د. أحمد قريش - الجزائر

العربية الفصحى واللغة الثالثة

ما قبلته اللّغة الثالثة رفضته الفصحى

أحمد قريشتحتلّ اللّغة البشرية المكانة المرموقة في حياة الإنسان الفكرية ومختلف نشاطاته الحياتية، ذلك لأنّه عاجز تمام العجز عن إجراء أي تواصل بين الأفراد والمجتمعات من دون اللّجوء إلى اللّغة، كما لا يتسنّى له سبر أغوار المنظومة الفكرية الإنسانية دون امتلاك ناصيتها، وما يحكمها من أنظمة متكاملة ومتفاعلة فيما بينها ضمن إطار النّظام اللّغوي الشّامل الّذي بواسطته يعبّر الفكر الإنساني عن كيانه.

أي أنّ هذا الإنسان في الوقت الّذي اقتدر فيه على الاصطلاح ووضع الألفاظ، اهتدى بحكم تفكيره إلى وضع قواعد لضبط اللّفظ، وتحديد المعنى، وتنسيق العبارة، وتحسينها وتجميلها.

وبمقدار رقيّ الجماعة وتحضرها يكون حظّ لغاتها أيضا من وضع القواعد، وطرق التّنسيق والتجميل. فهي إضافة إلى كونها "أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم"[1]، فإنّها "بناء جاء على نحو معيّن"[2]، لأنّها محكومة بجملة من النواميس اللّغوية تلزم المتكلّم احترامها في كلّ عملية تواصل مهما كان مستواها.

وما لا اختلاف حوله أنّ العربية أقدم اللّغات السامية، ومن أقدم لغات العالم، فلم تخرج في جاهليتها من عقر بيئتها، ولم تتعدّ جغرافية الجزيرة، وخروجها في الإسلام كان للجهاد ونشر العقيدة. ولم يتواصل العرب بغير لغتهم، ولم يكتبوا بغير ألف بائهم طوال مراحل تاريخهم، على خلاف كثير من الأمم. ولهذا حافظت العربية ولا تزال على كيانها وأصالتها. هذا ما يترجم بجلاء ارتباط حياة الأمة العربية منذ التاريخ القديم بحياة لغتها ارتباطا لا نظير له في غيرها من الأمم.

وقد عزّز هذا الارتباط وقوّى أواصره القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي: ﴿إنّا أنزلناه قرآنا عربيا لعلّكم تعقلون﴾[3]. ﴿وإنّه لتنزيل ربّ العالمين، نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين﴾[4]. ﴿إنّا جعلناه قرآنا عربيا لعلّكم تعقلون﴾[5]. فالاعتبارات الدينية والحضارية والنفسية كانت وراء رسم معالم الواقع اللّغوي، فعن هذا الواقع تكوّنت لدى العربي رؤية من القداسة تجاه لغته النوعية وتجاه علمنة اللّغة ذاتها، كما تكوّن حصن من المحظورات ترسخت بموجبه عقدة الاستغناء.[6]

مرت اللّغة العربية في تاريخها الطّويل بما تمرّ به اليوم من صراع، وعانت من كثير مما تعانيه من اضطراب على مستوى التعامل اليومي وغيره إلى درجة أن "هدّدت بالمسخ في صورة وقعها وجرسها وطبيعة تكوينها وتركيبها في"[7].

ومن جملة الأسباب التي يمكن أن تفسّر لنا تدهور مستوى اللّغة: انتشار استعمال وسائل الإعلام المسموعة والمرئية وتأثيرها السّلبي على المطالعة عند الأجيال العربية، بحيث لم يعد الكتاب خير جليس للإنسان العربي المتعلّم. وانتشار التعليم في الوطن العربي كمّا ومتسرعا أدّى إلى ضعف مستواه الكيفي، إضافة إلى تفاقم التّأثيرات الثقافية غير العربية، والتباهي باستعمال اللّغات الأجنبية في التواصل، وتهيئة الظروف والأسباب لإحلال اللّهجات محل الفصحى. وندرة الإنتاج بالمستوى الذي يشدّ القارئ العربي شدّا أفكارا وأسلوبا وتعبيرا ومعرفة بأسرار الفصحى نحوا وصرفا وبلاغة. إضافة إلى المشاغل السياسية العربية التي جعلت الفرد العربي يُقبل أكثر على مطالعة الجرائد اليومية والمجلات وبالتالي تعوده لغة هذه المطبوعات وفقده من جراء ذلك وجود الفرصة للتطبّع بلغة المجلات والكتب القيّمة ذات المستوى اللّغوي والفكري[8].

البنية هي قوام اللّغة وعصبها، ولكن إذا نظرنا إليها نظرة شاملة، نجدها هي والتّراكيب لا تحقّقان وحدهما التّواصل على الوجه الأكمل، إذ تتداخل البنية، والنّظام الصّرفي والقاموسي في سياق محكم لتحقيق هذه الغاية. وتبدو لنا لغة العصر في هذا الإطار بمفرداتها ومركّباتها صرفا ونحوا على إباحة مطلقة، لأنّ قواعد اللّغة العربية لم تستطع أن تسيطر على ألسنة النّاس.

والبحث في المسائل المتعلّقة بترتيب الكلام يعتبر أحد أقسام علوم اللّسان، الذي يرمي أوّلا إلى النّظر فيما جاء مرتّبا من الكلام، ومن الممكن أن ينشأ في اللّغة الميسرة على نسق واحد بين المتكلّم والمخاطب، وفق نماذج مثالية مكوّنة من قبل في الفكر، بما يعرف عند تشومسكي بالكفاية اللّغوية، وهي معرفة المتكلّم المستمع المثالي للّغة، أي القدرة الّتي يمتلّكها المتكلّم المستمع المثالي للغته[9]، والتي تخوّل له إنتاج عدد لا حصر له من جمل لغة بيئته الأولى، اعتمادا على الإمكانيات الكامنة عنده، الموقوفة على مجموعة من العادات الكلامية المشكّلة في ذهنه.

وتتجسّد العملية الآنية التي يؤدّيها مستعمل لغة العصر بهدف صياغة تراكيبه وتفهّمها تبعا للنّظام الّذي يضمن الرّبط بين الأصوات، وما تحمله من معان على أساس أنّ اللّغة أداة، وتعني الجانب الأوّل لها، وهو الصّوت[10]، إلى جانب المفهوم للتّبليغ والتّخاطب[11]. لأنّ المعروف عن النّاس، إنّما يكلّم بعضهم بعضا ليعرف السّامع غرض المتكلّم ومقصوده[12]، فإن تحقّق الفهم معناه حصل التّواصل بين الطّرفين المساهمين جدليا في وجود الكلام واستمراره.

وصلـة لغتنا المعاصرة بالحياة العامّة – الـتي تتـطلّب البساطة في كلّ الأمور المتعلّقة بالحياة – جعلت المتحـدّثين يتخلّصـون مـن مجاري أواخر الكلم[13]، لأنّها ليست من موقوفاتها لصعوبتها[14]، وليست أيضا أمرا جوهريا فـي عمليات الفهم والإفهـام[15] والتّفكير[16] على اعتبار أنّها تتميّز بشذوذ التّراكيب[17]، في اكتفائها بتطبيق عام للقوانين التي تسيّرها لا غير، فهي خاضعة للتّداعي والتّرابط بين الكلّمات. لأنّ اللّغة تفهم اعتمادا وحصريا من خلال فهم العلاقات بين أجزائها، بغضّ النّظر عن العوامل الخارجية، هذا ما جعل البنيويين يعتبرونه طرحا اجتماعيا، وليس لسانيا، لأنّ اللّغة عندهم إذا كانت ظاهرة مستقلّة لها حياة خاصة بها، فإنّها مؤسسة قائمة بذاتها.

ولا شكّ أيضا أنّ لغة العصر تحكمها أعراف كلامية يراعيها المتكلّم بدقّة، ويُصدر عنها كلامه[18]، ولعلّه لا يشعر بالعناء، بل إنّه لا يكاد يفكر فيها لأنّها عنده لا تزيد على عادات اعتمدها[19] منذ أن اكتسبها في محيطه اللغوي. ولذا يجب التّمييز بين ما هو تركيب لساني عـام خاضع لقوانين لغوية[20]، وبين ما هو تركيب كلامي عفوي متمرّد، ظلّت على إثره العلاقة الإعرابية في الممارسة التّواصلية ضيّقة[21]، بحيث أنّ مفرداتها تظلّ ثابتة على هيأة واحدة لا تتغيّر مهما كانت وظيفتها.

والتسرّب الهائل للعناصر اللّغوية الدّخيلة المختلفة المنابع والأصول، والاختلاط الفوضوي الكثيف المستمر لهذه العناصر الغريبة بالعناصر اللّغوية الأصلية وتعاقبها أو تداخلها معها في الاستعمال، وتجويز استخدام صيغ وتعبيرات عربية صحيحة الأصل، انحرفت بعض الانحراف عن أوضاعها الأصلية الموروثة في لغة التّأليف العلمي ولغة الصحافة بأنواعها الثلاثة (المكتوبة والمسموعة والمرئية)، ولغة الأدب العام من باب ما بات يعرف بالتّيسير في اللّغة وتبسيط استعمالها[22]. فأصبحت بالشّيوع وكثرة الاستعمال مقبولة مستحسنة في لغة العصر، التي يطلق عليها اللغة الثالثة.

والمقصود باللغة الثالثة، هو "ذلك المستوى اللّغوي المنطوق الذي يستمدّ عناصره ومكوناته الأساسية الأولى من فصحى العصر بمختلف درجاته وروافده الداخلية والخارجية، وتكيَّف فيه عناصر أخرى من العامية بمختلف أنماطها ودرجاتها التي لا تبتعد عن أصول الفصحى ومقاييسها وقاعدتها الأساسية. لتتكوّن أو تتطوّر منها لغة عربية مشتركة وسيطة عفوية أصيلة، مبسّطة ميسّرة، قريبة مستأنسة من خاصة الجمهور وعامته"[23].

ومن دون شك أنّ الصحافة ووسائل الإعلام العربية الحديثة كان لها دور كبير في تسهيل اللّغة و"تحديث جوانب عديدة فيها، فقد كانت الرّغبة الملحّة في إنفاذ الكلم والفكرة السياسية، والثقافية، والإعلامية إلى أكبر مساحة من الجمهور تدفع السّاهرين على الأجهزة، والوسائل بصورة مستمرة إلى تبسيط طرق أدائها وطرحها"[24]، فشاعت عنها استعمالات لا توافق القياس في اللّغة العربية الفصحى.

من هذه الاستعمالات اللّغوية الشائعة استعمال حروف في غير استعمالاتها الصحيحة، كشيوع استعمال الظرف "أثناء" في تركيب منقوص من أحد عناصره الهامة، وهو حرف الجر (في)، فيقال:

"وزّع وزير التعليم الجوائز على الطلبة المتفوقين أثناء الحفل الذي أقيم خصيصا لذلك". والقول الصائب فيه: "وزع وزير التعليم الجوائز على الطلبة المتفوقين في أثناء الحفل.

ومثله الفعل (أجاب) أصبح في الاستعمال المستحدث يعدى بحرف الجر "على"، فيقال:

أجاب الوزير على أسئلة الصحفيين، والصواب فيه: أجاب الوزير عن أسئلة الصحفيين.

وتحوّل الفعل (أكّد) في العربية المعاصرة إلى فعل قاصر، وأصبح يُعدّى بالحرف (على)، فيقال:

"أكّد رئيس الجمهورية في خطابه على الاهتمام أكثر بانشغالات الشباب". وهذا الفعل في العربية الفصحى متعدّ من دون واسطة، والتّعبير السليم إنّما هو: "أكد رئيس الجمهورية في خطابه الاهتمام أكثر ..."

ومن أخطاء تراكيب اللّغة الحالية، سوق اسم التفضيل معرفا بـ"أل"، وجرّ المفضل عليه بمن، على نحو:

"والأفضل من ذلك تحفيز العمال بمنح شهرية"، والصواب: "والأفضل تحفيز العمال". وكذا استعمال (إلاّ) في غير الاستثناء، وبخاصة في ربط جملتي الشرط، كقولهم: إذا كانت المشكلة صعبة إلا أنّنا نستطيع حلّها، وكذلك في ربط الجملة المصدرية بالروابط التالية:

مع أنّ، وبالرغم من، كقولهم: "مع أنّ الأزمة معقّدة إلاّ أنّنا نستطيع حلّها". وقولهم: "بالرّغم من أنّه أكمل الدّواء إلاّ أنّه لا زال مريضا"، والصّواب في ذلك كلّه ربط هذه الجمل بالفاء: "إذا كانت المشكلة صعبة، فإنّنا نستطيع حلّها. ومع أنّ الأزمة معقّدة، فإنّنا نستطيع حلّها. بالرّغم من أنّه أكمل الدّواء، فإنّه لا يزال مريضا.

ومن الاستعمالات اللّغوية التي كثر تداولها بإقرار من اللّغويين المعاصرين، نجد النداء بـ (أيّ)، و(أيّة)، نحو: أيّها البلد الكريم، وأيّتها الطليعة المقدامة. واستكثر من استعمال عبارة "بالتالي" بدلا من (في النهاية)، نحو قولهم: "فشلت الحكومة في أدائها للشأن العام، وبالتالي لا بدّ من مراجعة سياستها". والصواب فيه: "... وفي النهاية لا بد ...".

كما شاع استعمال (بينما) في بعض السّياقات بمعنى على حين، أو في حين، وهو استعمال خاطئ نحو قولهم: "أصدرت الدولة قانونا يحمي الأسواق من المضاربة ، بينما ظلت الأسعار مرتفعة". والصائب فيه: "... في حين ظلت الأسعار مرتفعة".

واستعملت اللّغة الحديثة بعض حروف الجر في غير استعمالاتها الصحيحة، كتعدية الفعل (تكلّم) بحرف الجر (على)، في قولهم: "تكلّم في تدخله على الأزمة الاقتصادية"، والقول الصائب فيه: "تكلّم في تدخله عن الأزمة الاقتصادية". وربّما احتج من روّجوا لهذا الاستعمال بقياس الشيء على ضده ، الذي قاس به الكسائي رضي على سخط، في قولهم: رضي عليه، بتعدية الفعل بحرف الجر "على"، وهو أنّما يُعدّى في كلام العرب بحر الجر "عن"، فلما قيس الفعل رضي على سخط أخذ حكمه مستشهدا بقول الشاعر:

إذا رضيت عليّ بنو قشير = = = لعمر الله أعجبني رضاها[25]

انحراف بعض الأفعال عن المعاني التي وضعت لها

ونجد أيضا الفعل (احتج) الذي انحرف معناه في الاستعمالات الإعلامية الحديثة نحو معنى غير المعنى الذي وضع له أصلا، فأصبح يدلّ على الاستنكار، فيقال: "احتج المواطنون على غلاء الأسعار"، أي استنكروا الزيادة في الأسعار، ودلالة الفعل الأصلية هي اتخاذ الشيء حجة، فيقال: "احتجّ بالشيء"، إذا اتّخذه حجة ليس غير. والفعل (حلّل) فهو في الفصحى بمعنى: أباح، أي جعله حلالا مباحا، فأصبح في العربية المعاصرة يدلّ على التجزئة التشطير، فيقال: "حلّل النصّ"، أي شرحه بعد تجزئته إلى فقرات، وفي الطب بمعنى فحص، فيقال: "حلّل الدم"، أي فحصه.

الخاتمة

إنّ لغة العصر بمفرداتها ومركّباتها صرفا ونحوا على إباحة مطلقة، لأنّ النواميس التي نشأت عليها اللّغة العربية، لم تستطع أن تسيطر على ألسنة النّاس. فالإعراب عند المحدثين ليس له قيمة بقائية، فلو أنّه كان ضروريا في عملية الفهم والإفهام لأبقت عليه الحياة، ولحافظت عليه جميع اللّغات التي كانت معربة. ولكن لكونه غير ضروري سقط، وأصبح التكلّم والتّفكير بلغة محكمة سلسة سيّالة لا تعوق الفكر ولا تتطلّب جهدا.

وظلت ضوابط اللغة الموروثة في منظور المحدثين مجرد زخرف للغة، وبقية من بقايا العقلية القديمة فيها، وعقبة في سبيل التّغير نحو ما هو أيسر، وأنسب للتواصل في العصر الحديث. هذا ما شجعه المحدثون في إطار ما يعرف باللغة الثالثة.

ولا شكّ أيضا أنّ لغة العصر تضبطها أعراف كلامية يراعيها المتكلّم، ويُصدر عنها كلامه من دون التحفظ أو التصنع المفضيين إلى العناء، بل إنّها لا تشغل فكره باعتبارها لا تزيد عنده على عادات اعتمدها منذ أن اكتسبها في محيطه اللغوي.

= = = = =

الهوامش

[1] ابن جني(تـ392هـ): الخصائص، تحقيق عبد الوهاب النجار، القاهرة: 1374م، ج1، ص33.

[2] صالح الكشو: مدخل في اللسانيات، الدار العربية للكتاب، 1985م، ص8.

[3] سورة يوسف؛ الآية 2.

[4] سورة الشعراء؛ الآيات: 193، 194، 195.

[5] سورة الزخرف؛ الآية 3.

[6] عبد السلام المسدي: الفكر العربي والألسنية، ورقة قدمت إلى اللسانيات واللغة العربية: ندوة تونس: الجامعة التونسية 1987م، ص12.

[7] يوهان فك: العربية: دراسات في اللغة واللهجات والأساليب، ترجمة وتقديم رمضان عبد التواب، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1980م، ص21.

[8] في مخاطر فقدان العلاقة العضوية بين المجتمعات العربية ولغتها: محمود الذوادي، اللسان العربي وإشكالية التلقي، سلسلة كتب المستقبل العربي (55)، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، أغسطس 2007م، ص57 /58.

[9] أحمد حساني: البنية التّركيبية في رحاب اللّسانيات التوليدية التواصلية، مجلة تجليات الحداثة، معهد اللّغة العربية وآدابها جامعة وهران، العدد الأوّل، 1992م/ ص74.

[10] يرى اللّسانيون أنّ تطوّر اللّغات في جانبها الصّوتي أسرع وأكثر تنوّعا من تطوّرها في جوانب الصيغ، والنّحو، والمفردات، والأساليب، ولعلّ السّبب واضح في هذا، وهو أنّ الجانب المنطوق في اللّغة يمارس حرية أكثر من الجانب المكتوب. ينظر عبد الصابور شاهين: المنهج الصوتي للبنية العربية، بيروت (لبنان): مؤسسة الرسالة، دط، 1406هـ 1980م، ص10/11.

[11] عبد الرحمان الحاج صالح: أثر اللّسانيات في النهوض بمستوى مدني اللغة، مجلة اللّسانيات، عدد 1، 1971م/ ص32.

[12]عبد القاهر الجرجاني (تـ471 ه): دلائل الإعجاز، تقديم علي أبو رقية، سلسلة أنيس الأدبية، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، 1991م، ص347.

[13] كان العرب يقفون بالسكون في حالتي الرفع والجر، مثل: جاء خالدْ، ومررت بخالدْ، وعدا ذلك فهو ضرب من اللّحن، ينظر أحمد أمين: ضحى الإسلام، دار الكتاب العربي، ط10، ج1، ص295،. ويشير الجاحظ في هذا الصّدد بقوله: "وإن وجدتم في هذا الكتاب لحنا، أو كلاما غير معرب، أو لفظا معدولا عن جهته، فاعلموا أنّنا تركنا ذلك، لأنّ الإعراب يبغض هذا الباب ويخرجه عن هذه. إلاّ أنّ أحكي كلاما من كلام متعاقلي البخلاء وأشحاء العلماء". نقلا عن إبراهيم السمرائي: التطوّر اللّغوي التاريخي، بيروت (لبنان): دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، ط3 ،1983م، ص62. ويستدلّ الدكتور إبراهيم في هذا، بخلو اللّغات الإقليمية الحديثة من الإعراب على عدم شيوعه في اللغة العربية في مراحلها الأولى. المرجع نفسه، ص56. وإنّ إغفال الإعراب كان من الأمور السائدة في اللّهجات، ومعنى ذلك أنّ النّاطقين بها يجرون في ذلك على فطرتهم العامية التي تتخفّف من القيود، وتميل إلى الإيجاز، وطبيعي أنّ الإعراب قيد كان ثقيلا على كثير من النّاس في سائر عصور العربية، ينظر المرجع نفسه، ص161.

[14] هذه الصعوبة وقف عندها القدماء في مناسبات عديدة، منها موقف ابن الأثير (تـ 238) في (المثل السائر) من الأبواب النّحوية التي لا نحتاج إليها في إفهام المعاني. ينظر المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق أحمد العوفي وبدوي طبانة، ج1، ص 44. وأبدى ابن خلدون (تـ 808هـ) إزاء عدم ملاءمة كتب النّحو في عصره للتعلّم والتعليم موقف الرافض لها بحكم أنّها في منظوره لا تربّي أية ملكة عند المتكلّم. ينظر ابن خلدون: المقدمة، الدار التونسية للنشر، 1984م، ص 508-512. أمّا مواقف العلماء، التي دعا فيها أصحابها إلى تيسير النّحو في العصر الحديث، منها موقف الشيخ محمد عبده الذي طالب بتسهيل الأسلوب في الكتابة، وامتعض الشيخ حسين المرصفي من معوقات تعليم النّحو. ينظر محمد خلف الله أحمد: معالم التطوّر في اللّغة العربية وآدابها، ص31. واتجه أحمد فارس الشدياق في مؤلفه (غنية الطالب ومنية الراغب) نحو النّزول عند مطالب العصر في هذا الشأن، وتبعه في ذلك ناصف اليازجي. وأخذت هذه الدعوة التيسيرية طابعا رسميا بمصر حين شكلت سنة 1938م لجنة يترأسها طه حسين لدراسية إمكانية تسهيل النّحو، وخلص عملها بتقديم اقتراح في المسعى خاص بالنّحو، والصّرف، والبلاغة، وقد نحى هذا المنحى فريق من دار العلوم بتقديم اقتراح رأوا فيه بضرورة الاستغناء عن الإعراب التّقليدي. ينظر رياض قاسم: اتجاهات البحث اللّغوي الحديث في العالم العربي: بيروت (لبنان): مؤسسة نوفل، ط1، 1982م، ص107-108-109.

[15] ينظر ابن خلدون: المقدمة، موضوع الفصل التّاسع والثّلاثون: في أنّ لغة العرب لهذا العهد لغة مستقلّة مغايرة للغة مضر وحمير، والفصل الأربعون في أنّ لغة أهل الحضر والأمصار لغة قائمة بنفسها مخالفة للغة مضر.

[16] "لو أنّ للإعراب ضرورة للفهم والإفهام، لبقي ولحافظت عليه جميع اللّغات التي كانت معربة. ولكن لكونه غير ضروري تسقط، وأصبح التكلّم والتّفكير بلغة محكمة سلسة سيّالة لا تعوق الفكر ولا تتطلّب جهدا". رياض قاسم: اتجاهات البحث اللغوي الحديث في العالم العربي، بيروت (لبنان): مؤسسة نوفل، ط1، 1982م، ص164. ويرى أنيس فريحة، أنّ "الإعراب ليس له قيمة بقائية، ولو أنّه كان ضروريا للفهم والتّفاهم لأبقت عليه الحياة، ولكن لأنّه زخرفها، ولأنّه بقية من بقايا العقلية القديمة في اللّغة، بل في كلّ لغة، فإنّ الحياة نبذته ". ويضيف "الإعراب عقبة في سبيل التّغير، وذلك ممّا لا شكّ فيه". أنيس فريحة: نحو عربية ميسّرة، بيروت (لبنان)، الدار الثّقافية، 1955م، ص174.

[17] ترى نظرية الشذوذية أنّ عملية التواصل لا تقتضي بالضرورة قواعد محدّدة لتراكيب بسيطة وساذجة، ينظر عبد الجليل مرتاض: دراسات لسانية في الساميات واللهجات العربية القديمة، الجزائر: دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، 1987م، ص129.

[18] فالعرب أيضا نطقت على طبعها وسجيتها وعرفت مواقع كلامها وقامت في عقولها علله. ينظر سيبويه (تـ180هـ): الكتاب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، 1968م، ص272.

[19] ويرى لوسركل: أنّ اللّغة "هي التي تتكلّم وليس أنا الذي أتكلّم" فاللّغة عنده تسيطر على محدثيها ولو بطريقة غير شعورية، فقواعد النّحو تمارس التّسليط على المتكلّم. ينظر جان جاك لوسركل: عنف اللّغة، ترجمة وتقديم محمد بدوي، مراجعة سعد مصلوح، لسانيات ومعاجم بيروت المنظمة العالمية للترجمة، 2005م، ص36

[20] يذهب أنيس فريحة: إلى اعتبار الإعراب زينة يمكن الاستغناء عنه، بتوجيه العناية إلى أحكام التّركيب بالتّركيز على الجملة المفيدة وعناصرها. ينظر أنيس فريحة: تبسيط قواعد اللّغة العربية على أسس جديدة (اقتراح ونموذج )، بيروت (لبنان): منشورات الجامعة الأمريكية 1959م، ص42. أمّا يوهان فك فيرى أنّ الحركات صفة تنفرد بها العربية الفصحى دون غيرها من اللّهجات التي انبثقت عنها. ينظر العربية: دراسات في اللغة واللهجات والأساليب، المرجع السابق، 121.

[21] لهجة المتكلّم انفعالية لا يسيطر عليها المنطق ولا يتحكّم فيها العقل، وهي لغة خفيفة الحركة، يكثر فيها استعمال أشباه الجمل، وتقتصر على الاهتمام بأبرز رؤوس الفكرة، أمّا الرّوابط المنطقية التي تربك الكّلمات أو أجزاء الجمل بعضها ببعض، فقد يشار إليها إشارات جزئية يستعان فيها بالتّنغيم والإشارة إذا اقتضى الحال. ينظر عاطف مدكور: علم اللّغة بين التراث والمعاصرة، كلية الآداب جامعة القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1987م. المرجع السابق، ص137-138.

[22] أحمد محمد المعتوق: نظرية اللغة الثالثة: دراسة في قضية اللغة العربية الوسطى، الدار البيضاء (المغرب): المركز الثقافي العربي، ط1، 2005م، ص 157 158.

[23] السابق، ص 98.

[24] نفسه، ص177.

[25] محمد خير الحلواني: أصول النحو العربي، جامعة تشرين اللاذقية ،1979م، ص 104.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3149123

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC