مكارم المختار - العراق

زوجتي زوجتي، فمن أبي؟

مكارم المختار(1)

انهكها العمل في البيوت بعد أن رملها مودعا ابنهما ذا العشرة أعوام أمانة في عنقها حتى سقطت طريحة الفراش الذي كانت تستشحذ قطعه من الجيران والمحسنين، فكفالة ولدها ليست بالهينة، فهما بحاجة للطعام واللقمة كما حاجتهما لدراهم قليلة تسدد منها أجرة غرفتهما البالية الخربة، أما الثياب فلا باس في ستر عورات وكفى.

هكذا هزها المرض والضنك بين إطعام ابنها ونفقة الطبابة في المستشفى واحتياجاتها. كانت بين مرض الجسد الضعيف وعلة البدن وكل منهما ينهش حياتها.

رحلت إلى جوار ربها ونفسيتها معذبة على ولدها والتيه الذي سيكتنفه ليغدو إنسانا بلا غد.

كان لابد من ترك المدرسة فحاجته لقوت يومه أولى من كتاب يطالعه أو درس يحفظه. هكذا اضطر للعمل في البناء عاملا بسيطا باجر زهيد.

اصبح بعد حين ماهرا في مهنته وقد تدرج فيها لتتحسن حالته الاقتصادية ويحيا عيشة راضية.
هو الآن يافع وقد تطور حاله وكفاه العيش وحيدا وله أن يكمل نصف دينه. لا بأس أن يتقدم لخطبة ويطلب يد ابنة أستاذه (الأسطة) في العمل.

هذه الأيام تمر سنون وتجر حتى اصبح له دار مستأجرة وزوجة وأولاد، واسمه ذاع في مهارته في أعمال البناء وأمانته في أداء واجبه. كان عليه ألا يعيد التاريخ نفسه ويحرم أولاده من التعليم كما حرمه، فحرص على ذلك وجد واجتهد عليه، فلم يكن يعطي نفسه راحة الأسبوع، بل كان لا يحسب كم ارتاح من ساعات العمل. وكان همه أن ترتاح عائلته بعد حياته من تعب أضناه.

( 2 )

وتحقق له امل في مراد حيث توظف ابنه البكر وحصل على عمل حكومي بعد إكمال دراسته الجامعية، وها هو قد ناهز الخمسين من العمر لكنه مازال يمارس مهنته التي اشتهر بها اسمه وزادت من صيته بقدر ما نقص من بدنه صحة.

وكما هو الشباب وسنة الحياة فقد تزوج الابن من فتاة اشترطت عليه الاستقلال عن بيت أبيه والانعزال ببيت يستأجره لهما ويؤثثه كاملا وأن يشتري سيارة لراحتها.

وما كان للابن إلا أن ينصاع للطلبات والشروط فهي من عائلة ولابد من عيشها بمستوى.

لكن الأعباء تكالبت على الابن بديون وجب دفعها، وكان الأب يتمنى إعالة ابنه وإعانته ولو بتسديد قسط من الديون لكنه هو الآخر ما زال وبهذا العمر مسؤولا عن عائلة وأبناء ما زالوا يتعلمون. وهكذا حمل الأب المرارة مرارتين، الشعور الأبوي والعجز عن معونة ابنه، ومرارة ثالثة أن زوجة ابنه تستعين بزوجها المدين لسد نفقات طلباتها الخاصة.

( 3 )

وعونا من الأب لابنه تبرع أن يبني دارا له على قطعة الأرض التي حصل عليها واستملكها من جمعية دائرة عمله.
وها هو البنيان يرتفع شيئا فشيئا بعد أن تكفل الأب دعما وعونا بدفع نفقات مواد البناء، ليفرغ منه خلال سنتين، كان خلالها الأبناء قد اكملوا دراستهم وتوظفوا والبنات تزوجن ولم يعد غيره (الأب وزوجه) وابنه وزوجته في بيتهم المستأجر، فكان لا بد للاب من ضمان وإن كان مشروطا أن يقيم معهما في الدار الجديدة.

وشاء الأجل أن تتوفى الأم ليصبح الأب ذو الستين عاما وحيدا وهم في مرحلة الانتقال إلى بيتهم الجديد، وبين مسيرة العمر وسنوات التعب أتى السقم لتسكن العلل بدن الأب حتى ما عاد يقوى على عمل يمارس ولا حرفة تزاول.

بدأت الحياة مع الأب العجوز العاطل عن العمل مسيرة جديدة من المعاناة والمشاكل مع الابن، وأخذت منحى لا يطاق، فزوجة الابن تتبرم من وجود أبيه معهم وأخذت تخلق المشاكل وتزعم أنه يتدخل في حياتها الخاصة وشؤونها، وأنها لا تقوى على أن ترعاه وتخدمه، وأن الفوضى تعم البيت منه، وقد ينقل مرضا للأبناء أو يصيبهم بعدوى، وكفاها أنه جاهل بالمجتمع الراقي ولا يعرف الذوق السليم ولا يجاري.

ما كانت لتصمت زوجة الابن هذه، فبركان ثورتها يغضب ويفجر حتى الخامد، فكيف الزوج المطيع؟

اختر ما شئت، إما أنا وإما أن يبقى والدك في الدار. أنا أو هو.

( 4 )

ما كاد هذا الأب المريض أن يستقر في الدار الجديدة حت تفاقم عليه مرض من زوجة ابنه التي لن يصفى لها بال حتى يغادره ويرحل ويتركها حرة وبحرية، بعدما جهد في إنجازه وعمل إضافيا أعمالا أخرى دئبا وجدا حتى أنه لم يأخذ الجمعة استراحة، يبكر ذهابا وينتهي هزيع الليل عودا. ورغم الزكام والصداع كان لا يعفي نفسه من عهده وتبنيه، بل كان يقتر على نفسه وأبناءه الآخرين لقمة ومصاريف ليؤمن تكاليف البناء والتشييد.

فضلات الطعام غذاءه في دار ولده ما كانت تناوله إياها زوجة ابنه بعد انتهاءهم وعلى انفراد كالجرثوم والمستحقر.

لا يهم إن كانت ملابسه نظيفة ومن يهتم إن كانت متسخة، فليس هناك من يعنيه وإن كان لا بد فتغسل بيد امرأة من خارج الدار تسترزق قوتها من أجرة الغسيل، ولا بأس استعطاف الجيران ببعض مهملات ثيابهم ومستعملات ملابسهم لستر كبرته وكسو جلده.

ولم يكن لفراشه هم يحمل من احد مذ وضع قدمه الدار وآواه منزل، فلا احد ينظف ولا احد يرتب وهو كهل مريض ما كان ليرى ابنه إلا حاملا الفضلات إليه لثوان، لتتجدد رؤيته بفضلات أخرى جديدة ظهرا عصرا أو مساء.
وكيف له أن يشتهي صنفا أو يتشهى، فالدار ليست بمطعم ولا المطلوب متيسر وهذا هو الموجود.
ذاك ما كان يزجر به الابن حين الطلب والتمني.

لكنه ما كان لينسى شكل ولده ولا ليغفل عن صورة ابنه ورسمه وما الطبيب بفاعل وما نفعه لتريدني حملك إليه أو استدعيه "هي آلام وأوجاع، ماذا عساي فاعل؟

ينهر الابن والده بجوابه كذا.

هو الابن فلا عتاب على زوجته التي ما كلفت نفسها ولا رحمة أن تعود الأب العجوز المريض أو تفتح باب الغرفة عليه تحية وسؤالا ولا حتى بكلمة أبدا، بل تمنع الأولاد أحفاده من ذكره أو فتح باب غرفته وزيارته.

( 5 )
زوجتي راحتي. شريكتي في الحياة. وشريكي في الدار. إرضاءها حرصي. لزومها الدار في وعيدي لها. لن تغادرها وهي لها ولا غيرها شريك فيها. وما أبي؟ ومن؟ مريض. كهل. عاجز. يسعل وأنفاسه تضايق. هو في غرفته...

دنا منه وقد اشتد عليه المرض والسعال ينتابه ويكتم على أنفاسه وسحبه والفراش المهلهل القذر ولفه دونما كلمة ليستقر به ملفوفا في الشارع بعد وقت العصر ويتركه عائدا إلى الدار غالقا الباب ومتوجها إلى المدفأ، والابتسامة تعلو وجه الزوجة نصرا وتشجيعا، بل قدمت له الشاي مباركة وامتنانا هدية إيثارها على والده، الذي هل عليه الليل في الشارع والمطر ينهمر والبرد قارس.

وما أن تجمع مارة حتى فتحوا اللفافة ليجدوا الأب قضى تحت أسمال بالية كانت له فراشا.

هو شروع بالقتل تلك التهمة الموجه للابن بعد أن اقتادته مفرزة الشرطة التي حملت أباه والدم قد تدفق من فمه على رأسه، من مرض ذات الرئة ليلوث أسماله. حكم عليه المحكمة بالمؤبد.

بقيت الدار خالية بعد مغادرة الزوجة وأولادها إلى بيت أهلها. ولم تكن لأحد رغبة في استئجار الدار الخالية رغم حداثتها فالحوادث احدث فجيعة منه. وما كانت الزوجة لتجهد وتشق على نفسها بزيارة الزوج في سجنه، فمرة أو مرتين في العام تكفي.

( 6 )
وها هي مدة خمسة عشر عاما قضت، ليخرج الزوج مشمولا بعفو ولتخبر زوجته أن سراحه سيطلق صباح اليوم التالي من تبليغها. لمح الزوج زوجته وقد جاءت برفقة ابنها بسيارته، واسرع للقائهما، والابن اسرع هو الآخر بسيارته نحو والده. وبحركة لا إرادية ضغط الولد الابن دواسة الوقود على عجل فصدم والده وأسقطه أرضا. ومن شدة ارتباك الابن ضغط دواسة الوقود بدل مكبح التوقف فسحق جسد أبيه. ترجل من سيارته والدم يتدفق من فم أبيه ورأسه وهو يلفظ آخر أنفاسه.

هكذا كررت الحادثة نفسها: قتل ابن لوالده، ودم تدفق من الفم.

قتل والده وقتله ولده. الصورة واحدة في دم تدفق من فم ورأس.
سراح يطلق من سلطان الأرض من سجن مؤبد، ليعود إلى سجن مؤبد في القبر من سلطان السماء. وما كانت حياة الزوجة إلا بين ترمل وغيابه في سجن الحياة وأرملة من بعده والى الأبد. وتلك داره خوت في حياته وخلت وهو نزيل سجن وها هي خالية من بعد، حتى من راغب في استئجارها. وباتت كسيرة شؤم ولعنة بنيت في سنتين وخلت لعشرين سنة لا يأويها احد ولا يشغلها ساكن لا بيعا ولا إيجارا فأصبحت خرابا لا عمارا، فكانت مقرا للبوم ينعق مع الجيران ذكر الوالد الأب القتيل.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC