. سنزرعها عندهم في الخلاص الأرضي.

رفع راكب صوته: "يقال إنهم في أعلى الأرض يمنحون من يطأ أرضهم تأشيرة إنسان. سأحصل على واحدة عندما أصل".

"لا ليست تأشيرة، يا أخي. إنها ترددات تخترق جلدك"، أجابته امرأة.

العاصفة قوية. لا تفتح الشراع في العاصفة. سيتمزق. ليس مهما. المهم أن نصل. كم فرسخ بحري قطعنا؟
قطعنا نصف المسافة. علينا أن نستمتع باكتظاظنا من أجل أن نضع أقدامنا على الشاطئ الآخر.

البحر يعلن أن الولاء له، كما أعلن الولاة في الأرض التي أحرقوها. البحر لا يؤمن بالأوهام. يتجشأ أمواجا وموتا. يلفظهم أم يبتلعهم، لا فرق. يا لمداعبة الماء الشريرة! يغرقون ويغرق قبلهم الحلم عميقا في قاع اللجة.

أغرقُ معهم وندور معا داخل التيار. أتنفس ماء مالحا. يتساقطون كالأوراق والماء يهدهدهم. يضيعون كضياع مكان جاؤوا منه أو هربا منه. لا نجاة للغارقين في السراب. هكذا قال البحر.

هل سمعتِ يوما أن السماء ارتدت السواد حدادا على من غرقوا؟ أو أن الأرض أوقفت دورانها أو فقدت جاذبيتها احتجاجا على من ماتوا ظلما؟ أو أن التاريخ أفرد صفحات لنعوتهم؟ التاريخ مهرجان كذب ينظمه المنتصرون.

هذا الرجل وذاك، عصيَّان على هذا الموت البحري. عجيب أمرهما.

الأم تعانق طفلها وتغرق. وتغرق. يغرقان معا ويتذوقان ترف الموت في اللازوردي.

لا أستطيع أن أحرك يديَّ لأصل إليهما وأنتشلهما، أو أحرك رأسي أو عنقي. لا أستطيع أن أتحرك.

"ألم أقل لك أنك داخل الكابوس؟" قالت.

خذيني إلى صورة أخرى، علني أستطيع أن أتحرك.

تلتقطُ بدموعها وأصابعها الغضة فتات الخبز المختبئة في التراب. ضفيرة شعرها المشعثة بالجوع تلتف حول عنقي وتخنقني. وجسدها النحيل يغوص في رمال التنكر البشري. وقفتُ بجانب سنواتها السبع أتأمل انهماكها.

ما عندك لتعطيني؟ لا شيء؟ هل أقول شيئا قبل أن تغادري؟ أرسلي لي حفنة تراب زاخرة بفتات الخبز. أنا ماهرة في انتزاعها من بين حباته، مهما عاندني التراب وأغاظني. خذ يا أخي الصغير، وجدت كسرة خبز لك، وهذه لي.

"الواحد بنام جوعان وبفيق جوعان. بقول للناس ياللي عندهم أكل الله يهنيهم". أنا جائعة منذ زمن طويل. تعبتُ من صداقتكَ أيها الجوع منذ أربع سنوات.

يا ابنة الهمِّ ، تطوفين حول الأرض بحثا. متى يُختتم هذا الطواف؟

أين أمك وأبوك؟

هناك بين تلة الجثث.

لم يلتفت إليَّ الأخُ الصغير. ظل منشغلا بتنقية الخبز من التراب. انحنيتُ أمسح سواقي دموع جفت على الخدين المعفرين بالتعب وسواقي لا تزال تنهمر فتغرق سنواته الثلاث. يبكي في قلبي. أمرر كفي على شعره المقدد بالخوف. لا ينظر في وجهي. لا يزال منهمكا بجمع الفتات. لا يشعر بيدي ولا أشعر بها. يدي لا تتحرك. لا أزال داخل الكابوس غير قادرة على الحركة.

"ماذا حدث؟ لماذا تضعين نظارة شمسية على عينيك؟" سألتني صاحبة الصور.

لكي لا أرى جيدا. لكي أختفي خلف العويل. يحرقني كل هذا الضوء المسلط على تلال الجثث. هل رأيتِ أحدا يموت؟ أنا رأيتُ في صورك الكابوسية.

إحني رأسكِ قليلا وأنت تدخلين. النفق تحت الأرض ضيق وسقفه منخفض.

هل هذا كهف؟
قال: لا هذا من منجزات العصور الحجرية قبل أن يخترع الإنسان الآلة والطائرات. نصطاد أرنبا ونأكله أو ربما جرذا، وعندما تمطر نستحم. هل لديكِ قطعة صابون من القرن الواحد والعشرين؟

انظري؛ أطفالي الخمسة جالسون متراصين ممسكين بالطمأنينة في أكفهم المتشابكة. ليسوا جائعين. شبعوا خوفا. انظري جيدا، في عيونهم تطير طائرات من نوع التيروداكتيل. ديناصور طائر. لا تظني أني جاهل أو غير مثقف؛ وحش طائر لو شئت. أفلتوه وجلسوا يتمعنون كيف يطير. رائع. اخترعوه منذ زمن بعيد لقتل الأعداء. خديعة. لحم الأطفال وعظامهم وجبته المفضلة. لا خوف هنا في جوف الأرض. هل ترين خوفا في عيون أطفالي هنا؟ هذا الوحش لا يرانا الآن. تغلبنا عليه. فقط عليكِ أن تُعملي العقل لتتجنبي الموت.

حانت ساعة التنفس. أخرجوا إلى الشمس قليلا. يمكنكم أن تلعبوا لخمس دقائق فقط. أسمعُ أزيز الوحش الطائر. هيا هيا. ادخلوا الجحر سريعا قبل أن يصل. لا ترتجف يا صغيري. يدك المرتعشة تهز جسدي كتيار كهربائي. لا تخَف. ستكون بأمان.

انفجار. انفجاران. ثلاثة انفجارات. يقهقه الأب: هدموا البيوت المهدمة. أترين ؟ نحن المنتصرون. لم يصلوا إلينا. ما زلنا أحياء. مشكلتهم أننا لا نموت.

ساد هدوء. خرجتُ من الجحر ونظرتُ إلى أعلى. لا شيء في السماء سوى السكون. خرج وتلقف حجرا وقذفه إلى أعلى فغاب الحجر في الفضاء السديمي. عاد إلى جحره، وأرض بائسة من حولي ترمقني.

لملمتُ حجارة المنازل ورحت أرمي بها السماء. أرمي السماء بالحجارة. أقذف الحجارة في وجه السماء دون توقف، وأنا أسمع صوت الشاشة في الخلفية تتحدث دون توقف.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC