إبراهيم قاسم يوسف- لبنان

رحيل الشاعر سعيد عقل

مرة أخرى يدْهم الحزن غابة الأرز العالية على حدود الغيم في بْشرّي موطن جبران النبيّ، المطلة من باب الشمس البعيد على زحلة دار السلام، مدينة الشعراء التي تلامس منحدرات صنين، وتكاد تساوي في التاريخ الشام وبغداد والأندلس ووادي النيل. مدينة "العدرا" ووادي العرائش والصبايا الفاتنات والخمرة المعتّقة في أقبية كسارة، وسحر حدائق الأمويين من زحلة إلى مرجعيون.

مرة أخرى يبست وهوتْ في بشري أرزة مجيدة عمرها من عمر الزمن، فتأوهت من أجلها وبكت أرزة في الباروك، فأعلن لبنان حداده على الكون كله. سقط قدموس عن صهوة التاريخ بعدما جابت أشعاره وأسفاره آفاق الأرض وبلغت حدود السماء. مات سعيد عقل ليدخل دنيا الأساطير. مات بما له وما عليه وانقضى الأمر. رحل "دونكيشوت" البطل المجنون. نعاه لبنان بكل أطيافه وأبنائه إلى العرب والعالم أجمع.

سعيد عقل الشوفيني النرجسيّ العبقريّ الممْسوس. تعدى المتنبي: يستخف به الطرب فيزهو بنفسه ويقول:

وما الدهر إلاّ من رواة قصائدي = = إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا

وتجاوز أبا تمام في قوله: "فأثبت في مستنقع الموت رجله = = وقال لها منْ تحت أخمصك الحشر"، حينما انتدب نفسه شأن الكبار فى الدنيا للمهّمات الجليلة، فتفرّد يوما وأعلن على الملأ عن مسؤوليته الكاملة، عن أسباب المجاعة والحرب والجهل على كوكب الأرض؛ وقال: وحدي أنا المسؤول.

ضاعتْ مساعيه أدراج الرياح. فلم يتمكنْ بعد عمر تجاوز قرنا من الزمان، أن يصحح الخلل فيستأصل الجوع ويضع حدا للجهل والحرب والحرمان.

ليتني كنت أملك ثروات الأرض وأتحلى ببعض جنونه، لوزّعْتها بلا تردد على أهل الأرض جميعا. "قل الكلمة الحلوة ولا تحتفظ لنفسك بقذارة المال، فالله كريم يحب كرام الرجال". في أوقات التّجلّي وأحلام اليقظة والجنون وتوهج الأحلام، وحمى الهذيان أراه "دونكيشوتيا" مختلفا؛ فارسا في زمن عزّت فيه على الدّنى الفرسان، يمْتشق سيف الحقّ ويعتلي صهوة جواد يسابق الريح، يجير المغلوبين ويرفع شارة النصر على كلّ أرض وفي كلّ زمان.

أن تكتب عن سعيد عقل فالشأن عظيم والخطب جليل. وأنت مربك وقليل الحيلة وموغل في حزن لا يخلو من الملامة والأسف، لكي تقرر من أين تبدأ.

سعيد عقل دواة حبر وبخور يتضوع عطره من شبابيك المعابد، سيد الكلمة والقدرة الهائلة على استدراج الصور والاستعارات، المترفع عن الصفات والألقاب والأوسمة ورتب الدكتوراه، الكريم المتربع على ناصية النثر والشعر.

سعيد عقل- نهر البردوني الدافق ينبع من أعالي الثلج في صنين وينحدر برشاقة صوب السهول. صنو المتنبي وإقليدوس وفيتاغورث وطاغور. هذا وحسب بعض سعيد عقل، فعباقرة الدنيا أعجز من أن يحيطوا بكل ما قاله: "الغـرد الفـرد إذا طاب الجرح في شجو الحمامْ".

ولد الشاعر عام 1912 في زحلة "عروس البقاع"، و"جارة الوادي" المدينة الساحرة، مدينة كوكبة طويلة من شعراء آل معلوف بالإضافة إلى ميشال طراد، وحليم دموس، وخليل فرحات وغيرهم. المدينة المنتشرة على مساحة جغرافيّة واسعة.

بدأ دراسته فى مدرسة الإخوة المريّـميين في زحله حيث أتمّ المرحلة الثانوية، وكان يعتزم دراسة الهندسة. ولكن تشاء الصدف المؤاتية لنبوغ الشاعر، أن يتعرض أبوه لخسارة مالية كبيرة في هذه السن المبكرة، لتصرفه عن الهندسة إلى الشعر فالصحافة والتعليم.

بلغ أعلى المراتب في نظمه الشعر العمودي الكلاسيكي.. وخلا شعره تماما من البكاء والتفجع أو الحسرة على الديار والأطلال، وكان يتسم بالرمزية والفرح والعنفوان. غنّى الفرح والحب والفخر وغنّى المرأة والوطن بترفع وعذوبة واحترام.

الشاعر سعيد عقلأحب الأناقة وربطة العنق الحمراء، وأحب الإطناب في الصوت وتسريحة الشّعْر "المنكوش" بلا عناية ولا ترتيب. كما أحب "الفوطة" المطوية بعناية في "جيبة" السترة على الصدر. ثمّ أحبّ أن "يزحْلن" لبنان، وأراد أن "يلبْنن" العالم.

على أطراف الماضي البعيد عرفت سعيد عقل، عرفته من خلال أستاذ العربي في ثانوية زحلة الرسميّة، إبراهيم التّرشيشي، أحد مريديه يومئذ الّذي تأثّر فيه وأثّر فينا. وعرفته في زيارات متباعدة كان يقوم بها للعائلة التي كنت أسكن عندها. كان يومها أستاذ السيدة ابنة صاحبة الدار، حينما كانت لا تزال على مقاعد الدراسة، وحينما كنت طالبا ضعيفا وخجولا آتيا من الريف في نهاية المرحلة الابتدائيّة.

ومن قصائده آنذاك "مشوار" وكانت بالعامية اللبنانية "، ردّدها مريدوه، وغنّتها لاحقا السيدة فيروز، وحفظتها يومئذ أنا العاشق الملهوف.. في ذلك الزمن كان قد بدأ نجم الشاعر بالسطوع.

مين قال حاكيتو، وحاكاني، عا درب مدرستي؟

كانت عم تشتي، ولولا وقفت، رنخت فستاني

وشو هم؟ كنا صغار، ومشوار، رافقتو أنا مشوار

و قالوا شلحلي ورد عا تختي و شباكنا بيعلا

و شو عرفو أيا تختي أنا و أيا تخت أختي

بيلفقوا أخبار و مشوار يا عيوني مرق مشوار

حكايته طويلة جدا مع الشعر والفلسفة واللاهوت والتاريخ، والأخوين رحباني عاصي ومنصور ومع فيروز التي غنت له من تلحينهما أكثر من كل ما غنّت للشعراء العرب مجتمعين، وعلى وجه الخصوص في معرض دمشق الدولي.

من قصيدته "مرّ بي" والإشارة فيها إلى نهر بردى وحسناء من الشام يقول:

مر بي يا واعدا وعدا مثلما النسمة من بردى

تحمل العمر تبدده آه ما أطيبه بددا

رب أرض من شذا و ندى و جراحات بقلب عدى

سكتت يوما فهل سكتت؟ أجمل التاريخ كان غدا

واعدي لا كنت من غضب أعرف الحب سنى و هدى

الهوى لحظ شآمية رق حتى قلته نفدا

أما عيبه الأبرز في نظر البعض فكان تعصبه لفكرة القومية اللبنانية والعودة إلى الفينيقيين، والدعوة إلى استعمال اللغة المحكية بديلا من الفصحى. هذه المواقف أثارت جدلا واسعا لم ينته بعد. وسيستمر الجدل بعد رحيله بلا شك.

تجدر الإشارة أنه تقلب في السياسة "التي آذته كثيرا"، من الحزب السوري القومي الاجتماعي بزعامة أنطون سعادة، ولم يخرج خالي الوفاض من "نشوء الأمم" ليتحول إلى القومية اللبنانية كما أرادها في أقصى اليمين.

لم يكن عادلا مع الفلسطينيين ذات يوم، ولكن ليس أكثر مما ظلمهم الكثيرون من العرب، وبعض العروبيين في لبنان على وجه الخصوص.

لم ننس بعد- فكل ما حدث واضح ومسجل ومعروف ولم يمض عليه زمن طويل، نسامح ولا يجوز أن ننسى. لكن كانت للشاعر وجهة نظر مختلفة لوجودهم القسري في بلادنا، وما قاله أحيانا خطأ- أو خطيئة، كما جاء في مقالتي عنه في العدد 36 من "عود الند".

سعيد عقل يخْتلف معه ولا يخْتلف عليه، فهو مثلا مجّد الشام وغنّاها كأجمل ما يكون اللحن والشعر والإداء، ووضعها في أعلى المراتب حتى غدت حديث الخلق وأسطورة الزمان.

سائليني، حين عطّرْت السّلامْ كيف غار الورد واعتل الخزامْ

و أنا لو رحت استرضي الشذا لانثنى لبنان عطرا يا شآم

ظمئ الشرق فيا شـام اسكبي واملأي الكأس له حتّى الجـمامْ

ثم انقلب وحمل عليها (الشام) بضراوة، ليعود ويعتدل مرة أخرى في مواقفه منها بعدما تغيّرت الأسباب الموجبة، وترسّخت العلاقة الطيبة التي تشده إلى ميشال عون رئيس التيار الوطني الحر.

هذا هو سعيد عقل. تكون المغفرة بحجم المعصية أو لا تكون. من كان منكم بلا غلط فليقل فيه ما يحب ويرغب. ومن كان منكم بلا خطيئة فليرحْ نفسه ويرم الحجر. هذا تبرير السيد المسيح نفسه.

ولكن للعدل والإنصاف، ينبغي أن نفرّق جيدا بين إبداع العباقرة، وطبائع البشر والحماقات التي ربما اقترفوها، فإن كان أينشتاين قيمة حضارية حقيقية، فلا يجوز مثلا ولا ينبغي أن ندينه ونقاضيه في تقتيره أو بخله.

في مطلع الثلاثينيات؛ انتقل للعيش والعمل في العاصمة بيروت فاشتغل في الصحافة إلى جانب بشارة الخوري (الأخطل الصغير)، وتنقل بين صحف "البرق" و"المعرض" و"لسان الحال" و"الجريدة" ومجلة "الصيّاد" التي أنشأها سعيد فريحة. درس اللاهوت المسيحي بالإضافة إلى فقه الإسلام وتاريخه، وكان محاضرا مميزا لأقليدوس وتاريخ العلوم عموما.

تولى تدريس مادة التاريخ والفكر اللبناني إلى جانب التدريس في أكاديمية الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية. وبسبب مادة الفكر اللبناني والمواقف السياسيّة على وجه التحديد، كان عرضة للانتقادات الكثيرة بالإضافة إلى تبنيه الحرف اللاتيني عوضا عن الحرف العربي في بعض مؤلفاته كما في "رندلى" وهو ديوان رومنسي غنائي: "مرخى على الشعر شالْ- لرندلى- هلا هلا- به بها بالجمالْ" . وهو ما عرّضه للكثير من الحملات التي يمثلها شعراء العروبة على الطرف الآخر. سعيد عقل الذي روّج للحرف اللاتيني هو نفسه من نحت من الحرف العربي أجمل الأشعار، ولا ينبغي أبدا لهذه الملاحظة أن تغيب عن البال.

من أجل الحقيقة والإنصاف، أعجبنا فكر سعيد عقل في الإيديولوجيا ورأيه في التاريخ، أم لم يعجبنا وقوفه إلى جانب الفينيقيين دون العرب، يبقى سعيد عقل في نظر أصدقائه وخصومه على حد سواء، من القلة النادرة التي مرّت على تاريخنا وأحد أهم العباقرة من الشعراء العرب.

أنشأ في الستينات جائزة شعرية باسمه من ماله الذي لم يكن ليحتفظ منه إلاّ بالحد الذي يكفيه. من باكورة أعماله "بنت يفتاح"، مسرحية شعرية مستلهمة من كتاب التوراة، "والمجدلية" المرأة الخاطئة من العهد الجديد. لكن الأبرز كان "قدموس" ابن ملك صيدا، وشقيق أوروبا التي خطفها زيوس كبير آلهة اليونان عندما ظهر لها بشكل ثور أبيض، وخطفها إلى مملكته ثم تزوجها وأطلق اسمها على الأرض التي تقع غرب اليونان تكريما لها، ومن هنا جاء اسم تلك القارة المعروفة اليوم بقارة أوروبا. من آثاره "يارا" باللغة المحكية و" كما الأعمدة" عن مدينة الشمس بعلبك وهياكلها، "والخماسيات" باللغتين المحكية اللبنانية والفصحى.

بانتهاء الرومنسية تبدأ مرحلة جديدة من حياة الشاعر، فيها التأمل والنضج الشعري الوجداني المغرق بالفلسفة والدين والإنسان والتأمل، ونرجسية تتجاوز المتنبي ولا تقبل كثيرا من الشك والتأويل. وهو الذي قال يوما: "في شعري شيء من الرمزية، لكن شعري أكبر من ذلك يضم كل أنواع الشعر في العالم، هؤلاء الذين يصدقون أنهم رواد مدرسة من المدارس ليسوا شعراء كبارا، الشعراء الكبار هم الذين يجعلون كل أنواع الشعر تصفق لهم".

لكن "قدموس"، المأساة الشعرية هي التي طوّبته شاعرا ملحميا واسع الشهرة. "قدموس" كانت فترة التحول في عبقرية الشاعر.

ليس أرزا، ولا جبـالا، ومـاء وطني الحبّ، ليس في الحبّ حقد

وهو نور فـلا يضـلّ: فكـدّ ويد تبـدع الجـمال، وعـقل

لا تقلْ: "أمّتي" وتسطو بدنيـا نحن جـار للعـالمـين وأهـل

سوف نبقى يشاء أم لا يشاء الغير فاصمد، لبنان، ما بك وهن

سوف نبقى لا بد في الأرض من حق وما من حق، ولم نبق نحن

بالإضافة إلى "أجمل منك؟ لا، "أجراس الياسمين"، "كتاب الورد، "قصائد من دفترها". وكما أشرت، تميزت علاقته إلى حد بعيد بالأخوين رحباني وفيروز، التي غنّت الكثير من قصائده الوجدانية والوطنية، ولعل قصيدة لبنان إحدى أجمل الأغاني، شعرا ولحنا وإداء..؟

من حفنة وشذا أرز كفايتهم زنودهم إن تقل الأرض أوطان

هل جنة الله إلا حيثما هنئت عيناك؟ كل اتساع، بعد بهتان

سعيد عقل لم يقتصر غناؤه على بلده لبنان، بل غنى الشام مرارا وتكرارا، وغنى الأردن، وغنى مكة أيضا.

حسنا فعل سعيد عقل، وميشال طراد، وجوزيف حرب، وأنسي الحاج، وجورج جرداق، وهاني فحص، ومحمود درويش، وسميح القاسم، وحسنا فعلت رضوى عاشور ووديع الصافي وصباح، حينما انعتقت هذه الكوكبة من المبدعين من همّ الأرض إلى رحمة الرب ورحاب السماء. تعزيتي للقراء جميعا بالراحلة الأخيرة رضوى عاشور.

إذا كانت دور النشر والمعارض والمكتبات، وقرائح المبدعين تضيق بإنتاج سعيد عقل وحده، فأنى لبائس مثلي أن يحيط بالقليل مما تركه كل هؤلاء الشعراء العظام؟ ويبقى الشعر والخمر والمرأة قناديل الراحة قبل الموت في ليل هذا العالم، فلا تطفئوا قناديلكم ولا تتركوها فارغة من الزيت.

يوم التشييع الكبير بعد ظهر نهار الثلاثاء بتاريخ 2-12-2014، أقفلت المدارس والإدارات الرسمية أبوابها في زحلة، وتفرغت المدينة بجميع أبنائها وسيل من الوافدين لمواكبة الجنازة، ووداع الراحل إلى مثواه الأخير.

تابوت الشاعر كان قد أعدّه النحات اللبناني رودي رحمة من خشب الأرز تخليدا لذكراه، على شكل سفينة فينيقية حفر عليها تراث الشاعر وعناوين مؤلفاته. في هذا اليوم الموصوف من التاريخ وري سعيد عقل الثرى مساء الثاني من كانون الأول 2014، على الطرف الجنوبي في المدافن المحاذية لبيادر "الكرك"، حيث أقلعت ذات يوم سفينة نوح النبي، وحيثما كانت تجري احتفالات خميس الجسد في كل عام. بينما كانت قصائده تصدح بصوت فيروز، وتشتعل المفرقعات الملونة وتضيء سماء المدينة بكاملها، في وداع أسطوري لم نره إلاّ في الخيال، وفي أساطير آلهة اليونان.

إن كان اللبنانيون حكومة وشعبا قد قصّروا على الدوام في وداع رجالاتهم؛ وتهاونوا في الحفاظ على بلادهم، أو كان الفساد ينخر إداراتهم ومرافقهم، وأوضاعهم لا تدعو إلى التفاؤل بالمستقبل، فإنهم هذه المرة رمّموا الخلل وعدّلوا الفارق، فطهّروا أنفسهم من آفة التقصير وقاموا بالواجب وما يليق بالشاعر. شكرا لك من أعماق القلب يا لبنان.


مرفقات

مقتطف من أغنية مشوار لفيروز

15 كانون الأول (ديسمبر) 2014
info document : MP3
206.5 كيلوبايت

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3310001

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC