ولادة من خاصرة الحرف

غانية الوناس: كاتبة جزائريةوأنا أمشي أتعكز على قلم يتنفس حبرا ثائرا لا يهدأ، لا يستكين أبدا، ينتفض كل لحظة كي يعلن استقلال الكلمات، غير آبه بكل ذلك الضباب الذي يغلف الحوارات واللقاءات، تلك العلاقات التي تبدأ وتنتهي بمجرد الكلام والإفصاح، مجردا من حلكة الظلام المترامي في كلّ الأمكنة المتاحة بصمت مطبق، مفعم بالخوف الكثير، ذلك الخوف الذي لا يغادرنا مهما تملكتنا الشجاعة، ومهما اصطنعنا الجرأة، ملتو إلى الحدّ البعيد للمدى، حالك في حضوره يلفه سواد الليل المعتم، أسود لا يمنحه فرصة النظر إلى الأمام، فرصة الانبثاق من نور الوجود، من ضوء الحياة الذي لا نريده أن ينضب يوما.

بيني وبين قلمي وجع قديم منتظر، حيرة تتولد كلّما التقينا، أسئلة ومعارك تبدأ بصمتنا المعهود كي تنتهي بأحرف الاستفهام، حائرة الخطى، تائهة التوجه، لا تدري سبيلا واحدا تهتدي إليه، فكل الطرق مغلقة، ونجوم السماء منذ زمن لم تعد تهدي السبيل، صارت مظلمة، صارت مقفرة، صار الليل حالكا أكثر مما ينبغي له، ولم يعد لنورها أي حضور.

ضميري مثقل بالتعب، يتعثر بإجابات لا تقنع فضوله الملح، لا تروي عطشه لشهوة المعرفة، والرغبة في سبر أغوار الحقيقة، مهما كانت موجعة، مهما كان جرحها غائرا، ومهما كانت مخيفة، ضميري موسوم بالتعب أبدا، كأن القدر كتب على عتباته ألاّ راحة منذ ذلك البدء، أنا الجالسة على همي وحيرتي، بصبر ثقيل منهك يستجدي المواصلة سبيلا للانعتاق، يحاولني رفيقة وفية لا تخون، وأحاوله ميزة لي، خصلة غير مكررة، تفردا أو ربما انتماء لآخر الانتصارات على الزمن.

أنا فتاة الورق، أصادق الأقلام خفية، ترهبني المساحات البيضاء المترامية أمام أفقي، لذلك يستهويني تلويثها، كأنّي أحارب ذلك الفراغ فيها، حتى لا يهزمني، حتّى لا يستتب أمن سكونه في كلّ شيء، ويحيلني على الهامش رمزا أخيرا غير متاح للفكّ والفهم.

أنا الأنثى في زمن الذكور، داخلي بركان من الغضب، تتحرق أوردتي وريدا وريدا، تشتعل أوصالي كما الحطب، وغيظي يتمدد ويتقلص كما اللهب، سيخنقني، لابد سيقتلني، هذا الوجع الساكت عن حقّه يستهويه أن يجعلني ضحية، متاحة للرجم في ساحة الوجود، لعلّه يعلن انتصاره، حين تصمت الحروف في داخلي، ويستوطن السكون كلّ شيء.

أيّها الواقف ما بين حرف وآخر، أيّها المجاز في لغتي اسما ممنوعا من الدخول إلى كون كلماتي، أيّها الجاثم على حدود زمني، ما بيننا مسافات من الوأد، حدود مصلوبة على واقعنا المرّ، وآلاف المخافر التي تستجوبنا كلّما فكرنا في العبور.

أيّها القادم من زمن الحرب، برائحة الموت، بصوت القصف، بآخر خيط ينسل من تلابيب الخيّام، فيك طعم الرغيف اليابس الذي لم يشبع منه أيتام الوطن، فيك بقع ملوثة من عفن الساسة كلّما اقتربت زادت الرائحة قوة، كلّما حاولت المرور إلى الحقيقة أطبقت المطرقة على أطراف أصابعك الرقيقة.

أيّها الآتي من زمن اللجوء، دفئ يديك جيدا بجمر اشتياقي، خذ قطعة من قلبي اجعلها طعامك، واصنع من ثوبي الوحيد خيمة حتى لا تبرد ليلا، تمشى بهدوء على أضلاعي، لا توقظ جوع أيامي لزمن اللقاء، أنا مثلك يتيمة، يتمنا واحد أيها الغريب فلا تسألني شيئا.

ماذا تريدني أن أجيبك حين تسألني عن حالي؟ بقصد أو من دون قصد، بحسن نيّة أو حتّى بسوء تفكير مسبق، ماذا عساي أقول وقد تراكمت ما بيننا هذه المسافات والأزمنة؟

هم غربوني وأبعدوني عنك، هم ظلموك وخدعوك، هم باعوك وأوهموني بنهايتك، وأنا ككلّ الجبناء نكست أعلامي، وجلست أمسد جلد الواقع لعلّه يلين أخيرا ويمنحني فرصة انتشالك.

ذات زمن حين بحثت لنفسي عن انتماء ما، قالوا لي إني انقرضت منذ أزل، وما عاد لي وجود ولا هوية.

هم كذبوا ككل مرة، هم سلبوك الحرية وسلبوني وجودك، قالوا إني قد بت وحيدة أواجه تهمة البقاء عزلاء بلا سلاح، بلا عزيمة، شريدة بين أهلي وجيراني، بين كل من حولي، في وطني غريبة، في نفسي غريبة، أحاول عبثا لعلّي المح وجها نقيا، شخصا ما أعرفه، اسما أحفظه، نشيدا أردده إذا خانتني يوما ذاكرتي القديمة، أحدا ما زال فيه بقية من إنسانية بدأت تتلاشى كما السراب، أحدا ما زال وفيا لتراب الأرض، لزهر الليمون، لغصن الزيتون، للندى و الثريا، لعناقيد الظل، لملح الجرح، لآخر حبّات الثرى، لصبر المنكوبين، لدمع الراحلين قسرا، للكادحين منذ بداية تأريخ الوجع، للحالمين، للعاشقين، للرافضين الموت حكما بشريا.

أنازل كلّ شيء فوق ورقي، أكتب وأشرب من الحبر حتّى أثمل، أغرق في بحر الكلمات حتّى تلفظني التيارات العتيقة الرافضة وجودي، يبدأ من جديد تعبي، ينال من عزيمتي، يحبطني أني في كلّ مرة أتعب، فأعود أدراج رحلتي خطوة أخرى للوراء، أستكين لحظة، أطالع صفحتي الملوثة أخيرا بعرق الحبر النديّ، ماذا كتبت فيها يا ترى؟ ماذا قد جر قلمي وحبره الثائر يواري آخر الحروف الثرى، ويقرأ في سره الفاتحة؟

أستدير كي أمسح الهزيمة الجديدة عن وجهي، وأقف كي أمشي من جديد، لم أعد أعرج هذه المرة، صار قلمي صلبا إذ يشدّ أزري، أعدّل من مشيتي قليلا، أعانق أوراقي، ارتب فوضاي الجديدة القديمة، أعيد القلم مكانه، لعلي غدا به أو بقلم جديد أخط شيئا ما لمستقبل بعيد، لشيء آخر ربّما يكون مختلفا، أنتهي أنا وحروفي هنا، كي نبدأ بعد الآن، ذات زمن كل شيء من جديد.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3303810

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC