إبراهيم يوسف - لبنان

بينهُما خبز وملح

قبلَ الانطلاق، أجرينا كشفاً دقيقاً على السيارة. شملَ خزان الوقود، زيت ومياه تبريد المحرك، زيت علبة السرعة ومقود "الإيدروليك"، ضغط الإطارات وحالتها العامة، ومعاينة الكوابح؛ فالمصابيح.

زوجة ابني رفيقتي وصَفِيَّتي، وأنيستي في رحلتي؛ تتولى القيادة بكفاءة ليسَ لها نظير، ردَّةُ فعلها كلمح البصر، لا تتعدى السرعة المحدَّدة ولا تخاطر؛ خاصة عند المنعطفات، أو على الطرق الدولية السريعة، حيث التهاون ممنوع، والخطأ لا يتكرر مَرّتين.

بمساعدة الملاَّحِ الآلي،(Navigator) انطلقنا من "سالو" في الشمال الإيطالي، الواقعة على الطرف الجنوبي الغربي من بحيرة "غاردا"، تغسلُ في بعضِ النواحي أقدامَ جبالِ "الألبْ"، وتمتد لعشراتِ الأميال من الجنوب إلى الشمال". تتربَّعُ بسكينةٍ وهدوء؛ في منتصف الطريق، بين ميلانو غرباً؛ والبندقية إلى الشرق. تتميز البحيرة برياضة التزلج على الماء، والملاحة؛ السياحية والتجارية معاً.

انطلقَتِ الرحلةُ عبرَ طريق دولية باتجاه "فينيسيا- فيرونا"، "فيرونا" موطنُ العاشِقَيْن روميو وجولييت، طيَّبَ اللهُ ثرى المُحبِّين.

حقولُ الذرة تنتشرُ في السهولِ، وعلى جانبي الطريق حتى "بولونيا"، وبيوتُ الفلاحين تبدو متباعدة، تلوحُ عليها أتعابُ أصحابِها، فحيطُانُها متفسخة تفتقرُ إلى الطلاء، وقرميدُها داكنُ اللون وشبابيكُها مهملةٌ وسوداء. تتجمعُ حولها كُوَمٌ من العتادِ المَنْفي والأمتعةِ التالفة، لعلّ الفقر؛ هو القاسمُ المشترك في العالم بين"الغلابى"، من عمال البحر، وصيادي الأسماك؛ وسائرِ الفلاحين على الأرض.

في الطريق إلى "مودينا"، مسقط رأس المغني الأوبرالي "بافاروتي" تحفُّ بنا كرومُ العنب على الجانبين، المدينة المتفوقة في إنتاج الخمر، والخل "البلسمي" المميز، العريقة بصناعة السيارات الرياضية، كسيارات "فيراري ولامبورغيني"، والمشهورة في تدريس الطب والقانون، توقفنا في أولى ضواحيها لاستراحة قصيرة.

كنَّا قد بلغنا "بولونيا"؛ منتصفَ الطريق، مروراً "بمانتوفا ومودينا" عندما بَدأَتْ تلوحُ لنا الجبال ذات الطبيعة الساحرة، تزيدُها الأحراجُ جمالاً، وأشجارُ الزينة تنتشرُ بكثافة في كلِّ مكان، فضبابٌ يخيِّمُ على جزءٍ من المنخفضات، يذكرني بوادي "حَمَّانا"، أو وادي "لامارتين"، في لبنانَ الأخضر، لبنان المشهور بمناخِهِ وسياحته ، بأرزه وجباله وسهوله وأنهاره، وطوائفه أيضاً؛ وساسته المُرْتَكِبين الفاشلين. أشعلوا الحرب الأهلية فيه، ثم اسْتَوْلدوا أنفسَهم من جديد، وعادوا يحكمون البلادَ والعباد. ما أنفقوه على الحربِ الأهلية؟ لو أنفقوه على التنمية، لكان من أمره ما كان.

أما "بولونيا" في إيطاليا فقد حباها الله طبيعة خلابة، زادَها جمالاً حسنُ التخطيط والعناية البشرية الرشيدة. هي إحدى أكثر المدن الإيطالية تقدماً وازدهاراً، لموقعها المميز على شبكة الطرق الرئيسة السريعة، وسكك القطارات.

مررنا في أنفاق طويلة قبل بلوغ ضواحي فلورنسا، وكان الطقسُ ماطراً والبرودة منعشة خلافاً للمسافاتِ الطويلة التي قطعناها في السهول، واستخدمنا خلالها مكيفَ السيارة بطاقته القصوى. وفرةُ المياه من أسبابِ حضارةِ وازدهار هذا البلد الجميل؟ فأنّى يوجدُ الماء يوجدُ الخيرُ والرخاء.

على منحدراتِ الجبال؛ بيوتٌ فخمة مُسْتَكينة، كلُّ سطوحِها من القرميد، تنتشرُ معزولةً متباعدة ومتناثرة هنا وهناك، يمكنُ للرجل فيها أن يقاسمَ امرأتَهُ هناءَ العيش؛ ويراودَها متى شاء، دون أن يزعجَهُ أو يطرقَ بابَهُ أحد.

تَبَدُّلٌ مفاجئ في المناخ، ومحميةٌ حُرجيِّة، ترتعُ فيها الحيوانات البرية، أبرزها الغزلان؛ وتحذير للسائقين بتوخي الحيطة والحذر، وطيور اللقلاق ترتاد بحيرة في المكان، وسُحُبُ الـ (Cirrus) تتهادى عالية وتتناثر في الفضاء.

طوينا في ثلاث ساعات؛ مسافاتٍ طويلة للوصول إلى فلورنسا، تخللتها استراحة قصيرة في الطريق، المشاتل الزراعية، ومعارض مختلف الأشجار المثمرة، وأشجار الزينة، كما أنواع من زراعات مختلفة؛ تحفُّ بجانبي الطريق حتى بلغنا "بيستويا" المحطة الأخيرة من الرحلة؛ حيث نمنا ليلتنا الأولى.

في "بيستويا" استضافتنا نجاة سيدة مغربية، إنسانة صلبة؛ لا تعرف الهوان، متفائلة لا تعرف التشاؤم، نشيطة لا تعرف التعب، وجميلة أيضاً بعينيها البنيتين الفاتنتين، وشعرها الأسود الطويل؛ ووجهها المشرق، وبسمةٌ ساحرة لا تفارق ثغرَها.

عِلتُها كما تناهى إليّ في ابنها البكر؛ وابنُها لا يشكو إلاَّ من المبالغة في الخوف عليه أينما حلّ أو رحل، وأشهدُ للحق أنه يتميز بالعفوية والرصانة، والحضور الواضح، والمنهجية الدقيقة الواعية في التخطيط لمستقبل أفضل، شاب يثيرُ الحسدَ في النفوس الضعيفة. ما زحتُها وأنا أقولُ لها أن العلّة في الأم، وليستِ العلّة في الولد.

في منطقة "التوسكانا" من إيطاليا؛ حيث "فلورنسا وبيستويا" وغيرها من المدن والبلدات، يتميزون بالرقة في الكلام، لا يُدَحْرِجون "الراء" لتتحوَّلَ "غَيْناً" على مذهب "الباريسيين"، بل يدغدغون بلهجتهم المحليَّة المحببة؛ عواطف الناس برقة بالغة، فتلك الحروف التي تتهادى بغنجٍ من الحناجر والأفواه، تأتي عذبة جذلى من الأعماق، كما لو أن شِدَّةَ الدال رَقَّتْ وتحوَّلتْ إلى ما يشبه التاء، والكاف قريبة من الهاء، وآخر الكلام يأتي كمن يوشوشُ أو يتنهد.

كانت نجاة مضيفتُنا ودليلتُنا في السياحة، قادتنا في اليوم التالي إلى محطة القطارات، وأبتْ بشهامةِ البدو في الأردن؛ أو في بادية الشام، إلاَّ أن تتولى من مالها شراء بطاقات السفر، وهي كما يبدو ليستْ في بحبوحة أو رخاء.

تقع "فلورنسا" في مقاطعة "التوسكانا" إلى الجنوب بانحراف إلى الشرق من مكان إقامتنا في "بيستويا"." وفلورنسا"، واحدة من ثلاث مدن تتميز بأهمية لا نظيرَ لها في إيطاليا، إضافة إلى "فينيسيا" وروما، وكانت ذات يوم صفوةَ الصفوة في النهضة الأوروبية بأسرها.

إبانَ الحربِ العالمية الثانية، قصفَ الجيشُ الألماني المدينة بالقنابل، ودمروا معظمَ الجسور فيها، ليمنعوا أو يعرقلوا تقدّمَ القوات المعادية، لكنهم حَيَّدوا من القصفِ "الجسرَ القديم"، بأمرٍ مباشر من "الفوهرر" حرصاً على اللوحات والتماثيل، والتحف الفنية النادرة في المتاحف والقصور المتاخمة للجسر، وعلى وجه الخصوص متحف" أوفيزي" وقصر "بيتي". لكن الألمان كانوا يجهلون أن المقاومة هرّبتْ معظمَ اللوحاتِ والتماثيل، وخبَّأتها في قلاعٍ وقصورٍ نائية.

من أبرزِ المعالم الأثرية التي زرناها في المدينة، ساحة" الدومو" التي تعجُّ بالسواح من كل جنس ولون وزي، والكنيسة التي تتسعُ لعشرات الآلاف من الناس. تقولُ نجاة: إن بناء الساحة والكنيسة استغرقا ما يربو عن مئة عام، والعهدة دائماً على الراوي. تتميزُ الكنيسةُ بلوحاتٍ نادرة، ورخامٍ ملوّن غايةً في الروعة والإتقان، وفي الساحةِ إياها يقومُ تمثالُ الرحمة "لمايكل أنجلو".

في ساحة أخرى؛ هيَ ساحة "سنيوريا" حيث "القصر القديم"، ومتحفُ" أفيزي" ويحتوي على مجموعة من التماثيل تعود في غالبيتها "لمايكل أنجلو ودونالتو ورفائيل" وغيرهم، ولوحات كثيرة لعل أبرزها" لوحة فينوس ربة الجمال" "لساندرو بوتيشيلي" ولوحة" ولادة الربيع، وفلورنسا مسقط رأس"دانتي" صاحب "الكوميديا الإلهية"، الملحمة الشعرية المميزة على المستوى العالمي، ويتردد أنها "النسخة المقلَّدة" أو الرديفة عن "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، بل ودانتي متهم بالسرقة؟

متحفٌ آخر هو قصر "مدتيشي" ويحتوي على جناح يعرف بجناح" الإسلام مرآة الشرق" ويعرض بعض الفنون، من أنحاء العالم العربي والإسلامي، ويحتوي على مسرح لعشاق الأوبرا والموسيقى الكلاسيكية.

في الطريق المؤدي إلى الجسر القديم، المكان الأشهر في تجارة أرقى وأجمل المجوهرات في العالم منذ الألف الأول بعد الميلاد، وأولُ خَزْنةٍ أو مصرفٍ من الحديد لإيداع المال، لا يزال يتحدى في موقعه صروف الزمان.

مررنا في سوقٍ للتحف القديمة "الأنتيكا". وفي الأزقة، والأحياء والساحات التي يُغْرِقُها الرسامون بلوحات تعبِّرُ عن تاريخ المدينة، في ماضيها وحاضرها. أهدتني نجاة إحدى اللوحات التي وقفتُ أتأملها بإمعان، ولم يستطع المصري "الحربوق" أن يغشَّها في الثمن. هذا المصري النحيل؛ لا أدري كيف حملته قدماه إلى هذا المكان. نَقَدَتْهُ المبلغَ الذي ارتأتْهُ دون أن يعترضَ أو يناقش.

أما المطاعم فتمتاز بشهرة واسعة، في إعداد الكثير من أصناف اللحم، "وسودة" الدجاج والحساء، بالإضافة إلى المعكرونة. اختارت لنا نجاة للغداء مطعماً يطل على نهر "أرنو"، الذي يخترق المدينة، ويخدعُ الزَائر بأن مياهه ساكنة لا تتحرك.

قدموا لنا طعاماً لذيذا، لكنه يُطْعِمُ بثمنه في الشام أو في بيروت؛ فصيلة من العسكر، ناهيك عن أن الخبز كان خالياً تماماً من الملح، ما حملني على السؤال؛ والاعتراض الخجول، فأنا ممن لا يستسيغون الطعام بالملح القليل، فما بالُك حين يخلو من الملح تماماً! وجاءني جوابُ نجاة؛ بأنها ستخبرني سرَّ الخبز والملح، ونحن نزورُ مدينةَ "بيزا" في اليوم التالي. "بيزا" المشهورة ببرجها المائل، كأنه يتداعى للسقوط.

عندَ العصر؛ ونحن نشربُ شاياً بالحليب، ونتناول أصنافاً من الحلوى، أتقنَ صُنْعَها أيوب" ابن مضيفتنا، كيف لا وهذا الشابُ الرائق المهيوب، يديرُ أشهرَ محلٍ للحلويات في المدينة. أخبرتني نجاة ونحن نحتسي الشاي، أن لوحة الجوكوندا موجودة أيضاً في "فلورنسا"، ولم نرَها خلال الزيارة.

نسخة أخرى رديفة أو مماثلة، تعادلُ في قيمتها تلك التي توجد في متحف "اللوفر" في باريس، لكنها تجهلُ أيُّ اللوحتين هي الأصلية: أهيَ تلك الموجودة في فلورنسا، أم تلك التي يشدِّدون عليها الحراسة في متحفِ "اللوفر" في باريس؟ هناك، يقيمون جهازاً فاعلاً للإنذار؛ يتصلُ باللوحةِ دونَ سواها؛ يعملُ بدقة لا تحتملُ الخطأ، فتاريخُ المتحف حافلٌ بمحاولات السرقة.

مهما يكن الأمر تقول نجاة: إن جدلاً قائماً اليوم في الأوساط الثقافية والفنية تدَّعي أن "المونوليزا" ليست لامرأة، بل هي لرجل خلافاً لما يعتقدُه الكثيرون.

تفاقمَ الجدلُ وتعالتِ الأصوات في كل الساحات الفنية والأدبية تطالبُ بحسمِ المسألة والإجابة الصحيحة، حولَ جنسِ صاحب أو صاحبة اللوحة. لهذا قامَ فريقٌ محايد يقترحُ نبشَ القبرِ لإجراءِ التحاليل على الرفاة وقولِ الكلمةِ الفصل. هكذا اقتحموا "قبرَها" بلا استئذان ونغّصوا "عليها" هناءةَ الموتِ في سلام.

بانتظارِ حسمِ الموضوع حولَ هوية الجوكوندا والإعلانِ عن النتيجة، فنحنُ الآن في طريقنا إلى "بيزا"، الواقعة إلى الغرب من "بيستويا" بانحرافٍ بسيط نحو الجنوب، ولا تبعدُ كثيراً في حسابِ المسافاتِ هنا. استغرقتْ رحلتُنا إلى المدينة بعضَ أرباعِ الساعة، في منحدراتٍ بسيطة لا تُحتسب، وخضرةٍ لم تنقطع طوالَ الطريق.

ينتصبُ برجُ بيزا في "ساحةِ المعجزات" مائلاً؛ كأنه يتداعى للسقوط في أيةِ لحظة، ويعودُ تاريخُ بنائِهِ إلى مئاتٍ من السنين تتعدى الثماني، واستغرقَ البناءُ ما يربو عن الأعوامِ المئة والخمسين، ليكونَ برجاً لجرسِ الكنيسةِ فحسب.

الخللُ في عمودية البرج، إنما يعودُ لطبيعةِ التربة، كما برهنتْ خلاصة الأبحاث. جرتْ محاولات جادة لتقويمِ الاعوجاج؛ وتعديلِ نقطةِ الارتكاز، وباءتْ جيعُها بالفشل. تقولُ نجاة إن المحاولات لم تتوقفْ، وإقامةُ الدعائم عملٌ متواصلٌ للحفاظِ على البرج، ومنعِ المزيدِ من الانحراف.

يرتبطُ البرجُ "بغاليليو" العالم الإيطالي المشهور، الذي ظلمتْه الكنيسة ذاتَ يوم، لتقصيرِها عن إدراكِ ما اكتشفه وآمنَ به، من أنّ الأرضَ كرويَّةٌ وهيَ تدور. عاقبتْه سلطاتُ الكنيسةِ الكاثوليكية بسببِ قناعاتِه، التي تناقضُ أفكارَ الكتابِ المقدّس، وتأخرتْ كثيراً حتّى قدَّمتِ اعتذارَها الأول في ثمانينات القرنِ المنصرم، واعتبرته رائداً بطلاً في الأبحاثِ الشجاعة، التي اكتشفها وآمنَ بها وأعلنَها، وأقيمَ له تمثالٌ في الفاتيكان، تكفيراً عن خطأ الكنيسة معه.

لكي يبرهنَ "غاليليو" على التساوي في سرعة سقوطِ الأجسامِ من نقطة ارتفاعٍ واحدة، ومن كتلٍ مختلفة، خلافاً لما اعتقده "أرسطو" منذ زمن بعيد قامَ بإلقاءِ كتلتين مختلفتين من على برج بيزا، وتوصّلَ إلى أنَّ الكتلتين وصلتا معاً إلى الأرض، لو أهمل عامل مقاومة الهواء، معتمداً فقط على معادلة التسارع في قانون "نيوتن الثاني" (ثابت ج = 10متر/ثانية2) لأتى اختبارُه خالياً من كلِّ عيب. المعادلةُ الصحيحة أن الكتلَ المختلفة تسقطُ في آنٍ معاً في الفراغ ليس إلاّ.

تركنا مدينة "بيزا" منتصفَ النهار، في طريقنا إلى "مُوْنتِيْكَاتِيْني"، منتجعٌ سياحيٌ يحجُّ إليه المتعبون من الميسورين، ويقومُ على قمةٍ جبليةٍ عندَ حدودِ السماء.

هناك تناولنا طعامَ الغداء، وتذكّرتُ الخبزَ الخالي من الملح الذي تناولناه بالأمس في فلورنسا، فأخبرتني نجاة قبل أن تستجيبَ لطلباتنا نادلةُ المطعم، امرأة تلوحُ فِتْنَتُها في عينيها الملونتين، وشعرها المتهدل تحت قبعة النادلات. تنسف أعصابَك بعطرها الغالي؛ يتسرَّبُ إلى خلاياك، وهي تنحني وتوشوشك: ماذا تطلب لتأكل يا سيدي.؟

قالت نجاة إن نبلاء من "بيزا"؛ تعرضوا للإهانة في ساحة قديمة في "فلورنسا"، تلك هي البداية الأخرى لحرب "داحس والغبراء"، وكانت الحصيلة قراراً من السلطة في "بيزا" الدولة البحرية، التي تسيطر على جزيرة سردينيا في الغرب من إيطاليا، وتحتكرُ صناعةَ ملحٍ يساوي وزنُه ذهباً، فاتخذتِ السلطة في المدينة قراراً يقضي بمنع الملح عن فلورنسا، عقاباً لها على الحماقة التي ارتكبتها.

"فلورنسا" المدينة المشهورة بالترفِ والرخاء، لا تتحملُ الحرمانَ ولا التقتير. هكذا أمسى الملحُ السلعة النادرة، والقضيةَ الكبرى المتداوَلة التي قسمتْ ظهرَ البعير.

منذ ذلك الزمن وحتى اليوم، والأزمة قائمةٌ لم تنتهِ بعد. تعوَّدَ "الفلورنسيون" على خبزٍ خالٍ من الملح، فإن كان الخبز خلافاً لذلك، ونادراً ما يحدث، فهم ينبهونك للأمر، وكأن القاعدة المُسَلّم بها، أن يكون الخبز خالياً من الملح.

في اليوم الرابع والأخير من رحلتنا، استطلعنا من "الكاميرا" الصور التي التقطناها، وانطلقنا رجوعاً من الجنوب، إلى "سالو" نحو البحيرة في الشمال، وزوجة ابني، حبيبتي ورفيقتي في رحلتي، أصابتها حساسية مفرطة؛ جراء دخولنا بعض المشاتل في "بيستويا"، كي نبتاعَ منها بذوراً وأغراساً للحديقة. واجهتْ مشقةً بالغة وتحاملتْ على نفسِها، لأنني لا أملكُ رخصة للقيادة لأساعدها. لكنَّها أكملتِ الطريق بعزمٍ لا يهون.

عدنا محمَّلَيْنِ بالأغراس والشتول، وأفخر أنواع الزيت والزيتون "التوسكانيِّ" الرفيع، إضافة إلى كيس من اللوز؛ وفيضٍ من الهدايا للجميع، وأصنافٍ من الحلوى أعَدَّها لنا أيوب، والكثير من خبز لا يخلو من الملح، أصرَّتْ نجاة أن نحملها كلها في طريق عودتنا.

يبستِ الأغراسُ التي اشتريناها، ولم ننتفعْ بها، فما من أحدٍ ساعدني على العمل في أرضٍ لم تعرفِ المحراث من قبل، وأصابتْ باطنَ كفيَ اليمنى كدمةٌ آلمتني؛ وأنا أشدُّ على عصا المعول. لكننا عوَّضنا في نومٍ عميق ما فاتنا في أيامٍ ستبقى عصية على النسيان.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3380714

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC