زكي شيرخان - السويد

وجوه على جدار هرئ

زكي شيرخانلم يكن العثور عليه بالأمر الصعب. لمّا أخبرني صاحب المقهى التي أعتدنا اللقاء فيها كل جمعة بأنه لم يره منذ السقوط، توجهت نحو "الميدان". كان معروفا في المنطقة بسبب قِدمْ تواجده فيها واتخاذه، دائما، إحدى غرف دورها سكنا له. سألت عنه، فقيل إنه لم يعد يُرى إلا لماما. دلوني على سكنه.

دار تحدت الأزمنة الصعبة فبقيت، وإن كادت لتهوي. صعدت السلالم بعد أن سمحت لي صاحبة الدار العجوز. استمرت بإخباري، وأنا أرتقي، دون أن تكترث فيما لو كنت أستمع لها أم لا: "لا أدري ما الذي أصابه؟ منذ أشهر وحاله لا يسر صديقا ولا يشمت به عدوا".

طرقت الباب.

"أدخلي يا بهية، الباب مفتوح".

تخطيت العتبة. حدجني بنظرة كمن كان يبحث في ذاكرته عن صاحب الوجه الذي أطل عليه كقدر. بتثاقل نهض متجها نحوي. عانقني.

"أهلا بك. متى عُدتَ؟"

لم أجبه. كنت مأخوذا. لم أعتد أن أراه بهذه الهيئة. شعر كث، لحية لم تمر عليها شفرة منذ أشهر، وجه شاحب، عينان فقدتا بريقهما. بدا كمدينة خاوية على عروشها. أشار إلى كرسي ليس بأحسن حال منه، وجلس على حافة السرير. أوراق مبعثرة على الطاولة، صحف قديمة، أعقاب سجاير، قناني خمر فارغة. مقالات وقصص وأشعار قُصّت من صحف وألصقت على الجدران. جو خانق وصورة تبعث اليأس في النفوس.

"لِمَ عُدتَ؟"

كأني لم أسمع سؤاله. قلت: "ما بك؟"

نظرته غلّفها العتب، وابتسامة هازئة ارتسمت على شفتيه، وبصوت مُلّحن باستهجان السؤال، أجاب: "لا شيء، لا شيء بالمرة".

لقاءه لم يحمل لهفة سنوات عشر لم أره فيها. قلت له: "لا بد وأنك تذكر ما دار بيننا من حديث في آخر لقاء لنا؟"

أجاب وكأن ذلك حدث قبل عشر دقائق: "لقد قلت لك يومها "عليك البقاء والمواجهة"."

"ها أنت ذا بقيت وواجهت".

دخلت العجوز حاملة الشاي.

"لم يكن هناك من داعٍ لتتعبي نفسك".

"عدد من زاروا حسّون لا يتعدى أصابع اليد الواحدة منذ سكن هنا. عليّ إكرام من يحبوه ويتفقدوه. هذا زمن ردئ لم يعد الأخ يسأل فيه عن أخيه".

ما أن أغلقت الباب خلفها حتى قال: "أرأيت، حتى هذه الشمطاء تدرك أن هذا الزمن ردئ".

أدركَ أن عبارته لم أستسغها.

"أنا لا أنتقص منها بل أصفها".

على عجل شربت الشاي نصفه. كلانا لم يكن بوضع يسمح للحوار أن يستمر. كلانا، كما بدا لي، صُدمنا. نهضت.

"يوم غدٍ بعد الظهر، سأمر عليك لاصطحابك إلى الطبيب".

نظر لي مستنكرا. "من قال لك إني بحاجة له؟"

"حسنا سنخرج سوية. هناك الكثير مما أود أن تخبرني به. أجد صعوبة في فهم ما أراه".

* * * * *

اعتدت أن أتواجد في شارع المتنبي كل جمعة، أبحث مع الباحثين بين الكتب المرصوصة على رصيفيه. ونادرا ما كنت لا أحظى بكتب قديمة لم تعد تطبع حيث يبيعها أصحابها للباعة بالجملة لسد احتياجات معيشتهم. أمضي كغيري، ساعات أتنقل من كومة لأخرى. عند نهاية الشارع أكون محملا ببعض منها. أدلف للمقهى الذي يركن إليه رواد الشارع ليستريحوا. أكون مُجهدا، مُتألما، أكرر في داخلي "تعسا لحياة يبيع فيها مثقف كتبه ليشتري خبزا". أشرب الشاي وأنا أستمع للنقاش الذي يدور بين رواد هذا المقهى.

في هذا المقهى، وقبل أن أودعه آخر مرة بسنتين، لم أجد مكانا شاغرا إلا جنبه ،جلست واضعا ما اشتريته على المنضدة. من دون أن ينتظر مني إجابة، تناول كتابا منها وهو يقول: "أتسمح أن أتصفح هذا الكتاب؟"

ابتسمت وأنا أقول: "تفضل".

"هاينرش بُل، الألماني، أحد أعمدة أدب الحطام، الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1972".

"إنها رسالة جامعية أعدت لنيل شهادة عليا في الأدب الألماني".

"ترى هل أعطت الرسالة حق هذا الكاتب العملاق؟"

تشعب الحديث بيننا، لكنه لم يخرج عن إطار القصة والرواية والشعر. كلانا كان متحفظا، فبمثل هذه الأماكن تكثر عيون السلطة وآذانها. نهضت مستأذنا. قال: "هل يمكنني استعارة هذه الرسالة؟ سأعيدها لك الجمعة القادمة".

"نعم".

* * * * *

كما وعدته، كنت في اليوم التالي عنده. بدا أحسن حالا بعد أن حلق لحيته وصفف شعره واستبدل ملابسه. جاءت بهية بالشاي.

"شكرا لك يا... ما أسمك؟"

"زهير".

"لقد أخرجتَه مما هو فيه، أنظر إليه، أليس كبدرٍ؟"

"أترى هذه الفارض؟ إنها معجبة بي".

أدار وجهه نحوها متمما حديثه:

"أتدرين يا بهية، لا يدرك المرء أمانيه، فلو كنتِ أصغر سنا، أو كنتُ أنا أكبر مما أنا عليه، لأصبحنا أروع عاشقين وسط هذا الخراب".

جلجلت ضحكتها وهي تترك الغرفة. أستأذن للذهاب إلى الحمام. نهضتُ متجها نحو الجدران التي ملأتها قصاصات الجرائد، والوجوه التي رسمها عليها. عشرات الوجوه المرعوبة، المصدومة، الممتلئة بتجاعيد الحرمان والعوز والفاقة. طالما كان بارعا في رسم الوجوه بتفاصيلها الدقيقة. أصبحت خطوطه متوحشة، متقاطعة بحدة، تاركة زوايا ضيقة مملوءة بالظلال الداكنة. أفواه فاغرة، وعيون مفتوحة إلى أقصى ما يمكن لعضلات الأجفان أن تصله. حتى وجوه الأطفال المبعثرة بين الوجوه القاسية الملامح فقدت البراءة، عيونها تستنجد بمن لا يملك نجدة ذاته.

إلى عالم أسطوري الملامح، نقلتني الوجوه، حتى أني لم أنتبه لعودته. شدة سعاله وتواصله أعاداني إليه:

"دعنا نخرج. نرمي أنفسنا في شارع الرشيد. علينا أن نحذر الزحام، لأنه الوسط المغري لزارعي الموت المجاني".

* * * * *

كطفل مسالم وديع كان يسير إلى جانبي دون أن ينبس بكلمة. بين الفينة والفينة كنت أختلس النظر إليه. شارد الذهن كان، ينظر للناس والأبنية بدهشة. الحزن تعمّق في عينيه. أردت تنبيهه لوجودي. قلت: "كأنك لم تمر بالأماكن من قبل".

"بل كأني أودعها في لقاء أخير".

"ماذا ألم بك؟"

توقف، فتوقفت أنا الآخر. لمحت نظرة منه أفزعتني. أشار نحوي بسبابته.

"حذار أن تظن بي الظنون".

وكطفل يحاول أن يبرأ من تهمة ألصقت به، قلت: "أجمعْ كل من سألتَهم عنك، إنك لم تعد أنت منذ السقوط. بهية هي الأخرى..."

"نعم، ليس أسفا على النظام كما يتوهم الأغبياء الذي يشي تلميحك إلى تصديقهم. سنوات طويلة وأنا أسكن أحقر الأماكن، وآكل أردأ الأطعمة، ولا أرتدي إلا المستعمل من الملابس، فلِمَ تراني آسف على من طاردني واعتقلني وحطم أسرتي؟"

يريد تهدئة أنفاسه اللاهثة، تراخت يده فانزلها.

"أسرتك؟"

"نعم، زوجتي، ابنتي".

بدا وجهه يصطبغ بحمرة الغضب بعد صفرته.

"حسنا فعلتْ زوجتي عندما تركتني وابنتي لما تزل في الثانية من عمرها. يومها قالت: "عليك أن تختار بيني وابنتنا وبين عبثك السياسي"."

سكتَ كمن يريد استحضار ما يخشاه.

"من يملك السلطة لا يرضى بمناوئيه. لو كنا نحن من ملكناها لفعلنا نفس الشيء، هذا ما أثبتته السنوات، ما نلمسه في يومنا هذا. زوجتي لم توفق في التعبير، لم يكن عبثا سياسيا، كان انتحارا سياسيا بدون مقابل. من يملك الزمام يمحو الآخرين عن الوجود. يومها كنا على وشك أن نستولي على السلطة، أو هكذا رُوّج. هم سبقونا في القفز إليها. لو كنا نجحنا لما مارسنا إلا ذات النهج.

هذه هي المرة الأولى التي يفصح فيها عما يكنه، بل عن ماضيه.

"وأين هما الآن؟"

من المؤكد أنه لم يسمع. جمدت نظراته على الجهة الأخرى من الشارع. بالكاد سمعت جملته التالية:

"هنا ألهبت "أخي جعفر" حماسة من أجتمعوا لتأبين "شهداء الجسر"."

التفتُ صوب ما كان ينظر إليه. تطلعتُ بـ "جامع الحيدر خانة". آلمني ما اعترى جداره الخارجي من تهرء. خلت أن بوابته الخشبية الكالحة ستفتح وتخرج عشرات الألوف من النعوش محمولة على أكتاف الثكلى والأيتام؛ يتبعهم المصابون الصاكّون على جراحهم.
انتشلني من جلال الصمت من نبهنا إلى عدم الوقوف وسط الرصيف. استدرت معتذرا. أمسكت بذراع صاحبي، فانقاد دون أن ينبس ببنت شفة. لم أرغب في إخراجه من قوقعة انعزاله. سرنا مسافة قبل أن ننعطف. ولجنا شارع المتنبي. قال:

"يومها ما كدت أسير إلا أمتارا خارجا من هذا الشارع حتى دوى انفجار. سقطت مني الكتب التي كنت ابتعتها. لم ألتفت. تراكض الناس بكل الاتجاهات. تعالت الصرخات. انحنيت رافعا الكتب الساقطة. دون أن ألتفت حتى، مضيت في سيري. طالت أيديهم حتى الكتب أحرقوها. اختلطت أوراقها المتناثرة بلحم الضحايا المقطّع، اختلط الحبر بالدم، وامتزجت الكلمات المسطّرة بأرواح من سقط لتعلو، أو لربما لتهبط. لا أدري".

لم أشأ أن أقاطعه. فليسترسل.

"عقود، والسياب يخنق، والجواهري، والوردي، والبياتي، وكذا فرمان على يد الجلاوزة، وها هم الأوغاد، من بعدهم، يفجرونهم. يومها لو تأخرت دقائق، دقائق فقط، لأصبحت رقما مضافا، لزاد عدد الضحايا واحدا. كنت سأموت ميتة مشرفة مع الأحرف والكلمات ونضوح عقول جهدت في تقديم المعرفة".

* * * * *

قال لي: "لم تعثر بعد عن إجابة للسؤال الذي يدور في رأسك مذ رأيتني".

"السؤال فرّخ أسئلة صارت شياطين صغيرة راحت تنكت عقلي نكتا".

"لا تدع الشياطين، كبيرها وصغيرها، أن تعبث بك. في نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح، كما يقال".

فجأة سكت عن الكلام. فتح عينيه. فغر فاه. لم أعرف إن كان ندم على إلباس كلامه تفاؤلا لا يتلاءم ووضعه النفسي، أم غطس في لجة تفكير. بعد صمت، قال: "أوليس هذا هو الوضع الصحيح؟"

هذه المرة، أنا من فغر فاه.

"أليس هذا هو قانون الصراع؟ الصراع على السلطة؟ ألم يصطبغ كل صراع على السلطة بالدماء؟"

لم أشأ أن أقاطعه.

"استرجعْ التاريخ، وقل لي أية سلطة لم تتسيد بلا دماء؟ ولِمَ التاريخ؟ خذ ما يجري في أي بقعة من بقاع العالم ترى بحيرات الدماء تطفو فوق أسطحها زوارق السلطة. دعك من المسميات والأيدولوجيات. السلطة لا تدوم إلا بدماء المعارضين، وطلاب السلطة لا يصلوها إلا بدماء مالكيها. صراع بقاء. إما أن تبقى أو تفنى، لا خيار لك. عند المنتهى ستنال إحداها، البقاء أو الفناء، ولكن، في كل الأحوال، عليك أن تريق دماء. تقتل، تذبح، تنسف، تفخخ، تهجّر، تسلب، تغتصب، كل شيء مباح. عليك أن تستحضر التاريخ لتقتفي خطوات من سبقوك، والدين لتحلل به فعلك، وتحرّم ما يقوم به غيرك، والسنن كي تشرعن ما ترتكبه. العامل المشترك في كل هذا هو الدم، الموت، الدمار. الآخرون سيهللون لانتصارك وستزهو به ما شاء لك الزهو، وهم وليس غيرهم، من سيهللون لهزيمتك. أليس هذا هو ما امتلأت به صفحات التاريخ؟"

صب في جوفه نصف ما حواه القدح من ماء أمامه على عجل.

"غبي أنا كنت عندما لم أفهم ما جرى ويجري حتى الآن. الكل هيأ أدواته من تاريخ ودين ومظالم وحقوق وسلاح وأيديولوجيا ليتسلط، وأباح لأعوانه إذلال الإنسان وقتله وتشريده من أجل أن يصل إلى السلطة".

سكت وكأنه أنتبه لوجودي لأول مرة. قال بصوت خفيض: "أما زالت الأسئلة تعبث بك؟"

لم أجبه. وجدت نفسي عاجزا عن القول.

"سيمضي الوقت، كم؟ لا أدري. سيظهر عُتل زنيم. سنتوسل إليه أن ينقذنا مما نحن فيه، وسنمنحه كل صفات الصدّيقين والأولياء والفرسان والحكماء والفنانين والعلماء. سنقدسه. ثم بعد لأي نمله فنشكو من ظلمه وجبروته وتسلطه على البلاد والعباد".

أتى على ما تبقى في قدحه.

"أليس هذا ما يتكرر على مر العصور؟"


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3383276

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC