نقد بناء العدد 62

واد غير ذي زرع

يسر "عود الند" أن تنشر نصا جديدا (الثالث) ضمن باب نقد بناء الهادف إلى تشجيع الكتاب الجديد من خلال تقديم نقد بناء لنصوصهم. النص بعنوان "واد غير ذي زرع" لأشواق مليباري، والتقييم كتبه تحسين عباس.

عن الكاتبة

أشواق مليباري: كاتبة من السعودية.

عن الناقد

تحسين عباس: كاتب وفنان من العراق.

للحصول على نقد بناء، طالع الإعلان وارسل نصك باستخدام النموذج الخاص بذلك.

ظلال عدنان العقلة

المشرفة على باب نقد بناء

====================

واد غير ذي زرع

وقف أمامها متيما، ينظر إليها في شوق وحنين، طالما أسعده الحلم بلقياها، كانت تقف شامخة أمامه متلفعة بسواد ثوبها، اقترب منها، جثا أمامها ورفع نظره للسماء شكراً وحمداً، وضع يديه المرتجفتين فرحا على أستارها، بكى بصوته كما يبكي الطفل الذي وجد أمه بعد الضياع، لم يدر كم من الوقت مضى وهو على حاله، حتى نبهه شخصٌ كان خلفه، أمسك بكتفه، وقال برفق:

"هيا يا أخي، ستقام الصلاة."

تراجع ووقف في الصفّ، صلى في تلك اللحظات وكأنها صلاته الأولى، فرغ الإمام وانفض الناس، منهم من عاد إلى الدنيا وخرج يلتمس رزقه مع ولادة يوم جديد، و منهم من بقي معه يتلذذ بالعبادة قربها.

بعد سويعات زمجرت الشمس وأرسلت سهام لهيبها، فدلف إلى زمزم، بئر يرتفع بناؤها ليصل إلى قامة رجل، ويقف عليها ساق، يرمي بدلوه ليختفي الدلو في غيابت الجب، ثم يرفعه مستعينا ببكرة معلقة، ليسقي الناس، ويملأ الأوعية والجرار، ارتوى من مائها المبارك، ثم أوى إلى الظل، ملجؤه الوحيد في تلك الأيام كان الرواق العثماني، أسند رأسه إلى أحد أعمدته ذات الأحجار الملونة، نظر إلى الكعبة مرة أخرى، ولكن ألم الجوع أذاب لهفته، أغمض عينيه، حاول نسيانه فلم يستطع.

تذكر أمه وهي تضع على المائدة أطباق اللحم، والخضار المطبوخة، و خبز الباراتا الساخن، ابتسمت وهي تخبره عن تلك الراقصة الجميلة التي سيتزوجها، كانت تتحدث جذلة وأخوه رانجيت ينظر إلى وجهه الحزين ويضحك، في ذلك اليوم اصطحبته عنوة إلى المعبد الأحمر المتربع على قمة جبل قد اكتسى بحقول الشاي الخضراء، ضحك حين رآها، فزجرته أمه، كريشنا الجميلة أصبحت في عينه كائنا ممسوخاً يقفز ويرقص وسط التماثيل الغريبة، والعشرات من الناس يتحلّقون حولها في خشوع، لم يحتقرهم بل شعر بالأسف عليهم، تلك الفتاة الفاتنة، التي لطخت وجهها بالأصباغ، وحاصرت عقلها وسط ذلك المعبد، كانت حديث أمه الذي لم ينقطع في ذلك المساء.

تسلل نحو الغابة القريبة ليلا، بعد أن نامت القرية وتتبع ضوء القنديل المصدور الذي علقه الشيخ ياسين على كوخه، حتى وصل، وبعد انتهاء الدرس شكر شيخه وتمنى له الصحة، وعاد إلى بيته متخفيا كعادته كل ليلة، لكن العين التي راقبته من بين الأغصان قد سبقته وأفرغت ما عندها من أخبار في مسمع والده، فاستقبله شاهراً سيفه في وجهه، راغبا في التخلص من العار وقتله، ولم ينقذه سوى توسلات أمه التي عفرت وجهها بتراب قدمي زوجها كي يعفو عن ابنه ويتركه يذهب إلى حال سبيله.

تنهد ففرت من مقلته دمعة ساخنة، لقد كانوا أهله في يوم من الأيام لكنه لم يعد ابنهم، تذكر الشيخ حسن الذي لقيه في كيرلا على الساحل الجنوبي الغربي من الهند، لقد احتضنه بكل فخر واعتزاز، وآخى بينه وبين طلابه، وأمّن له المسكن والعمل وسماه محمدا، ثم ما لبث أن حثّه على الهجرة إلى أرض الله الواسعة، والفرار بدينه بعد شائعات التهديد والملاحقة من أبناء عمومته الذين تناهت إلى مسامعهم، فدبّر له عملا على إحدى سفن الحجاج المتجهة إلى الحجاز، طالما كانت نفسه تتوق إلى رؤية الكعبة المشرفة، فهاهي الأقدار قد ساقها الله له.

احتضن الشيخ حسن في الميناء وبكى بحرقة، لقد كان له الأب والعشيرة وهو الآن يتركه ويرحل وحيداً مرة أخرى.

كانت الرحلة شاقّة مضنية، كانت الشهور أشبه بالسنوات بفعل تلك الطريق الطويلة دون معالم، والزرقة التي تحاصره أينما نظر تنسج في قلبه خيوط اليأس، فيتلهى عن النظر إليها بالعمل، حتى إذا انتصف الليل، وأوى إلى فراشه سامرته الهموم، وعانقته الغموم، وفي إحدى الليالي، دوى صياح الربان، وتقافز الفتيان، كل يريد رؤية اليابسة، وقف ينظر معهم لتنجلي تلك الخيوط عن قلبه، وتفتح له جدة بمينائها الذي اخترقت أضواء فناره عتمة الليل بابا من الأمل، ذلك الميناء الذي يعج بالسفن الخشبية الكبيرة ذات المحركات، والمحملة بخيرات البلدان المختلفة، يهرع إليها الناس يفرغون حمولتها، يزايدون ويبتاعون، ثم يربطونها و يحملونها سريعا لتغذية السوق.

استقل إحدى الحافلات المتجهة إلى مكة المكرمة نظير ما بقي معه من نقود هندية، نظر حوله متأملا جدة، عروس مزدانة بالأضواء على ساحل البحر الأحمر، سرعان ما ودّعته أبنيتها وأسواقها المزدحمة لتستقبله طريق ساحلية، ثم نزولا إلى الأودية، جبال عارية تنام على نسيمات قد آثرت السكون، وشجيرات متناثرة قد نمت على استحياء وهربت إليها الهوام، ثم مكة بيوت تراكبت تسند بعضها البعض كي تبقى شامخة، مرتفعة على الجبال وأخرى منخفضة، تحاصرها الأزقة الضيقة، حتى ظهرت إحدى المنارات الخمس فبشرته بقربه من بيت الله الحرام، توقفت الحافلة و نزل الركاب ووقف صاحبنا ينظر في ذهول، فهبت نسمات لطيفة قادته إلى ذلك الصرح الذي اكتسى هيبة وجلالاً، تطوقه هالة من العظمة لم يستشعرها قط وهو يقف أمام معابد الهند الذهبية المزخرفة.

أناس من كل مكان يرتدون البياض و يتجهون إلى باب الحرم تلهج ألسنتهم بالدعاء لهذا المكان أن يزيده الله تشريفا، وتعظيما، وتكريما، وأن يعطي من زاره، حجه أو اعتمره مثل ذلك، اختلط الفرح بالدموع، كل شيء كان كما وصفه الشيخ ياسين، الحصى التي فرشت بها الساحات حوله، أبوابه المشرعة، ودخول الناس إليه أفواجا، الرواق العثماني بأقواسه المتقنة و أحجاره الملونة، مقامات المذاهب الأربعة حول المطاف، بئر زمزم، الكعبة المشرفة وهيبتها، ولذة النظر إليها.

فجأة عاد إلى نفسه، وتحرر من ذاكرته، حين رأى رجلاً يتصدق على بعض النسوة الجالسات، فرغم حياة الترف التي أحاطته في الهند، كان شابا قويا، عصاميا، وذا نفسٍ أبيّة، أخذ يفكر بالخروج والبحث عن عمل يستطيع العيش به في هذا البلد.

خرج من المسجد الحرام، كان يشعر بنظرات المارّة ، ويخيل إليه أنهم يستغربون وجوده، وقف بعد مشي طويل أمام أحد المحال التي كانت تباع فيها الأواني النحاسية، همّ بالدخول والسؤال عن عمل ولكنه تذكر أنه لا يحسن العربية فكيف سيتحدث معهم، وفي تلك اللحظة تجمهر الناس حول رجال كانوا يغترفون الطعام من قدر كبيرة في أطباق معدنية، ويقدمونها للمارة، شيوخ، وأطفال، ونسوة متلفعات بالسواد وقفن على استحياء، وكل يلهج بالدعاء وحسن الجزاء لأولئك الرجال، ووسط دهشته امتدت له يد غلام بطبق فيه القليل من الأرز المطهو، ولكنه رفض مشيراً للغلام بيديه الاثنين تعبيراً عن شكره، فانصرف الغلام متعجبا، وهنا رمقه أحد الرجال الذين كانوا واقفين على خدمة الناس بنظرة سريعة.

وبعد انتهاء الطعام شرعوا بحمل القدر وما تبقى من الأواني بينما جلس ينظر إليهم فاقترب منه رجل مهيب، طويل القامة عريض المنكبين، يربط على رأسه غبانة ذهبية، وهو ما يعتمره معظم الرجال في ذلك الحي، قد تسللت بعض الشعرات البيضاء إلى لحيته الكثيفة، ابتسم للشاب وسلم، فوقف صاحبنا على قدميه إجلالا، ثم سأله بإحدى اللغات الهندية المعروفة عن حاله فاستبشر وتهلل وجهه وهتف:

"أتعرف لغتي؟ هل أنت هندي يا عم؟"

"أجل."

"الحمد لله أني وجدتك، فأنا غريب هنا."

"لست غريبا أنت في بلد الله الحرام، ما اسمك؟"

"محمد، لقد جئت من أجل بيت الله، فارا بديني، وتركت كل شيء."

جلس الرجل و أمسك بكتف الشاب وقال مبتسما:

"ونحن فعلنا مثلك يا ولدي، لقد جئنا من كل حدب وصوب من أجل مجاورة بيت الله لا غير."

"وهل هناك الكثيرون من أمثالي؟"

"تعال معي."

مشى الرجل و معه الشاب في زقاق ضيق تطل عليه الرواشين الخشبية من كل جهة، وعند منعطف الطريق ظهرت له دكاكين صغيرة متراصة، استقبلته رائحة الخبز الساخن عند أولها، وقف الرجل وألقى التحية على الخباز ذي الوجه المستدير الأبيض والشوارب العريضة، استحلفه الخباز أن يقبل منه رغيفا أخرجه للتو من التنور، لكنه أبى إلا أن يدفع له، وعند خروجه همس إلى صاحبنا:

"هذا عم كامل الخباز، إنه تركي."

ثم مر بدكان آخر لبيع السجاد، وألقى التحية على صاحبه الأفغاني، وذاك مصري يبيع الآنية النحاسية، وآخر شامي يسكب القطر على البقلاوة الساخنة، ثم يقدمها لجاره العطار المغربي.

حتى وصل إلى دكان لبيع الذهب يجلس على ناصيته رجل في اقتبال شبابه، حسن الوجه، بهيّ الطلعة، يعتمر غبانة ذهبية ويتمنطق حزاما عريضا، وله غلمان يبيعون الذهب في الدكان، أشار بيده إلى الرجل المار من أمامه وهتف:

"كيف الحال يا عم عبد الله؟"

"الحمد لله يا أبا الحسن، عوضك الله وأتم لك الأجر."

ثم همس للشاب:

"هذا الرجل مات ولده الوحيد قبل أيام، وقد ذهبنا لتعزيته، أعانه الله."

"إنا لله وإنا إليه راجعون. ثبت الله فؤاده، وألهمه الصبر، ولكن من أي بلد هو؟ فهو يختلف عن الباقين، أقرأ في محياه الكرم، وحسن الشيم."

"صدقت يا محمد، فهو شخص الأدب إذا تمثل، ولسان العلم إذا تكلم، يتصافى عنده الخصوم، وتجتمع على مودته القلوب، حليم قليل الغضب، وسيد عريق النسب. إنه حفيد المصطفى صلى الله عليه وسلم، ابن فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه."

"الله أكبر، من آل البيت؟"

"أجل يلقبون بالأشراف، معظمهم يسكن هنا، وهم قبائل متعددة."

صحيح أن العرب هم سكان هذا البلد، ولكن هناك الآلاف من الذين يأتون للحج أو العمرة أو الهجرة، وهم من مختلف الأجناس والأعراق.

"وماذا عن سكانها من العرب؟ هل يرحبون بذلك."

"كيف لا؟ وقد دعانا أبوهم من قبل."

"أبوهم؟"

"أجل لقد قدر لنا الله أن نأتي إلى هنا واختارنا من بين خلقه ليهبنا حب هذا البلد، فتركنا بلادنا وأهلنا وأتينا إلى هذه الديار المقدسة تلبية لدعوة نبي الله إبراهيم عليه السلام حين قال : ربَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ." إبراهيم:37.

"ما أعذب هذه الآيات، لقد أثلجت صدري يا عم عبد الله بحديثك، قد سكنت روحي حين اتبعت الدين الحق، ولكن جسدي ظل تائها بلا وطن، ونفسي وحيدة دون أهل."

"الحمد لله على سلامتك يا محمد، و أهلا بك بيننا."

"مكة ستكون بلدي."

"بل كل شبر يصدع فيه نداء الحق هي بلدك، وكل من رتل السبع المثاني هو أخ لك، وهنا في مكة يجتمع الأخوة، هيا بنا يا أخي."

"إلى أين؟"

"إلى بيتي."

"لا أريد أن أثقل عليك يا عم، سأبقى في ضيافة الرحمن حتى أجد..."

"يا محمد، أنت منذ الآن واحد منّا، نحن هنا نتعلم في بيت الله ديننا، نتكافل لنعيش بكرامتنا، ونسكن هذا البلد لنعمره بسواعدنا.

==========

١- الغبانة العمامة الحجازية، وتأتي بلون أصفر مميز، وتصنع في مدينة حلب بسوريا.

٢-الروشان الرواشين شرفات خشبية تثبت على نوافذ المنازل، تتميز بأشكال فنية تتيح دخول الشمس والهواء الى المنزل وتحجب الرؤية من الخارج.

٣- الرواق العثماني بناء حول الكعبة المشرفة، أنشأه السلطان العثماني سليم خان- رحمه الله- واكتمل عام 984هـ.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3380714

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC