سعيد الفلاق - المغرب

قراءة في سيرة شكري عياد

قراءة في رواية "العيش على الحافة " لشكري محمد عياد

سعيد الفلاقالسيرة الذاتية جنس أدبي له خصائصه المميزة، لعل أهمها تطابق الكاتب والسارد والشخصية الرئيسية، وهي خاصية تنفرد بها عن الرواية والقصة القصيرة. وهذا المزج يجعلها مرتبطة بالواقع والحقيقة، بعيدة عن الخيال والتصنع. ويظهر العنوان بشكله المستفز للقارئ، المثير للعديد من الأسئلة: كيف عاش الكاتب؟ ولم عاش على الحافة؟ وهل الحافة ترتبط بالهاوية؟

تتناول السيرة شخصية شكري عياد، إذ تحاول توثيق ماضيه بتفاصيله الدقيقة، تفاصيل ذات ناهزت السبعين عاما، وعاشت الحياة بكل تقلباتها، مدبرة تارة ومقبلة تارة أخرى. تنقلت بين الحواضر والمدن، بين ما هو تقليدي وما هو عصري. كان لها الحظ في أن تظل حية رغم مرارة النكبات، صارعت من أجل البقاء وفرض الذات. تعلمت وتدرجت في سلم العلم، ثم اختارت الكتابة كحل لتشريح المجتمع، وضبط تناقضاته.

سيرة "العيش على الحافة" ليس قوامها الاسترجاع فقط، كشريط لأحداث مضت، بل تصاحب ذلك بالجمع بين الكشف والبوح والنقد، محاولة استبطان الذات الشخصية من جهة والجماعية من جهة ثانية.

سؤال الكتابة

يستهل الكاتب سيرته الذاتية بسؤال استفهامي استفزازي عن مغزى الكتابة: "لماذا أكتب قصة حياة هذا الإنسان؟"[1]، وهو السؤال الذي ظل يؤرق باله، ويضطرب في ذهنه، ويتحرك في كل الاتجاهات دون أن يستقر على حال. ولكن لماذا هذا الاضطراب؟ والحال أن الكاتب قد قطع" في مشروع الكتابة شوطا غير قصير"[2]؛ ماذا جرى الآن؟ وكيف استعصى القلم فجأة، وثار في وجه صاحبه وأعلن تمرده وعصيانه؟

"كنت طول عمري حييا لا أعرف كيف أتحدث عن نفسي. وإذا أردت أن أتحدث عن نفسي اعتراني الارتباك واختلطت حكاياتي أولها بأخرها"[3].

إن الأمر إذن يتعلق بالذات، بهذا الكائن الذي يسمح بالحديث عن غيره، ولا يبيح الحديث عن نفسه. والكاتب كلما أراد أن يتحدث عن نفسه احتله التوتر وغرق في صمته. فهل الذات منطقة محرمة إلى هذا الحد حتى يعجز اللسان عن الاعتراف؟ وهل بإمكانه أن يستمر مستسلما هكذا منهزما أما ذاته؟

لم يستسغ الكاتب هذه الحال سيما بعد أن اعتلت صحته، وركبته الشيخوخة، وبدأ يراوده حديث الموت والفناء. سبعيني واقف على الحافة، ويتوجس خيفة من المستقبل الغامض، والماضي المثقل بالذكريات، والحاضر الموحش: "زارني ـ قبل شهرين ـ زائر غريب"[4] ولم يكن هذا الزائر سوى "عزرائيل البروليتاريا"[5].

إنه الموت يطلبه بين الفينة والأخرى، قبل أن يتوارى فجأة. أمام هذا الوضع لا مناص أمامه إلا البوح للتنفيس عن ذاته، وطرد الوحدة بعيدا، وقبل هذا وذاك تأريخ الزمن الماضي الذي سيصبح حاضرا يحكى ويقرأ. وعليه، أراد أن يتحدى "زائره الفجري"، وأن يبسط تاريخه الشخصي، وأن يترك شيئا يستحق أن يضحي من أجله بحياته، وأن يولد من جديد، ولن يتأتى ذلك إلا بالكتابة والاعتراف. إنه الأمر الوحيد القادر على هزم الموت، وبعث ذات جديدة تحيا بالحرف، وتتنفس بالكلمات.

تتعدد غايات الكتابة من كاتب إلى آخر، فهناك من يرى أن "الكتابة الذاتية استدعاء للمشاركة في فرجة المرء على نفسه وهو يقدم روايته ظالما أو مظلوما"[6]؛ وهناك من يكتب "لينسى" أو "لتصفية حساب، وأخذ بثأر"[7]. لكن صاحبنا يكتب لأمر آخر: "أنا أكتب لأني أريدك أن تكون معي"[8]، فالكاتب سيكتب، لكن لمن؟ يحتاج إلى القارئ كي ينشر ذكرياته على حبل غسيله.

تدل لفظة "أنا" و"أن تكون معي" على أنه يعيش لوحده منفردا. والوحدة تولد الوحشة، والفراغ يصنع الألم. وهل يستطيع الإنسان أن ينعزل عن هذا الآخر الحقيقي أو المفترض؟ يقول السارد:

"استيقظت قرب الساعة السابعة، ولكن كيف أطيق الانتظار إن لم أمسك القلم، إن لم أخل إليك قليلا يا صديقي الوحيد؟ فلا بد لي من الانتظار حتى يستيقظ بواب العمارة ويفتح حجرة التلفون، وحتى يستيقظوا هم أيضا"[9].

يفصح هذا المقطع عن المعاناة التي تختلج بين جنبي السارد، لولا وجود القلم وهذا القارئ الضمني يداوي جراحاته الغائرة كل صباح. وعندما نقول القارئ الضمني لا يجب خلطه مع القارئ الفعلي، لأن "القارئ الضمني هو القارئ الذي يتخيله الكاتب عندما يكتب ... أما القارئ الفعلي فلا يمكن للكاتب أن يعرفه بالضبط ولا أن يتخيل بدقة ردود فعله"[10].

والسارد لا يخاطب إلا هذا المتلقي الضمني، لأنه يحتاج إلى آخر يفضي إليه بحميميته، فالعمل المنجز في هذا المقطع هو أن يضمن ذاتا تصغي إليه، وتملأ فراغه، ولن يتأتى ذلك إلا بالتأثير القولي، وإقحام المتلقي: "أريد أن أنفض حياتي أمامك"[11].

يلح السارد في أكثر من موضع ويستفهم "أكتب أو لا أكتب؟" وحتى إذا استقر في نفسه أن يكتب، تساءل مجددا "لماذا أكتب؟" وفي كل مرة يؤكد أنه يريد أن يتخفف من عبء ثقيل يرزح تحته، يريد أن يتخلص من بضاعته قبل مجيء "زائر الفجر".

شيخ هرم يكاد يختنق، ولا يملك بين يديه غير اللغة، إنها المتنفس الوحيد الذي بقي لعجوز مثله، ها هي الكلمات والذكريات تزدحم وتتناسل في فكره، وتؤرق مضجعه. وها هو الماضي يلقي بنفسه على خاطره ويعذبه، يريد أن يبوح كي يستريح، ويعبر كي تهدأ روحه: "أريد أن أتخفف من عبء ثقيل، أن لا يجيئني زائر الفجر وأنا مثقل"[12]، فهل سيمهله زائره الفجري إلى حين يلقي ما بنفسه؟

السرد والموت

ما علاقة السرد بالموت؟ وكيف نجمع بين ضدين قلما يلتقيان؟ ذلك أن هناك علاقة تنافر بينهما، لا يظهر الواحد منهما حتى يختفي الآخر، مثل تعاقب الليل والنهار، فلا بد أن يطرد النور الظلام إذا حل، دون أن نتساءل أين حل هذا الأخير؟

يتوارى السرد إذا ارتطم بالموت، ويستتر الموت إذا بدأ السرد، فالسرد في "ألف ليلة وليلة" مرتبط بالحياة، بأن تكون "شهرزاد" أو لا تكون. والأكيد أن شهريار إذا ارتكن إلى طابعه الإجرامي، فإن السرد سيتوقف بدوره ويختنق. وما دام هذا مستمر، فإن الحياة تطول والسرد يطول.

ولكن أليس الموت نفسه هو الذي أوحى للسارد كي يسرد ماضيه؟ ألم يكن هو المحفز لفعل الكتابة نفسها؟ وهل كان سيكتب عن ذاته ويعريها لولا الموت؟

"وها أنت ذا تبعث إلي رسولك في تلك الفجرية، ثم تمهلني سنين، أشكرك يا موت، وأشكر خالقك وخالقي، ترى هل تمهلني حتى أتم هذه الصفحات"[13].

واضح أن الموت يلعب دورا محوريا في البوح، وكأن ذلك محكوم بفترة زمنية قد تنقضي بسرعة، فيتوارى الحديث والإفصاح، وتتوقف الرحلة إلى الماضي دون أن تتم. إنه نفس الموت الذي أسقط أباه في شراكه، وها هو اليوم يعود دون سابق إنذار ليحوم بجانب جسده، غير أنه في كل مرة يمهله "سنين" حتى يعود ليحوم من جديد.

فالموت هو ذلك المثير الخارجي، والسرد هو الاستجابة الفعلية لذلك المثير بلغة السلوكيين، كلما أحس الإنسان باقتراب ساعته، استجمع قواه ليحفظ ذاكرته ويخلق ذاتا، ستأخذ وظيفته إبان موته مباشرة، كما ينوب القمر عن الشمس:

"لولا الشمس لما كان له نور (القمر) ولما انتبه إليه أحد ... إضافة إلى ذلك يتجلى وضعه الثانوي في كونه ينوب عن الشمس عندما تغيب"[14].

وكذلك الكاتب ستنوب عنه سيرته وقت رحيله، الأمر الذي جعل السارد لا يفتأ يذكر الموت مرة تلو الأخرى، ويقحمه في نصه: "وبقي أن أحدثك من جديد بحديث الموت: ولا أدري لماذا أعود إليه دائما، ولكنك يجب ألا تنفر من هذا الحديث، فالانشغال بالموت هو الوجه الآخر لحب الحياة"[15].

تشغل تيمة الموت حيزا كبيرا في السيرة، فقد جعلها السارد مقترنة بالحياة بل وملازمة لها، فلا نفهم الحياة إلا إذا فقهنا الموت. ولكي نفهم سر هذا الانشغال المتواصل علينا أن نستقرئ حضورها ضمن المتن النصي:

أ= موت الإخوة الثلاثة قبل ولادة السارد: "فأنا لم أكن طفلا أولا ولا ثانيا، لم يكن قبلي إلا أولئك الأخوة الثلاثة الذين أخلوا لي السبيل بنبل وكرامة"[16].

ب= موت الأخت بعده مباشرة: "ولا أذكر أن أحدا ولد بعدي إلا بنتا سميناها صفية ولم تعش أكثر من بضعة أشهر"[17].

ج = موت الأب فجأة: "دخلت الجامع فإذا لمة في ركن (...) لم أجرؤ على الاقتراب منه، لم أره قط ميتا، كانت آخر صورة له وهو نازل إلى الجامع"[18].

د= موت الشيخ عبد الرزاق: مدرس السارد.

هـ= موت جمال صادق: زميل السارد في الدراسة.

غلاف كتاب شكري عيادلم تعد الموت غريبة على نفسية السارد، بقدر ما أصبحت بينة واضحة، وهي طاغية في الأحداث النصية لأنها تفرض وجودها وشراستها في ذاكرة السارد: "معرفتي بالموت كانت مبكرة جدا، قبل أن أشهد موت أي إنسان"[19]. وفي نفس الوقت تمثل مصدر إزعاج وخوف مستمر، إذ كيف استطاعت أن تختطف كل هذه الأرواح دون أن تفتك به (ثلاثة إخوة قبل ولادته وبنت بعد ولادته).

إنه أمر يثير النظر والاستغراب، ويستحق كذلك وجوب الاحتياط وحساب الخطوات، وتحمل مسؤولية البقاء حيا، لأن العائلة لم تعد قادرة على استيعاب فجيعة جديدة: "أشعر أنها (أمي) تحملني مسؤولية فظيعة، أن أبقى حيا"[20]، لذلك نجد السارد قد عدل عن العوم في "الترعة" خوفا من الغرق، وركوب السيارة لتفادي حادث طارئ.

تلك بعض الإجراءات الاحترازية لمواجهة عدو الموت، وهو مطالب بأن يفعل المستحيل ليبقى حيا ولو إلى حين، ومن هنا نفهم عنوان السيرة "العيش على الحافة" ولكنه لم يسقط في الهاوية بعد.

الذاكرة والسرد الاسترجاعي

لا شك أن الذاكرة هي العنصر الأساسي والضروري في بناء السيرة الذاتية، إذ بدونها يستحيل التأريخ الشخصي، ويستحيل "استعراض جزء من حميميتنا" كما يقول كيليطو.

إن الذاكرة تجعل الماضي حاضرا، فهي السجل الشخصي الذي يحفظ تاريخنا الفردي من الضياع بل إنها تشكل هوية الفرد وبوصلته، وضياعها يعني ضياع الشخص وتيهه في الأرض.

بيد أن هذه الذاكرة ليست ثابتة ولا مستقرة، فقد ينتابها النسيان، ويعلوها الفتور والامحاء، فتختفي الأحداث البسيطة، وتتوارى الجزئيات، وتُقبر كثير من التجارب.

ولهذا يسلم الباحث بداهة أن السيرة الذاتية ليست مرآة لمبدعها، أو مطابقة لماضيه تمام التطابق، بل هي تقريب تطبعها النسبية.

"لقد أدهشني ما لاحظته من أن الأحداث التي ظللت أحتفظ بكل تفاصيلها زمنا ومكانا ورائحة ونبرة صوت وقسمات وجه أخذت تتلاشى من ذاكرتي بمجرد ما صغتها في صور وألوان لغوية بديلة. ويتمادى هذا المحو كلما أعدت القراءة وغيرت الصياغة. لدرجة أن صار يساورني الشك في واقعية بعض التفاصيل التي كنت أجزم بها قبل الكتابة، فحذفت بعضها"[21].

بيد أن الكاتب يحاول قدر جهده أن يلتزم بالصدق، ويتحرى الموضوعية، فلا يدون إلا ما رسخ في ذاكرته، واستحال على الزمن محوه:

"أريد تلك الدرجة من الصدق التي تسبق الصمت مباشرة، ولا أريد أن "أصنع" شيئا. أريد فقط أن أظهر كل ما خفي من أمري وفكري. هذه كتابة من نوع مختلف. كل كتابة حاولتها قبل اليوم كان فيها قدر كبير أو صغير من الصناعة، مهما قلت، تفسد الكتابة كلها"[22].

ولذلك نجد أن أغلب كتاب السيرة الذاتية يقرون بقصر الذاكرة. إذ مهما بلغ ذكاء الفرد، وقوة استيعاب وتخزين ذاكرته، فإنه لن يسلم من النسيان:

"وهناك جوانب أخرى في قصة حياتي لا سبيل إلى كتابتها، إما لأنها ذهبت من الذاكرة أدراج الرياح، أو لأنها أعز من أن تقتنصها الكلمات"[23]، ومع ذلك يصرح السارد بأنه سيلتزم الصدق، ويعبر بصراحة:

"هذا إن استطعت أن أحدثك بكل الصراحة، بكل الصدق الذي أريد. ولماذا لا أفعل؟ إنني أقف عند الحافة الحرجة بين الكلام والصمت، بين الحياة والموت، أو بين الموت والحياة"[24].

وعادة السيرة الذاتية أن يكتبها المرء بعد أن ينهل من تجارب الحياة المختلفة، لتكون سفرا للفرجة والإمتاع والمؤانسة من جهة، وأخذ العبرة والمعرفة من جهة ثانية، إذ تجمع بين الجد والهزل، والفرح والألم، والحب والكراهية، إلى آخره.

والحق أن السيرة الذاتية لا تكتفي بالتأريخ للذات الفردية فقط بل تتجاوز ذلك إلى تأريخ ما هو سياسي واجتماعي وثقافي مرتبط بتلك الحقبة: "أقدم جوانب من سيرتي الذاتية، متحدثا باسم أبناء جيلي، ومؤديا ضريبة الحظوة التي انفردت بها دونهم"[25].

يقول محمد العمري في نفس المنحى: "زمن الطلبة والعسكر "زمن مقتطع" ـ كما يقال في لغة كرة السلة ـ من مسلسل الصراع بين المخزن وبين طليعة "الحركة الوطنية" التي ناضلت من أجل الاستقلال ثم تحولت إلى معارضة تجر ذيول الخيبة"[26]، فتاريخ الفرد ليس منفصلا عن تاريخ الجماعة كليا، لأن الإنسان ابن بيئته يتأثر بالأوضاع العامة. وحتى إن صرح أنه لا يكتب تاريخا فإن هذا الأخير يتداعى من كل الجهات، ويقتحم الكتابة حتى دون أن يعي الكاتب.

يقول السارد: "هذه السيرة الذاتية ليست تاريخا، فصاحبها لم يكتب مذكرات، ولم يشارك في الأحداث السياسية (إن كانت هناك أحداث) بأي صورة من الصور. ولكنها تكتب، فيما تكتبه، تاريخ ما أهمله التاريخ. وعندما أفكر في الأمر، أجد توافقا غريبا بين ما أصاب صاحبها، حتى في حياته العاطفية، وما كان يعانيه عامة الناس"[27].

يظهر التوظيف القوي للذاكرة انطلاقا من المقاطع السردية التي تحدد مكوناتها وتجلياتها:

"أول رؤيتي للموت لم تكن مفاجأة ولم تكن (ذات) معنى. كانت شيئا آخر يترسب في الذاكرة، ولا يفهمه المرء إلا ببطء، قطرة قطرة، مثل سم بطيء"[28].

ويمكن تقسيم الذاكرة أو عنصر التذكر في هذه السيرة الذاتية إلى ثلاثة أضرب:

أ= ذاكرة قوية: ونقصد بها أن السارد يتذكر الحدث بكل تفاصيله، وكأنه نقش على ذاكرته "كانت شيئا آخر يترسب في الذاكرة".

ب= ذاكرة متوسطة: وتعني أن السارد يتذكر حدثا بعموميته لا بتفاصيله "صيفيات الكَفر تختلط في ذهني، لا يمكنني أن أرتبها زمنيا، ليست لها علامات كسنوات المدرسة، التي يمكنك أن ترتب البعض منها تبعا لأشخاص المدرسين"[29].

ج= ذاكرة ضعيفة: بمعنى أن السارد نسي أحداثا ووقائع، وسقطت من ذاكرته، سواء بسبب تفاهتها أو لصغر سن السارد، إلى آخره: "ومن سوء حظ الآباء أننا لا نستطيع أن نتذكر ما فعلوه لنا في السنوات الأولى من أعمارنا"[30].

أما فيما يخص بنية الزمن السردي، فإننا نلاحظ أن السارد لم يرو قصته من البداية إلى النهاية حسب ترتيب زمني أفقي، بمعنى أنه لم يبدأ بالحديث عن الطفولة ثم الشباب فالكهولة. بل بدأ بالنهاية مباشرة: "وأنا أبدأ بالمشهد الأخير، على طريقة الفلاش باك، وأن أجعلك أنت ممثله الوحيد"[31]، إذ جاءت أحداث النص حسب الترتيب التالي: (حدث3 ـ حدث 1 ـ حدث 2).

هذه المرونة يوفرها السرد، وهو ما يسمى "بالمفارقة الزمنية"[32] وهذه الطريقة تضيف جمالية خاصة للنص، تتمثل أساسا في جعل المتلقي يقبل على تتمة السيرة كي يصل إلى نهاية الحدث انطلاقا من توليد التشويق، إذ نجد هذا الأخير حاضرا وبقوة في سيرورة الأحداث، مما يجعل السارد قادرا على إدارة السرد وتوجيه تبعا لذلك إرادة المتلقي، ذلك أن السارد لا يتوقف عند حدث معين حتى ينهي آخر فصوله ويحدد معالمه الكاملة، بل إنه يثير فقط إشارات هنا وهناك، كي يضمن سيرورة عنصر التشويق.

لذلك لا يحس المتلقي برتابة الأحداث هذا من جهة، ومن جهة ثانية نلاحظ أنه يقحم المتلقي في كل مرة ويوجه الخطاب مباشرة إليه، فالسارد يربط ربطا قويا بين استمرار السرد والتشويق وعنصر الإقحام: "عندما ذهبت إلى الإسكندرية في رحلة الصيف التي سأتحدث عنها فيما بعد بشيء من التفصيل"[33].

وقوله: "وكان كتابه "العقل الباطن" ذا فضل عظيم علي في مرحلة المراهقة، وسيأتيك نبأ ذلك بعد حين (وليكن ما يكون)"[34]. وقوله كذلك: "إلى أن تغير الحال بفضل نظام الامتياز، وأستاذ اسمه أحمد الشايب، وسيأتيك نبؤهما بعد حين"[35]. وفي هذه المقاطع الثلاثة يظهر كيف يشتغل السارد على القارئ، وامتلاكه للآليات الخطابية الموجهة.

ويمكن أن نقف كذلك عند مثال آخر، ونأخذ حدث موت الأب، إذ نجد أن السارد تحدث عن لحظة موت أبيه باقتضاب شديد في الصفحة (39) دون أن يصف أجواء الموت، ولا ما أحدثه من حزن في صفوف أفراد العائلة، ولا وصف الجنازة، واكتفى فقط بإشارات، ليعود إلى نفس الحدث في الصفحة (119) ويصف بدقة ليلة موته وجنازته وحزن أهله.

خلاصة

تلعب السيرة الذاتية دورا كبيرا في التعبير عن كثير من التجارب التي تصادف كاتبها طيلة حياته، بمرها وحلوها، بإيجابياتها وسلبياتها. إذ يحاول قدر الممكن استبطان شخصه والمحيط الذي يعيش فيه، لتصبح ذاتا واضحة المعالم. وللسيرة أهمية خاصة لأنها تستند إلى مرجعية واقعية، عكس الرواية التي يطبعها التخييل. من هنا أخذت قيمتها كجنس أدبي متميز.

وسيرة "العيش على الحافة" لا تخرج عن هذا الإطار، حيث تحاول الإفصاح عن واقع مصر خلال القرن الماضي، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي أو الثقافي. وهي قبل ذلك تفصح عن ذاتية الكاتب وتعريها، محاولة تأريخ طفولته، وتبيان العوامل المؤثرة فيها سلبا أو إيجابا، ورحلة شيقة في شبابه، وصولا إلى شيخوخته.

ومهما يكن فإن السيرة الذاتية تظل تجربة ذاتية، ورؤية شخصية مفعمة بالحيوية والرغبة في البوح، يحاول من خلالها الكاتب مشاركة الآخر حياته، والكشف عن بواطن الذات بأسلوب جذاب، ومعان عميقة، وتعابير رزينة.

= = = = =

الهوامش

[1] شكري محمد عياد، العيش على الحافة، سيرة ذاتية، أصدقاء الكتاب، ط1، 1998، ص 5.

[2] نفسه، ص 5.

[3] نفسه، ص 8.

[4] نفسه، ص 7.

[5] نفسه، ص 7.

[6] محمد العمري، زمن الطلبة والعسكر، ص 6.

[7] نفسه، ص 7.

[8] شكري محمد عياد، العيش على الحافة، ص 30.

[9] نفسه.

[10] عبد الفتاح كيليطو، الأدب والغرابة، ص 80.

[11] شكري عياد، العيش على الحافة، ص 14.

[12] نفسه، ص 73.

[13] نفسه، ص 42.

[14] عبد الفتاح كيليطو، الغائب، ص 9.

[15] شكري عياد، العيش على الحافة، ص 53.

[16] نفسه، ص 28.

[17] نفسه.

[18] نفسه.

[19] نفسه، ص 41.

[20] نفسه، ص 54.

[21] محمد العمري، زمن الطلبة والعسكر، ص 7ـ8.

[22] شكري عياد، العيش على الحافة، ص 6.

[23] محمود الربيعي، في الخمسين عرفت طريقي، ص 6.

[24] شكري عياد، العيش على الحافة، ص 7.

[25] محمود الربيعي، في الخمسين عرفت طريقي، ص 5.

[26] محمد العمري، زمن الطلبة والعسكر، ص 9.

[27] شكري عياد، العيش على الحافة ، ص 160.

[28] نفسه،ص 41.

[29] نفسه، ص 68

[30] نفسه، ص 38.

[31] نفسه، ص 12.

[32] الدليل الى تحليل النص السردي: تقنيات ومناهج، محمد بوعزة، ص 70.

[33] شكري عياد، العيش على الحافة، ص 77.

[34] نفسه، ص 88.

[35] نفسه، ص 132.

المراجع

شكري محمد عياد، العيش على الحافة، سيرة ذاتية، أصدقاء الكتاب، ط1، 1998.

عبد الفتاح كيليطو، الأدب والغرابة دراسة بنيوية في الأدب العربي، دار توبقال والنشر،ط2، 2006.

عبد الفتاح كيليطو، الغريب: دراسة في مقامة الحريري، دار توبقال للنشر، ط3، 2007.

محمد العمري، زمن الطلبة والعسكر، مركز محمد بن أيت إيدرـ الدار البيضاء، ط1، 2012.

محمد بوعزة، الدليل إلى تحليل النص السردي: تقنيات ومناهج، دار الحرف للنشر والتوزيع، ط1، 2007.

محمود الربيعي، في الخمسين عرفت طريقي، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة،ط1، 2000.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3251095

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC