غانية الوناس - الجزائر

قلب من سحاب

غانية الوناس: كاتبة جزائريةولكنني كنت أحب الحياة، لم أكن بعد قد ضجرت منها، ربما أصبت بحالات ملل عادية، كتلك التي تصيب كل الأشخاص، ربما واجهت مشاكل كثيرة، وربما خيبات بالجملة وانكسارات كثيرة، وخذلانا من المقربين.

لم أحقق الكثير في حياتي، لم أحقق كل الذي كنت أرغب به، كلّ أحلامي وآمالي، لكني لا زلت أحب أن أعيش وأحيا، لا زلت أحبّ الحياة نفسها بشدّة، وأحبها كل يوم أكثر، لا أريد الموت، أريد أن أعيش المزيد من السنوات، ليس لأني أخاف الموت، فمنذ يتمي الأول، ومنذ زمن الحروب التي لا تنتهي، لم تعد ترهبني فكرة الموت كشيء طاغ، كحضور يغطي على كل الأشياء الأخرى عداه.

أصبح الموت شيئا عاديا بالنسبة إلي، كمن يسافر ونحن ندرك مسبقا أننا لن نراه مجددا، أو نضع في حساباتنا فكرة الموت كآخذ لا يرد ما أخذه أبدا، مهما مر عليه من الوقت والزمن.

اسمي عماد، ليس مهما من أكون، ولا عدد السنوات التي عشتها إلى الآن، كل ما أريد قوله هو شيء بسيط جدا، أنا إنسان أنتمي إلى الإنسانية كعائلتي الكبرى، وطني هو هذا الكوكب الواسع جدا.

عشت في مدينة تصادق البحر، وتتخذ من السفن والمراكب سكانا دائمين لموانئها الضجرة، وتمتد جبالها إلى السماء. كانت الشمس تزورها في كل الفصول، والمطر ضيفا تستقبله بحفاوة لا تنتهي،

مدينتي كانت منجما للحياة، تعج بالقلوب النابضة والعيون الحالمة، والنفوس التي لا تملّ الجلوس بأمل أمام الميناء والبحر.

عشت حياة عادية جدا، طفل يلعب في الشارع، يذهب إلى المدرسة، يشاكس، يتعب أهله قليلا، يحب الكرة، يشجع فريق الريال تماما كوالده، يعشق النزهات والتخييم في الجبل، يحلم ككل الأطفال أن يصبح يوما ما شخصا كبيرا، يستطيع فعل ما يمنعه الكبار عن فعله وهو صغير.

أنا كنت أحلم أن أصبح طيارا، رجلا محلقا بمنطاد، كنت أتمنى أن أكون ربانا لمنطاد، يسحرني ذلك البالون العملاق الذي يرتفع مخلفا وراءه هالة من الانبهار، أرضا بعيدة جدا، وقلوبا معلقة تناظره بشغف، يرتفع شيئا فشيئا، بينما تزداد ألوانه جمالا وإشراقا، ويتضاءل حجمه كلما علا وارتفع وابتعد.

ذات مرة تمنيت أن أطير، أن أملك جناحين لأحلق بهما في السماء، وألمس السحب بيدي هاتين، تذكرت يومها كم متعب أن نشتهي الطيران، ونحن ندرك تماما أننا لن نطير أبدا، هل فكر عباس بن فرناس مثلنا حين صنع جناحان ليطير بهما؟ هل كان يفكر في أنه سيدفع حياته ثمنا لحلمه؟ أم أنه كان يدرك ذلك جيدا، وكان في قرارة نفسه واثقا من أن الأحلام العظيمة أحيانا تحتاج ثمنا باهظا جدا، كأن تكون الحياة نفسها هي ذلك الثمن.

حين مرضت، لم أعد أفكر في الطيران كثيرا، صار ذلك حلما بعيدا جدا، نسيت مع مرور الوقت في هذه المستشفى الباردة ألوان المنطاد الساحر، نسيت جناحي عباس بن فرناس، وطائرة الأخوين رايت، صارت لي أحلام بيضاء تماما، كلون الجدران الكئيبة هنا، لم يعد هناك ألوان عداها، وربما في أحسن الأحوال يرافقها اللون الأزرق العابس، أو ذلك الأخضر القاتم، لم أحب يوما تلك الألوان القاتمة المعتمة، التي لا تكون إلا مرادفا للظلمة والسواد والسكون.

يوم مرضت، قال لي الطبيب إن عضوا من أعضائي لا يعمل بشكل جيد، وإني أحتاج إلى المكوث في المستشفى مدة من الزمن تحت المراقبة الطبية. لن يطول الأمر أبدا، هكذا قال لي، رغم أني شعرت بأن وجهه كان يقول شيئا آخر.

أمضي الآن سنتي الثانية هنا، أنا مريض ببساطة، قلبي ضعيف وليس قادرا على العمل بشكل طبيعي، أعاني من فشل في عضلة القلب، حين سألت يوما طبيبي: لماذا قلبي هكذا؟

قال لي : إن الله يختبر صبرك.

قلت له: وهل يتخبر الله الناس في أمر لا يملكون منه أو فيه شيئا؟

أجابني: هو أرحم بنا من أنفسنا.

بعد ذلك لم أعد أساله أبدا، أصبحت مع الوقت أسأل الله، كنت أكلمه أغلب الوقت، فقد كان يسمعني أفضل من أي شخص آخر في هذا العالم، هو أرحم بنا من أنفسنا، هذه العبارة جعلتني أعرف طريق الله جيدا، لذلك حين مشيت فيه كنت أزداد قربا منه يوما بعد يوم.

اليوم أنا لا زلت ذلك الفتى، صاحب القلب الضعيف، لا زلت قابعا في هذه المستشفى الباردة جدا، لا زلت أحدث الله كل مساء، وأصلي ليمنحني القوة والصبر، ويجعلني أعيش مزيدا من السنوات.

أخبروني أني أستطيع الحصول على قلب شخص آخر فارق الحياة حديثا، يمكن لقلبه أن يمنحني أنا فرصة للحياة مجددا بشكل طبيعي، كأي شخص طبيعي آخر، أتخيل نفسي واقفا، واضعا يدي على صدري، تماما على يسار صدري، وفي داخلي قلب قوي ينبض، أتحسس مكان قلبي الجديد، أتنفس بعمق وأقرأ في سري ما أحفظه من سور القرآن، ومن شعر درويش والسياب، أدندن بأغنية أحفظها منذ طفولتي، أتخيل نفسي أعدو لمسافات طويلة دون أن أتوقف، لأني قلبي الجديد لن يخذلني، لن يجعلني أشعر بالضيق والضعف أبدا.

أكتب هنا في هذه المساحة الزرقاء التي أضحت وطنا، ملاذا وملجأ، هنا حيث يسكن ملايين البشر بهمومهم ومشاكلهم، وأحلامهم وآمالهم، أكتب هنا لأخبركم قصتي.

أنا عماد، صاحب القلب الضعيف، أمنياتي بالطيران والتحليق صارت بعيدة جدا، وأمنيتي الوحيدة الآن هي أن أحصل على قلب قوي، لا أعرف كم سيصمد قلبي المسكين في انتظار حدوث المعجزة، لكني لا زلت أؤمن أن الحياة بطولها تنتظرني بشوق، تفتح ذراعيها الطويلتين لتستقبلني، كما تفعل أم اشتاقت وليدها عمرا من الانتظار.

أحتاج أن أواصل الحلم بقوة، وأن أزرع الأمل الذي أشعر به في نفوس كل من سيقرأ ما كتبته، نحن المرضى العاجزون نحتاج إلى ضمائر البشر الحية، نحتاج إلى قلوبهم الطيبة، وأرواحهم النقية، نحتاج إلى أن يدرك الناس جميعا حاجتنا إلى أعضاء المتوفين حديثا، لأن ذلك سيمنحنا حياة جديدة.

مهما تكن ظروف الآخرين قاهرة، ومهما تكن الأمور صعبة ومستحيلة للبعض الآخر، ومهما تكن فكرة منح أعضاء من يفقدونهم أمرا قاسيا عليهم، لكن إنقاذ حياة شخص بطريق التبرع أمر عظيم جدا، عمل إنساني يمكن أن يفوق ويتجاوز كل تلك الاختراعات والابتكارات ومعجزات التكنولوجيا، لأن ذلك سيجعل من روح مريضة متعبة منهكة ويائسة، تعود نابضة بالحياة من جديد.

مرة أخرى سأذكركم، اسمي عماد، صاحب القلب الضعيف، رسالتي هي الحياة، وأمنيتي قلب قوي جديد، ينبض دون الخوف من أن يصاب بعطب أو يتوقف، لن أمل أبدا، ولن أيأس، سأبقى أحلم بالطيران مهما كان بعيدا، بقلبي الجديد مهما كان مستحيلا، وذات يوم سأطير كما أحلم. أجل سوف أفعل.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3203787

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC