د. سمير كتّاني - فلسطين

الجاحظ: رائد الثّقافة العربيّة

سمير كتانيكان الجاحظ أشدّ النّاس ولعا بالعلم والمعرفة، وكان يترسّم خطاهما في كلّ مكان. فكان يكتري دكاكين الورّاقين ليلا ليطالع ما فيها من كتب، ويعمل- مع ذلك- في النّهار ليكسب رطلا خبزا، أو قدرا حليبا، أو صاعا تمرا، ممّا يمكن أن يسدّ رمقه ويكفيه مؤونة يومه. فيروى أّنّه نشأ يبيع السمك على شاطئ أحد الأنهار.

وكثيرا ما كان شغف الجاحظ بالدّرس والتّحصيل يصرفه عن هذا الكسب، إذ كان يقضي يومه في حجرة لا تتجاوز مساحتها العشرين ذراعا، منقّبا في متون الكتب، ومفتّشا عن مجاهل المسائل العلميّة والحضاريّة، حتّى كمل أدبا وازداد علما.

وعكوفه على القراءة هو الّذي جعل كتبه ورسائله أشبه ما تكون بدوائر معارف، فليس هناك جدول من جداول الثّقافة في عصره إلاّ وتسرّبت منه فروع ومنعطفات إلى كتاباته وتأليفاته. وقد تأثّر بالثّقافات الأجنبيّة ينهل منها شتّى أنواع المعارف، كالثّقافة الهنديّة واليونانيّة والفارسيّة، إلى جانب الثّقافة العربيّة البدويّة، والثّقافة الإسلاميّة.

كنيته أبو عثمان، واسمه عمرو بن بحر، وهو بصريّ، تنسب إليه الفرقة المعروفة بالجاحظيّة من المعتزلة. وكان تلميذ أبي إسحق بن سيّار البلخيّ المعروف بالنّظّام، وهو متكلّم أهل زمانه المشهور. كما تأثّر بأستاذه سهل بن هارون، الأديب الفارسيّ الشّهير، حتّى إنّه كان يوقّع رسائله وكتبه الأولى باسمه، وذلك قبل أن يعرف ويشتهر.

يشير بعض الباحثين نقلا عن قدماء المؤرّخين العرب والمسلمين إلى أنّ الجاحظ وضع أكثر من مائة وتسعين مؤلّفا، تشمل كتبا تعدّ من اشهر وأهمّ المصادر الأدبيّة والثّقافية في الحضارة العربيّة، مثل "الحيوان"، و"البيان والتّبيين"، و"البخلاء"، و"البغال"، وغيرها. بالإضافة إلى عدد كبير من الرّسائل الأدبيّة، مثل "رسالة فخر السّودان على البيضان"، و"رسالة في المعلّمين"، و"رسالة الجدّ والهزل"، و"رسالة النّساء"، و"رسالة التّربيع والتّدوير"، وغيرها.

تميّز الجاحظ بأسلوب فريد في الكتابة، جعله يتبوّأ مكانة رفيعة بين أدباء العربيّة جميعا، فقد وظّف أسلوب الازدواج أو التّوازن الّذي ابتدعه سلفه عبد الحميد الكاتب، فاستخدم هذا الأسلوب في تضاعيف كتبه ورسائله. كما يعرف عنه مرونته في التّعبير، إذ يتصرّف في فنون الكلام ليوافق مقاصده، فيطيل ويستطرد أحيانا كثيرة، ويوجز في بعض كتبه ككتاب البخلاء.

فأسلوب الاستطراد يوحي للقارئ بنوع من التّشتّت والتّشعّث في التّأليف، فهو دائما ينتقل من موضوع إلى آخر ومن خبر إلى شعر إلى فلسفة، ومن جدّ إلى هزل في تشعّب هائل. والجاحظ يبرر هذا الأسلوب بأنّ القارئ سريع الملل في قراءة الموضوعات الجادّة، وأّنّه يحتاج إلى ما يرفه عنه ويمتعه. كما يرى بأنّ العلوم تتشابك معا، وأنّ لكلّ شيء من جنسه ما يشاكله ويتفرّع عنه.

كان الجاحظ أسود البشرة، جاحظ العينين، كبير البطن، ويصفه "ابن خلّكان" بأنّه كان "مشوّه الخلقة رغم فضائله". وكان يلقّب بالحدقيّ إلى جانب تلقيبه بـ"الجاحظ"، نظرا إلى نتوء عينيه. ويروى أنّه استمدّ سواد بشرته من أصله الحبشيّ، حيث كان أبوه عبدا لأحد وجهاء العرب في البصرة؛ عمرو بن أفلح الكنانيّ. غير أنّ الجاحظ كان يرى نفسه عربيّا صميما، حيث انبرى غير مرّة يكتب عن العرب والعروبة، ويفضّلهما على سائر الأعراق والأمم، وراح يدافع عن العروبة ضمن المعركة الحضاريّة الثّقافيّة الّتي أدارها الشّعوبيّون ضدّ العرب والعروبة، واشتهر في هذا النّوع من الكتابة "باب العصا"، وهو أحد فصول كتابه البيان والتّبيين".

ولقد كان الجاحظ شديد الاختلاط بالنّاس، يعاشرهم كبارا وصغارا حتّى صار أوسعهم خبرة، وأعمقهم ثقافة، ما جعله رائدا في ميداني الثّقافة والأدب.

عاصر الجاحظ الّذي عمّر طويلا أحد عشر خليفة، بدءا بالخليفة المهديّ، وانتهاء بالخليفة المهتدي. وكانت وفاته بالبصرة عام 255 للهجرة، الموافق 869 للميلاد، عن عمر ناهز الثّالثة والتّسعين، (وقيل إنّه عاش نحو تسع وتسعين سنة).

يروى أنّ الخليفة المأمون قد بلغته شهرة الجاحظ، فطلب منه أن يكتب إليه رسالة في العبّاسيّة والاحتجاج بها، وأنّه أقامه على ديوان الرّسائل، فلم يمكث فيه سوى ثلاثة أيّام، وكأنّه لم يستطع الخضوع لنظم الدّواوين وما يقتضيه سير العمل فيها، فيستعفي من منصبه.

لكن مع ذلك يبدو أنّ خبراء الدّولة كانوا يكفونه حاجته، فقد روي أنّ ابن الزّيّات أعطاه في كتاب "الحيوان" خمسة آلاف دينار، وأنّ ابن دؤاد أعطاه في "البيان والتّبيين" خمسة آلاف دينار أخرى، وأنّ إبراهيم بن العبّاس الصّوليّ أعطاه خمسة آلاف ثالثة في كتاب "الزّرع والنّخل"، وأنّ الفتح بن خاقان وزير المتوكّل أجرى عليه في رسالته في فضائل التّرك راتبا شهريّا كان يتقاضاه من خزانة الدّولة. وعلى هذا كان الجاحظ يتّصل بكبار رجال الدّولة العبّاسيّة، وكانوا يوادّونه ويصادقونه. فيقال إنّه كان صديقا لابن الزّيّات مقرّبا منه.

كان الجاحظ شخصيّة فكهة، حيث كان ظريفا لا يتورّع عن التّندّر حتّى بنفسه. فمن ذلك مثلا ما يرويه الجاحظ عن أنّ امرأة قصدته وهو واقف أمام بيته، وقالت له: "لي إليك حاجة". فقال الجاحظ: "وما حاجتك؟" قالت: "أريدك أن تذهب معي". قال: "إلى أين؟" قالت: "اتبعني دون سؤال". فتبعها الجاحظ إلى أن وصلا إلى دكّان صائغ، وهناك قالت المرأة للصّائغ: "مثل هذا"، ثمّ انصرفت.

عندئذ سأل الجاحظ الصّائغ عن معنى ما قالته المرأة، فقال له: "لقد أتتني المرأة بخاتم، وطلبت منّي أن أنقش عليه صورة شيطان، فقلت لها إنّي ما رأيت شيطانا في حياتي، فأتت بك إلى هنا لظنّها أنّك تشبهه".

وقد أثنى الأدباء بعد الجاحظ عليه، فكان ابن العميد يقول عن مؤلّفات الجاحظ إنّها تعلّم العقل أوّلا والأدب ثانيا.

أصيب الجاحظ في آخر سني حياته بالفالج، وقد ألّف كتاب "البخلاء" وهو مفلوج كما يذكر هو بنفسه في كتابه.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3096091

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC