طه بونيني - الجزائر

أذكى حيوان

طه بونينياشترى حامد تذكرة القطار الذي لن يصل قبل الساعة العاشرة صباحا، وكانت حينها التاسعة، فاغتنم الفرصة لزيارة الحلّاق ليحلق رأسه، وهكذا لا يضيّع الوقت في الانتظار.

قصد حامد محلّ الحلّاق نشطا فرحا يفكّر في رحلته التي تأخذه إلى عمله المستقبلي. بعد نصف ساعة من السفر على متن القطار، من المفروض أن يكون في محطّته المنشودة. وبعد عشر دقائق من السير، يصل إلى الشركة، أي قبل الموعد بعشرين دقيقة. وهكذا يثبت مدى التزامه وانضباطه، فضبط المواعيد معيار للإحساس بالمسؤولية.

وعندما يصل يعلم المسؤولين بقدومه. تطلب منه السكرتيرة الانتظار. وعلى الحادية عشرة، يقابل المدير. إلى هنا توقّف خيال حامد، عندما دلف إلى المحلّ. وفي محلّ الحلّاق وجد هرجا ومرجا. رأى شابّا يجلس على كرسيّ قريب من الباب ويبدو أنّه زبون. بدا ذلك من سكوته، وطريقته في الجلوس والإنصات للجماعة التي كانت تتحدّث.

ويجلس على مقعد طويل خمسة رجال متقدّمين في السنّ. وبنظرة سريعة اطمأن أنّ دوره بعد ذلك الشابّ، أما الآخرون فضيوف.

كان في المحلّ ثلاثة حلّاقين. الحلّاق الأول شيخ وخط الشيب شعره. لا يتكلّم كثيرا، إلّا عندما يناديه أحدهم، حينها فقط يجيب وبكلمة مقتضبة.

أمّا الحلّاقان الآخران، فكان بينهما رجل كهل وآخر شابّ. وقد كانا يتجاذبان أطراف الحديث مع الأشخاص الذين كانوا جالسين في المحلّ، لمجرّد الجلوس، ونستطيع تسميتهم ضيوف المحلّ، أو رفقاء الحلّاقين، أو الجمهور، أو سمّهم ما شئت.

بدا حامد مغتبطا عندما نهض الشابّ وسلّم رأسه إلى ذلك الحلّاق المسنّ. نظر حامد إلى الساعة، وكانت تشير إلى التاسعة وعشر دقائق.

لم يمض الكثير حتّى انتهى الحلّاق الكهل من حلق لحية زبون. وقد حان دور صاحبنا. نهض من مكانه، نزع معطفه، وجلس على الكرسيّ الدوّار.

ثبّت له الحلّاق المئزر وراح يدسّه دسّا في عنقه وقفاه، ثمّ شدّ الخيط حتّى كاد يخنقه به. كلّ هذا وهو ينظر إلى أحد الضيوف ويتحدّث.

تطلّب الأمر اعتيادا ومراسا طويلين حتّى استطاع هذا الحلّاق فعل أشياء كثيرة في الوقت نفسه. أخبره حامد بقصّة الشعر التي يبتغيها، وأومأ الحلّاق برأسه إيماءة قصيرة مفادها "حسنا".

ألقى حامد نظرة أخرى إلى الساعة. كانت التاسعة والربع. بدأ الحلّاق، على بركة الله، في عمله آخذا آلة القصّ، تلك الآلة التي وفّرت على الحلّاقين، الجهد والوقت وأغدقت عليهم بالمال، وراح يمرّر تلك الشفرات على شعر حامد. وبعد دقيقة أو دقيقتين، توقّف الحلّاق. دار نحو ضيوفه الذين كانوا يتحدّثون، وقال:

"يا سي مختار، لست وطنيا. لماذا تنتقد المنتخب الوطني، وخسارته في كأس إفريقيا؟ ألم يقدّموا حتّى الآن أداء مميّزا؟ صرتم كلّكم مدرّبين، وتقدّمون النصائح والتوجيهات، وعندما نخسر تنهالون على اللاعبين المساكين بمعاول النقد وسياط العتاب".

ثمّ استدار وأشعل الآلة واستأنف الحلاقة.

كان حامد يسبح في خيالاته. فقد صوّر له خياله الموعد الذي ينتظره. وراح يخطّط لما سيقوله والوضعية التي سيتّخذها أمام المدير وكيف سيجيب وكلّ التفاصيل الأخرى.

ثمّ توقّف الحلّاق مرّة أخرى فجأة، بعدما أجابه سي مختار قائلا: "أنا وطني ولهذا أعيب على اللاعبين، الذين نالوا حصصا كبيرة من المال والاهتمام من الدولة والشعب، وفي المقابل يقدّمون هذا الأداء الهزيل".

قال له الحلّاق حانقا: "من فضلك، أغلق هذا الموضوع. فقد عدت أحتار من أمثالك".

سكت الضيوف. وحمل بعضهم الجرائد وراح يقرأ، بينما راح البعض الآخر يتهامس وفي نيّته المغادرة.

في خلال ذلك، تحرّكت آلة القصّ على رأس حامد حرّة سريعة. وكانت الساعة تفعل مثلها. وخلال دقائق الصمت تلك، أتمّ الحلّاق حلق النصف الخلفي. وضع الآلة، وحمل السكّين وراح يشذب الشعر من الأطراف الخلفية والجانبية.

أمّا الحلّاق الشابّ فقد كان يبدو حيويا جدّا يتحدّث بسرعة، يتحرّك بسرعة ويحلق بسرعة. كان يتلاعب بالمقصّ بين يديه، وكأنّه بهلواني في السيرك. وبين لحظة والأخرى يحدث صريرا بمقصّه، وهو ينفضه. يتحرّك كموسيقار يعزف معزوفته التي لا يملّ من تكرارها. أمّا صوت المقصّ فكان كإيقاع سريع لقطعة موسيقية، يمثّل الشّعر المتطاير أنغامها.

عندما لاحظ هذا الحلّاق الشاب الحضور، وهم يتهامسون وقد أبدوا استياءهم، حاول فتح موضوع جديد، فلم يتبادر على ذهنه، غير الشريط الوثائقي الذي رآه في الليلة الماضية. فقال لهم:

"أخبرني يا الحاج عبد الله، هل رأيت البرنامج التلفزيوني ليلة البارحة في "ناشيونال جيوغرافيك"، ذلك البرنامج الذي قارنوا فيه بين قدرات الأسد والنمر وبعض الحيوانات الأخرى.

"لم أر الشريط، لكنّني أتصوّر أنّ النمر هو الذي فاز. وبرأيي فالعبارة التي تقول: "فاز بحصّة الأسد"، عليها أن تتبدّل فتصير: "فاز بحصّة النمر".

يبدو أن الحديث لم يعد يتركّز حول كرة القدم. استبدل الحلّاق الكهل، الذي يتولّى أمر صاحبنا، الآلة بالمقص وقد استرعى الموضوع الجديد انتباهه. فقد شاءت الأقدار أنّه قد اطّلع على الشريط الوثائقي هو كذلك.

قال الحلّاق الكهل: "لقد شاهدت البرنامج وقد أفضت البحوث إلى أنّ الأسد هو ملك الحيوانات بحقّ. وقد قيل أيضا إنّه يتمتّع بذكاء خارق في الوقت نفسه، وإلّا لما استطاع التربّع على عرش الغابة".

وقال الشيخ علي وقد أعجبه الحديث بعدما وضع الجريدة، وخلع نظّارتيه، وكان يبدو من خلال هندامه وطريقة كلامه أنّه رجل متعلّم:

"أنا لم أتفرّج على هذا البرنامج لكن بمناسبة الحديث عن الذكاء الحيواني، فأنا أجزم أنّ القرد هو أذكى الحيوانات، ولا أظنّ أن رجلين عاقلين يختلفان حول هذه المعلومة".

توقّف المقصّ عن العبث بشعر حامد. لقد أحسّ الحلّاق الكهل بأنّ كرامته قد أهينت وبأنّ شرفه قد اغتصب لأنّ أحد الحضور خالفه في الرأي. عندها أدرك حامد أنّ الزمن سيضيع مرّة أخرى وخالجه شعور بالقلق لأنّ رحلته على متن القطار صارت مهدّدة، رغم أنّه ليس أمام الحلّاق غير ضربات قليلة بالمقصّ لينتهي منه.

ورفع صاحبنا رأسه نحو الساعة وكانت قد اقتربت بعشر دقائق من العاشرة.

وبدأ خيال حامد يصوّر لهذه المدّة القصيرة سيناريوهات عديدة، وكانت بعضها إيجابية تفاؤلية، ممّا أصبغ على نفسه الهدوء الحذر.

وراح الحلّاق الكهل يثبت نظريته، ويدعمها بالحجج وقد كانت كلّها سخيفة. لقد رأى الحلّاق المسنّ أنّ صديقه وضيفه الشيخ علي، قد صار وحيدا أمام الحلّاق الهائج الذي اكتسحه بكلامه الذي لا يخلو من العنف، فخرج عن صمته وقال لضيفه، بكلمات رزينة تهدّئ الجوّ:

"يبدو أنّ زميلي يخلط بين القوّة والذكاء. وحسب نظريات التطوّر البيولوجي، فالحيوانات الذكيّة لا تملك من وسائل الدفاع والهجوم، مثلما تملك الحيوانات المفترسة، وهذا ما طوّر ذكاءها، فصارت هذه الميزة وسيلتها الأولى للنجاة".

نظر الحلّاق الكهل، شزرا إلى زميله. وأحسّ سي مختار بضرورة اغتنام الفرصة ليثأر لنفسه:

"لا أوافق أيّا منكم، فأنا واثق بأنّ الفيل هو الأذكى والأقوى وليس بين الحيوانات من ينافسه. فللفيل ذاكرة أسطورية أذهلت العلماء".

تدخّل سي مختار أشعل فتيل الغضب لدى الحلّاق الكهل، فعبس وجهه وانتفخت أوداجه وأقسم ألا يستسلم حتّى تصير كلمته هي العليا وكلمة الذين خالفوه هي السفلى. أمّا صاحبنا المسكين فقد تبدّدت كلّ مشاعره التفاؤلية عندما دقّت الساعة العاشرة.

حينها استعر حنقا واضطرم وجهه، لكنّه لم ينبس ببنت شفة، وكظم غيظه لأنّه أدرك أنّ القطار قد ذهب، وأنّ الفرصة قد طارت والغضب لن يفيده في شيء.

انتظر حتّى انتصر الحلّاق وراح يستمتع بفوزه وبعلمه الذي راح يرفرف عاليا. حينها عاد إليه وأتمّ الحلاقة. وعندما فرغ، نزع المئزر وأطلق سراح صاحبنا الذي نهض وهو يتأسف على الفرصة التي تملّصت من بين يديه.

دفع الأجرة ثمّ وقف أمام الحلّاقين والحضور وقال لهم: "هل أنبئــكم من هو برأيي الحيوان القويّ والذكيّ بلا شكّ؟"

قالوا كلّهم ما عدا الحلّاق الكهل: "نعم بالطبع".

فقال حامد: "برأيي، التيس هو الرابح في مسابقة القوّة والذكاء. نعم العتروس، لأنّه لم يشأ التفريط في لحيته كي لا يقّدمها لأشخاص مثل هؤلاء الأوغاد ليجعلوا منه مهزلة".

ثمّ مضى حامد لا يلوي على شيء ودون أن يضيف كلمة أمام أنظار الحلّاقين والحاضرين المشدوهين لهذا الزبون الذي يثرثر كثيرا ولا يملك أدنى أخلاقيات الزبائن المحترمين.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3177366

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC