إبراهيم قاسم يوسف- لبنان

سوف تلهو بنا الحياة: رحيل جورج جرداق

يا حبيبي طاب الهوى ما علينا = = لو حملنا الأيام في راحتينا

صدفة أهدت الوجود إلينا = = وأتاحتْ لقاءنا فالتقيْنا

الشاعر اللبناني جورج جرداقسقطت الورقة الأخيرة من شجرة السنديان. مات جورج جرداق، فعزّتْ من بعده الأقلام وتبعْثر لموته أحلى الكلام. توقّف قلبه عن الخفقان، وانطوتْ في وجدان الشعراء وأحلامهم، صفحة مشرقة من الصفحات المجيدة في دنيا الأدب. رفع راية استسلامه في أعالي القمم، على أوكار النسور وصخرة معلقة بالنجوم، ومضى بمفرده مثلما جاء تحفّ به ملائكة الرحمن.

ثمانون حوْلا أو أكثر قضاها في الظلّ الذي ارتضاه لنفسه، فلم يسأمْ تكاليف الحياة ولم يعجبْ فيمن يرغب في ازدياد. متواضعا كان حتى حدود الانعتاق من عقدة الحضور وغرور المقابلات والنّدوات. أحبّ الحياة كما أحبّ العزلة والسلام، وأحبّ الشّعر والمرأة والصحافة والاشتراكية، وأحبّ "الإمام" حتى الرّمق الأخير.

ارتاح جورج جرداق من هول ما يجري، ومضى غير مبال إلى موعده مع الموت. ويشاء القدر أن يغادرنا في نفس الميعاد عبد الوهاب المؤدّب، المفكّر التونسيّ، المؤمن بقداسة العقل والرّوح، صاحب القامة العالية والقناعة الراسخة بخطورة العنف، والمدّ الأصوليّ في توظيف الدّين لغايات لم يخلقْ من أجلها. المؤدّب العاتب على الغرب، لنظرته السّطحيّة إلى العالم العربيّ والإسلام في حاضره وماضيه. لكأنّ الرّاحلين كانا جنبا إلى جنب؛ على موعد واحد مع الموت. ولم يكنْ قد مضى إلاّ وقت قصير، على رحيل السيّد هاني فحص الأديب العلاّمة، المعمّم بالحق والخير والجمال، ممن حملوا بين حناياهم صفاء الأنبياء، وأبهى معاني قيم الإنسانيّة والمسيحيّة.

كان جورج جرداق في طفولته كثير الهروب من المدرسة. يتيْه في الطبيعة بين الينابيع في بلدته "مرْج – عيون" وفي السهول والوديان. حفظ في سنّ مبكّرة كثيرا من شعر المتنبي، واهْتدى إلى "مجمع البحرين؛ السفر النفيس" للشيخ ناصيف اليازجي، ابن عائلة اشتهر معظم أفرادها بتاريخهم المجيد في الفكر والثقافة والأدب. وشكّل "نهج البلاغة" وصاحبه في وجدان الشاعر مخزونا أدبيّا وثقافيّا أقام في ذاكرته حتى الممات.

نشأ جورج جرداق تحت جناح أخيه فؤاد، الشاعر والمرجع اللغويّ المعروف. وبعد انتهاء المرحلة التكميليّة عام 1948، عام النّكبة في فلسطين، انتقل من بلدته في مرجعيون قضاء النبطيّة، إلى العاصمة بيروت، فالتحق بالكليّة البطركيّة، إحدى أهم منارات العلم -كانتْ- ولا زالتْ.

درس اللغة العربيّة وآدابها بإشراف ورعاية الشيخ ابراهيم اليازجي- من جهابذة مدرّسي اللغة آنذاك، بالإضافة إلى رئيف خوري الأديب والصحافيّ والشاعر والناقد والقاص وصاحب تاريخ أدبيّ حافل بالثراء، وعلّامة العصر الأكبر فؤاد أفرام البستاني. الشاعر خليل المطران تعلّم أيضا وتخرّج من الكلية نفسها.

بعد تخرّجه من الكلية البطركية اشتغل في الصحافة، فتنقّل بين إذاعة "صوت لبنان" ومختلف الصحف والمجلات كـ"الحرية" و"الجمهور الجديد" و"الكفاح العربي" و"دار الصياد" و"الأنوار" و"الشبكة". وبعض هذه الدور المرموقة كان قد أسّسها المغفور له سعيد فريحة، الصحافيّ الناجح ذو الأسلوب الواضح الرشيق، وراعي المهرجانات ومختلف نواحي الثقافة والفنون؛ والصديق المقرّب لعبد الوهّاب وأم كلثوم.

استنبط الفقيد الراحل كثيرا من كلام الشعر البديع، وتولى تدريس اللغة العربيّة والفلسفة في عدد من الكليّات في العاصمة بيروت. في ميله الأدبيّ كان يشبه بولس سلامة في "ملحمة الغدير". كان شديد الإعجاب بالإمام عليّ بن أبي طالب، مشْغوفا وعاشقا لآل بيت الرّسول، ولم يكن بعيدا من قناعات مارون عبود ("أبو محمد").

نالتْ مؤلفاته عناية المغفور له عميد الأدب العربيّ طه حسين، فقرّر أن يدْرج كتابه عن المؤلف الموسيقي، والكاتب المسرحيّ الألماني "فاغنر والمرأة"، باكورة مؤلفات الشاعر الأديب، إلى المراجع المقرّرة لرسالة الدكتوراه.

كتب أيضا عن الثورة الفرنسيّة وسقراط، وعن عليّ بن أبي طالب صوت العدالة الإنسانيّة، وأعدّ ملحقا بيّن فيه روائع "نهج البلاغة". من مؤلفاته أيضا: قصور وأكواخ، صلاح الدين وريكاردوس قلب الأسد- "رواية غراميّة تاريخية". نجوم الظهر، صبايا ومرايا، وجوه من كرتون، حديث الحمار، وله العديد من المؤلفات المسرحيّة، والكتابات النقديّة.

تعليقا على موسوعة "صوت العدالة الإنسانيّة"، يقول ميخائيل نعيمة: "يقيني أنّ مؤلف هذا السفر النفيس، بما في قلمه من لباقة، وما في قلبه من حرارة، وما في وجدانه من إنصاف، قد نجح إلى حد بعيد في رسم صورة لابن أبي طالب، لا نستطيع أمامها، إلاّ أن نشهد بأنّها الصورة الحيّة لأعظم رجل عربيّ بعد النبي".

نال أيضا جائزة مؤسسة عبد العزيز البابطين، من رابطة الأدباء للإبداع الشعريّ في الكويت، وهي أرفع جائزة تخصّصها المؤسسة. تقاسمها مع شعراء آخرين كالشاعر المصريّ سمير فراج: "الآتي من رحم الغضب. ولمْلمْ جراحك وارحلْ عن مشاعرهم". والشاعر اليمني أحمد الجهمي: "وصنعاء توغل في الجراح بلا حساب". تجْدر الإشارة أن جورج جرداق من القلّة ممن سلموا من مارون عبود، ومن نقده اللاذع المرير.

تهاجى على صفحات مجلة الشبكة مع عاصي الرّحباني، عن طريق المماحكة والفكاهة الأدبيّة، في عاصفة من حماس القراء وانقسامهم إلى فريقين، بتدبير مخطّط له من قبل جورج ابراهيم الخوري رئيس التحرير، وسعيد فريحة صاحب الدار، لتحريك الشارع الثقافيّ والترويج لمجلة الشبكة.

واكبت حينها، وكنت أعمل في شركة للنّقل الجوّي، أكثر ما قاله الفريقان، وربحت اشتراك سنة كاملة في المجلة، لفوزي في مسابقة التعليق على صورة. كانت الأعداد تصل تباعا بالبريد صباح الإثنين من بداية الأسبوع، فيتجوّل العدد الجديد حيث أعمل، على سائر موظفي قسم الصيانة قبل أن يصلني في الأخير.

ممّا قاله جورج جرداق في هجاء عاصي الرحباني:

إنّي حلفْت بمهْرتي وحصاني = = ومهنـّدي وشوارب النسوان

إنّي سأبْطح بالفلاة عصابة = = مشهورة بعصابة الرّحْباني

في رأسها عاصي الّذي في رأسه = = قبّوعة كمداس يوستينيان

أغراه شيطان الهجاء بوقعة = = ملعونة لمّا انْبرى وهجاني

لا؛ لنْ تنال السّبْع وهو بغابه = = فرْكوحة مربوطة في الخان (2)

ويردّ عليه عاصي الرّحباني فيقول:

بلّغْ بني الجرداق أنّ خيامهم = = طارتْ وراء جوانح العقبان

يا كشْكش الأدب الرّفيع وكشْكشا = = شكّوه تحت كشاكش الفستان

الناس والنّسْناس والكنّاس قد = = باضوا عليه بآخر الأزمان

يا طلْطميس الفكر سلّم قبلما = = تهوي عليك شباشب النسوان

كتب لماجدة الرومي أغنية "سمراء النيل". لحّنها لها إيلي شويري، فتألقتْ بها على مسرح دار الأوبرا في القاهرة. ومن كلماتها:

من فرحة أرض أزلية

من رنة عود شرقية

لفتتها الخفةُّ

خطوتها الرقصة

لهجتها المصرية

أوراق زهور برية

أجنحة طيور بحرية

ليل وحرير وتكية

وتقول الشفة الخمرية:

أنا مصرية

كالأرض حميمة وبهية

كالشمس قديمة وصبية

من غريب الصدف وحلاوتها أن أتلقّى بهذا المعنى رسالة من صديقة مقدّرة ولمّاحة- كان قد بلغها نبأ وفاة الشاعر في الوقت الذي كنت أعدّ فيه مقالتي. حدّثتني بعفوية خالصة عن القصيدة والأغنية وكيف تأثرتْ بها، وتمنتْ من أجل الأغنية لو انّها كانتْ مصريّة.

عرف جورج جرداق في حياته فيضا من المشاهير، وحازعلى ثقة ومحبّة الكثيرين من أهل الأدب والفن والفكر والشعر في العالم العربي، كميخائيل نعيمة ورياض السنباطي والأخوين رحباني ويونس الإبن ونصري شمس الدين ووديع الصافي ويوسف وهبي وإحسان عبد القدوس وفريد الأطرش ونجاة الصغيرة. تسامر في ليالي السهر مع عبد الوهاب في مقصف قائم على كتف وادي الضباب في حمّانا، أو وادي "لامارتين" حيث ولدتْ "هذه ليلتي وحلم حياتي".

أعدّ الكثير من البرامج الإذاعية التي لاقتْ قبولا شعبياّ ونجاحا واسعا، طالما انتظرها الناس تطلّ عليهم من خلال الإذاعة في الصباحات الجميلة. كان "على طريقتي" من البرامج الإذاعيّة الناجحة التي استمرّتْ أعواما طويلة. ثمّ توقفتْ معركة التّهاجي، فمات عاصي الرحباني وانقضى للأسف الشديد ذلك الزّمن الجميل، وقد رحل عنّا كلّ هؤلاء الرواد الكبار الميامين، وها هو اليوم يرحل آخر السرب جورج جرداق الطائر الغرّيد.

لكنّني أسأل الله أن يطيل في عمر الرائعة المتألقة دوما قيثارة الشرق نجاة الصغيرة. نجاة ووديع الصافي أيضا ممن غنّوا بعضا من قصائد الشاعر. لكنّه كان صديقا مميزا لأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، ويطرب كثيرا لفريد الأطرش وأسمهان.

تمكّن جورج جرداق المسيحيّ وابن الإنسان، هذه الشخصيّة التي تراوحتْ بين الشعر والثقافة والإبداع، وبين القوميّة والعروبة والإسلام، أن يذهب إلى عليّ بن أبي طالب دون أن يداخله الشكّ في صحة خياره، عندما لم يغادرْ أو يتهاونْ في مسيحيّته وإيمانه، بل ساعدتْه الرحلة إلى الإمام على المزيد من التّمسك والإصرار على سلامة الخيار، فكان قيمة مشتركة خالصة من كلّ عيب بين المسيحية السّمحة والإسلام الحنيف.

نقل جثمان الراحل إلى مسقط رأسه في مرجعيون، ثم وري الثرى في مدفن العائلة. عاد الشاعر إلى موطنه الأوّل، وأرضه في الجنوب الغالي على قلب الوطن. أرض الشّعر والأحلام والناس الطّيبين، أرض الفلاحين البسطاء والغلابى المحرومين. عاد إلى بلدته المنتشرة على مساحة سهل مترامي الأطراف، لا يفصلها عن فلسطين المحتّلة إلاّ مسافة قصيرة تقلّ عن بضعة أميال.

البلدة الجنوبيّة الكريمة بأرضها ومائها ومواسمها، الغنيّة بأبنائها وتراثها ومقاوميها، لطالما قدّمت التضحيات على مذبح الوطن المعذّب الذي لم يتعاف بعد، أو يعرفْ طريقه إلى السكينة والسلام.

إن غادرنا جورج جرداق فـ"هذه ليلتي" باقية ما شاء لها الدهر أن تبقى واحة في صحراء، وشجرة وارفة نفيء إلى ظلّها وقت الهجير.

= = = = =

(1) الشيخ: رتبة كالآغا والباشا وغيرهما، تكنّى بها بعض العائلات النافذة والعريقة، أوالإقطاعيّة في أغلب الأحيان.

(2) فرْكوحة: عاميّة. صفة حيوان هزيل، أو فرس هجين حقير الشكل، قليل الهمة في الجري.


مرفقات

مقطع من أغنية هذه ليلتي

15 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014
info document : MP3
182 كيلوبايت

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3310001

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC