وفاء علي - سورية

الدعاء الأخير

خرج متعب الفقير من مكتب المدير وقد بدت على سحنته، التي تكسوها طبقة غير مرئيّة من غبار الذلّ، علاماتُ التعب والإرهاق واليأس، فقد رفض المدير طلبه الذي تقدّم به منذ أيّام لزيادة أجره الشهريّ، كما رفض منذ مدّة كلّ الطلبات التي رفعها إليه لمنحه مبلغا معيّنا من أجره مقدَّما.

وها هو الآن قد شارف على الإفلاس، ذاك الذي خبِره طويلا فيما مضى، ويكاد ما بحوزته من مال لا يكفي لشراء ما يتبلّغ به هو وأسرته ذات الأفراد السبعة ليومين قادمين، فضلا عن عشرٍ بقِينَ لحلول الشهر الجديد.

وبدأت الأفكار تجتاح رأسه، فعلى الرغم من أنّ زوجته النبيلة، سكينة بنت الشيخ درويش إمام المسجد، لا تني تبيع ما يتسنّى لها بيعه من أعمالها اليدويّة المتقنة تارة، ومن مصاغها الذهبيّ تارة أخرى، إلّا أنّ أصوات الدائنين وزعيق أطفاله الجائعين لا تنفكّ تئزّ في رأسه أزيزا عنيفا بلا رحمة.

تذكّر فجأة ما جرى منذ أسبوع حين كان يمشي وأطفاله الخمسة في الحيّ، فما أن رأى هؤلاء صبيةَ الحيّ يقفزون ويمرحون ويلوّحون بطائراتهم الورقيّة في الجوّ وأصواتُهم الجذلى ترتفع لتملأ المكان غبطة وحبورا، حتّى صاح أصغرهم:

طائرة ورقية"بابا، اشترِ لي طائرة مثل تلك، أرجوك".

"نعم، نعم، أرجوك يا والدي العزيز، أنا أيضا أريد واحدة".

"اشترِ لكلٍّ منّا واحدة، هيّا يا والدي".

"سأشتري لكم أجمل وأزهى منها، لكن ليس الآن".

"متى إذن؟"

"ربّما في العيد".

"ولكن..."

"هيّا بنا، سنشتري أجمل منها فيما بعد؛ اتّفقنا؟"

تعلّقت نظرات طفله الأصغر بالطائرات وبالأولاد وقد امتلأت عيناه بالدموع، أمّا إخوته الأكبر سنّا فقد أيقنوا أن لا مندوحة من الإذعان لرغبة أبيهم، وقد اكتوت قلوبهم ألما وحسرة، لكنّهم مضوا في دربهم صامتين.

مرّت في خاطره صورة آلة عدّ النقود في النقابة العمّاليّة، حيث كان عليه أن ينقُدَ صندوق النقابة ما يعادل نصف أجره الشهريّ خلال أيّام معدودة، ثمّ ما لبثت الصور تتقافز إلى ذهنه واحدة إثر أخرى، فتارة يتراءى لخياله منظر مالك البيت الذي يكتريه، وتارة تتبدّى له صورة الحانوتيّ ثمّ اللحّام فالفرّان فالصيدليّ، وهكذا.

طافت كلّ هذه الصور البائسة في مخيّلته تباعا، حتّى وجد نفسه أخيرا أمام مكتبه في مستودع الشركة.

"لطالما أخبرتكَ بأن تحذو حذوي وتتخلّى عن مذهبك في المبادئ و"الكلام" وتتّبع مذهبي في "الشطارة" لكنّ رأسك هذا قد قُدَّ من صخر، فضلا عن تبجّحك الدائم بالشرف والنزاهة والأمانة و..."

"ولكنّني لست بلصّ يا حسن، هل تفهم؟"

"كلام، مجرّد كلام، هذا زمن الشطّار".

"لنرَ إذن لمن تكون العاقبة".

"لنرَ" (ضاحكا).

في اليوم التالي، توجّه متعب إلى مقرّ النقابة العمّاليّة ليفاوض في مسألة الرسوم والغرامات المترتّبة عليه لعلّه يجد لمأزقه مخرجا قانونيّا.

كان الموظّفون مترهّلين كالخنازير، يزدردون البسكويت بالشاي بقرف وتململ، ولا ينفكّون يتأفّفون ويطلقون اللعنات على حظّهم العاثر الذي وضعهم في عمل مملّ رتيب كهذا الذي يقومون به. وأكّدوا جميعا لمتعب أنّ القانون لا يبيح له التملّص من أداء الواجب، بل لقد أخبره أرفعهم منصبا – ولعلّه أشدّهم لؤما – أنّ هذا أفضل على أيّة حال من أن ينتهي إلى السجن، ليترك أطفاله نهبا للجوع والتشرّد والجريمة.

امتصّ متعب غضبه على مضض، وأدرك أنّه سيظلّ مهانا حتّى آخر رمق، لكنّه في سرّه دعا ثمّ دعا ودعا، وتمنّى في قرارته أن يصبح البنيان الذي خلّفه وراءه دكّا دكّا، وأن يخرّ السقف على جميع من فيه، وهام على وجهه في شوارع المدينة وأزقّتها لا يلوي على أحد.

وحين عاد إلى منزله في المساء، وجد الشرطة في انتظاره، وقبل أن يتفوّه بكلمة، توجّه أحدهم نحوه فقيّده وقال: "أنت مقبوض عليك بتهمة الإرهاب، لقد تقوّض بناء النقابة على رؤوس الموظّفين بُعَيد خروجك منه".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3306590

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC