غانية الوناس - الجزائر

العالـم لا يسمعني

غانية الوناس: كاتبة جزائريةكنت أريد أن أقول الكثير اليوم، لكنّ حاسة من حواسي خذلتني.

وقفت أمامهم ولم أجهز شيئا أقوله، أقصد أعبر به، كان شيئا جديدا ومختلفا على فتاة مثلي، بدوت كالغبية، تائهة، ضائعة، مشوشة الأفكار، ربّما كان العرق الذي يتصبّب من جبهتي واضحا جدا لكل من كان يراني ويرقبني بعين المنتظر.

اسمي كوفان. لست كردية لكن اسمي ارتبط بتلك الأرض البعيدة جدا، والتي لا أعرف عنها الكثير، لكنها ربّما تعرفني بشكل أفضل. حين ولدت لم يكن هناك من شخص يسجلني. احتاج الأمر معجزة وهكذا تطوعت ممرضة في ذلك المستشفى الرثّ تماما كحياتي التي ستأتي بعد ولادتي فيه، تطوعت جيلان الممرضة الكردية وقامت بتسميتي وتسجيل اسمي، فكان لها الحق في أن تعطيني اسما كرديا، وربّما لأنها تنبّأت بمستقبلي الحزين أطلقت علي اسم "كوفان" والذي يعني بالعربية أحزان.

لا أعرف إن كان عليّ أن أشكرك يا جيلان، أم أعتب عليك، وماذا كنت تملكين من قدري غير اسم أسميتني به؟ ربّما عليّ فقط أن أقول شكرا، على الأقلّ كنت محظوظة أكثر من غيري، فهناك من شهد ولادتي، وأهداني اسما، حتّى لو كان اسما حزينا.

كنت محظوظة جدا لدرجة أن المطر في ذلك اليوم لم يتوقف طوال الليل، استمر طوال الصباح وحتّى حين صرخت صرختي الأولى استمر بالهطول ولم يتوقف، لم يصغ لي المطر، لم يستمع إليّ في أول حضور لي في الحياة، لم يعرني انتباها ربّما لأنّ صرختي كانت صمّاء.

ولدت صمّاء، وأمّي توفيّت وهي تضعني، عاشت حياة بائسة بسبب المرض، اضطرت أن تحارب كلّ شيء لتنجبني، الطبيب قال إنّي سأولد ضعيفة وأمي ليس لها القدرة على إتمام الحمل. طبيب آخر قال لها: من الظلم إنجاب هذا الجنين. والعالم قال: إنّه ليس من حقّي أن أولد.

لكنّ أمّي أجابت الجميع: أنا لن أقتل روحا بداخلي.

كانت قوية لتقرر إنجابي رغم رفض العالم لي، أما والدي فلا أعرف عنه سوى أنّه قتل في حرب لا تعنيه، قتل بالخطأ. هكذا يبرر القتلة تساقط القتلى في حروبهم القذرة، قتل بالخطأ وقتلت معه أحلام أمّي لتكبر مأساتها ما بين المرض وموت والدي وبيني أنا الجنين الذي كان يهدّد حياتها إن هي قررت الاحتفاظ به.

هكذا ولدتُ يتيمة. والدي قتل، وأمي ماتت أثناء ولادتِي. لم أعرفها، تلك المرأة القويّة التي أهدتني الحياة، حين قرر الجميع سحب أحقيّتي مني، لم أعرفها، لم أعرف عطرها ولا لمستها، ولا عرفت كيف يشعر الأطفال بأمهاتهم، دفعتني إلى الوجود بكل طاقتها، بآخر نفس تبقى في جسدها المنهك من المرض والحياة والبشر، دفعت بي لأعيش وغابت هي لتغيب معها كلّ الألوان والأصوات والأشياء الجميلة.

ماما، كنت أكررها في نفسي كثيرا، لا أحد كان يسمعها سوى نبض قلبي المرتجف، ماما، كيف أنت؟ كيف حياتك هناك حيث رحلت؟

أسأل كلّ يوم حين أفتح عيني على العالم، في كل صباح أرتدي وجهها وابتسامتها المضيئة في الصورة الوحيدة التي أملكها لها، أقبّلها، وأمضي إلى يوم لا يختلف كثيرا عن سابقيه.

طفلة صمّاء ولدت، لم تتعرف إلى صوتي الحياة، ولم أتعرف أنا الأخرى إلى أي صوت فيها.

عشت حياة لا ضجيج فيها، كان كلّ شيء فارغا بالنسبة إليّ، لم أعرف إحساس انتشال الأصوات من طبيعتها ومنشئها، ولم أعرف كيف وقع الأشياء في داخلي لأنها لم تكن تحدث أيّ صوت، ربّما كانت في الواقع تحدث زلازل وبراكين وعواصف وأشياء أخرى، لكنّي لم أكن أسمع شيئا، فقط كنت أشعر بملمس الجراح التي تصبح فيما بعد خدوشا وندبا، كنت أشعر بحرارتها لحظة تقع، لحظة تنزلق على جدار القلب لتؤلم أكثر، لتحدث آثارا يصعب فيما بعد محوها، أو على الأقلّ تجاهلها و نسيانها تدريجيا.

حين كنت أحاول أن أعرّف الألم، كنت أجلس لساعات أرسم على الأوراق أشياء غريبة، وأشعر مع كلّ خطّ أخطّه بأنّي أخدش كياني من الداخل، كان للألم ذاك أظافر ومخالب تنهشني كذئب مفترس، وأنا لم يكن بإمكاني إيقاف ذلك الشعور، كان صعبا عليّ ألاّ أفهم كل تلك الأحاديث التي تدور حولي، دون أن أستوعب شيئا منها.

عشت في الملجأ ككلّ الأطفال المكسورة أجنحتهم، مع فرق بسيط: أنا لم أكن أملك ما أعبّر به، حتّى لساني خذلني ولم يكن قادرا على التحدث والصراخ والامتعاض عمّا لا يعجبني كبقية الأطفال الآخرين، كنت أجلس في زاويتي المعتمة أراقبهم، وأراقب حياتي بينهم، كانوا يفعلون كلّ شيء، ولم أكن أفعل شيئا غير المراقبة.

تعلمتُ في الملجأ لغة الإشارة. كان الأمر يحتاجُ إلى قوةٍ عظيمة، وربّما استجبتُ لتلك القوة لأنّي كنتُ بحاجةٍ لأن أفهم أكثر كلّ ما كنت أراه ولا أستوعبه. تعلّمت الكتابة أيضا، وكانت تلك معجزتي الصغيرة، لم يكن الأمر سهلا، احتاج منّي الأمر إلى صبر لا يحتمل، لكنّي أردت أن أخرج من قوقعتي، ولربّما كانت الكتابة طريقة جيّدة لفعل ذلك.

استمرت حياتي جامدة وساكنة إلى حين ظهر فيها "الخال عمر"، لم أعرفه قبلا، قيل لي وأنا في الملجأ بحسب ملفي الذي بحوزتهم إنّي كنت مقطوعة من شجرة على حدّ تعبير المديرة، لكنّها في ذلك الصباح استدعتني إلى مكتبها، أخذت قلما ودفترا وراحت تكتب لي فيه عن الخال.

لم تتحدث كثيرا، فقط راحت تشرح لي بأنّ هناك قريبا لي كان مقيما خارج البلاد، والآن عاد، حين علم بوجودي قرر أن يتكفل بي ويخرجني من الملجأ.

لم أشعر بشيء، فقط سمحت لدموعي أن تنزل دون أن أوقفها، شهقت مرات وأنا أحاول التنفس بشكل أفضل، لعلّي لا أظهر استغرابي من قدري الذي يقذفني من مكان إلى آخر، دون أن أملك حق الاعتراض أو حتّى المناقشة، أو ربّما حقّ المعرفة المسبقة.

قالت ستذهبين معه؛ هكذا أفضل لك، أومأت لها برأسي وخرجت، جمعت ما كان لي من أغراض، وغادرت معه، لتبدأ رحلة أخرى في حياتي.

الخال عمر لم يكن شخصا لطيفا جدا، لكنّه مع الوقت اعتاد على وجودي في بيته، كان يقيم وحيدا، رجل في الخمسين من عمره، بيت كبير مع حديقة واسعة، بعض الخدم الذين كانوا يتكفّلون بكلّ شيء، وأنا الطفلة الصماء، كنت في السادسة عشر حين انتقلت إلى بيت الخال.

في البداية وجد صعوبة في التعامل معي، لم يكن يستطيع إفهامي ما يريد، كان يتحدث كثيرا قبل أن ينتبه إلى أنّي لا أسمعه، ولا أفهم ما يقول، استدعى الأمر الكثير من الصبر، لكنّه مع ذلك كان يحاول أن يكون صبورا.

كنت أقرأ ملامحه المتعبة، وكنت أحاول الجلوس معه أحيانا لأعتاد عليه أنا الأخرى، ومع الوقت نشأت بيننا صداقة أو ربّما شيء مختلف يجمع ما بين الحبّ والشفقة والودّ والرحمة والقرابة أيضا.

في منزل الخال تعرفت إلى الدكتور قصي، كان طبيبه الخاص الذي يزروه بشكل دوري، حين رآني للمرة الأولى سلم عليّ بابتسامة عريضة لكني لم أردّ، لم يعجبه الأمر، فأخبر الخال أنّ قريبته لا تحسن التصرف، وحين همس الخال له بحقيقتي، نظر إليّ بتلك النظرة التي تشعر معها بأنّك شيء ضئيل جدا تستحق الشفقة، ابتسم لي ثم كتب على ورقة أعطاني إياها:

"سأكون معلّمك، هل تقبلين؟"

أصبح الدكتور قصي معلمّي الشخصي، كان يأتيني كل يوم ليعلّمني كيف أتعامل مع نفسي ومع الآخرين، كان يكتب لي كلّ شيء، ثم صار يعلّمني أن ألتقط الكلمات من شفاه من يحدّثني، ثم صار يعلمّني أشياء أخرى بدت لي في البداية غريبة، قال لي :

بإمكانك أن تسمعي إذا كنت تريدين ذلك من أعماقك. إذا كنت حقا ترغبين بذلك بشدّة ومن أعماقك، فعليك أن تمنحي الأصوات أشكالا وألوانا، كلّ صوت هو في الواقع تركيبة من الشكل واللون والإحساس، لديك من الإحساس ما يكفي لتعبري بالأشكال، ثم لوّني كل ذلك وفقا لما تشعرين، هكذا ستصبح لديك طريقتك في التقاط الأصوات حتّى لو لم تسمعيها.

أذهلني ما قاله لي، كيف لم أفكر يوما في شيء كهذا، شعرت كمن يعثر على بئر ماء بعد أن عاش زمن القحط والعطش، كمن أبصر فجأة بقعة ضوء بعد أن اعتاد الظلام، كأنّي أخرج من نفق عميق جدا، وكأنّني أتنفّس لأول مرّة ذلك الهواء المنعش الذي يعيد إلى الروح نقاءها.

أصبح لي أخيرا بعد كل مأساتي التي عشتها في السكون أفق لشيء أجمل، كنت أجلس لساعات أرسم وأرسم، كلّ ما كان يخطر ببالي كنت أضعه موسوما بالألوان على ورق أبيض، صار للعصافير شكلها ولونها وأصواتها التي ألوّنها كما أحسها، صار للبحر صوت أيضا بلون مختلف، للأشخاص أيضا، للجسور ومحطات القطار، للمطار والطائرات التي تحلّق فوقنا كلّ يوم، للأشجار والأغصان، للشوارع والسيارات، للسماء والنجوم، أصبح لديّ عالم مختلف جدا، صار له صوت بألوان كثيرة.

كان قصي يراقبني بينما أنا كنت أنغمس في ذلك العالم السحري من الألوان، تعلّمت منه أيضا لغة الإشارة، أصبحت أتعامل بشكل أسهل مع الآخرين، أصبحت حرّة أكثر مما كنت، لعلّي لم أكن يوما حرّة بهذا الشكل، كان عالمي السابق قيدا يأسرني فلا أقوى على الحركة، لذلك عشت ما مضى من حياتي ساكنة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة.

فيما كانت حياتي تتبدل يوما فيوم، كان الخال يفقد صحته شيئا فشيئا، لم أنتبه له، كنت مأخوذة بعالمي الجديد، لكنّ صدمة فقدانه بعد أن تعودت عليه وأحببته جعلتني أشتاق عالم الوحدة الذي رافقني دائما، يوم وفاته تكورت حول نفسي، كنت أبكي بصمت، كنت أهوي في داخلي إلى أميال من الحزن واليأس، لا أصعب من أن تشعر بالدفء بعد زمن من البرد، وحين تعتاد الدفء يجتاحك الصقيع مرة واحدة، كأنّك لم تعرفه يوما، ولم تتذّوقه أبدا.

شعرت بأن العالم الجديد كان كذبة صغيرة، غيمة صيف أمطرت ثم شاخت وهرمت واختفت تماما بحيث لم يعد لها أثر في حياتي، ها أنا ذا تلك العالة على الدنيا كلّها، العبء الأكثر ثقلا على العالم، أعود لأصبح أسوأ من ذلك، وحيدة حزينة صماء، وطاعنة في الألم والوجع.
بسرعة فقدت كلّ شيء، وكان صعبا عليّ أن أستعيد شعوري الجديد، استغرق الأمر أشهرا من محاولات الدكتور، وحين يئس مني أرسل لي رسالة وداع لأنه كان مغادرا إلى مكان ما.

بدأت أفقد وزني، أصبحت أشبه بهيكل عظمي، أو مومياء تصارع من أجل بعض الهواء والماء، وهكذا تدهورت صحتي حتى شارفت على الموت.

فتحت عيني للمرة الأولى لكنّي لم أعرف أين أنا، فركتهما قليلا وحاولت جاهدة أن أرى ما حولي، كنت في المستشفى ويبدو أنّ حالتي ساءت إلى الحدّ الذي لم أفكر به.

كان هناك جالسا يراقبني الدكتور قصي نفسه، وحين رآني أستفيق كتب لي على ورقة:

إن كنت تريدين الموت حقا، استمري في الحزن.

بدا لي غاضبا جدا، فشعرت لأول مرة منذ وفاة الخال بأن هناك من يقلق من أجلي ويهتم لأمري.

بدأت أتعافى من الحزن بمساعدته، أصبحت أرسم بعد أن هجرت الألوان أشهرا، ومع ذلك بقي شيء من الألم يخزني بين فترة وأخرى. قررت أن أتجاوز كل ذلك على الأقل إكراما لجهود الدكتور، وأن أفعل شيئا ذا فائدة، فقد مضت حياتي السابقة دون أدنى أثر، استجمعت ما بقي لدي من قوة، فكرت في شيء ما يكون مختلفا، شيئا يمنحني صورة وصوتا يسمعه الآخرون، وحين دخلت في ذلك المساء مكتب الخال ورأيت صوره المرصوصة على الحائط، قررت أن أقيم معرضا في حديقة منزله، أردت أن أمنحه هدية ما وفاء له فلم يحبنّي في حياتي إلا هو والدكتور قصيّ.

"أقف اليوم ها هنا، حيث أمسكت لأول مرة بريشة الألوان، هنا حيث عرفت لأول مرة معنى أن يكون لدي عائلة، وشخص يهتم بي، هنا حيث التقيت بالوجه الآخر للحياة، الوجه الذي تشرق فيه الشمس صباحا لتمنحنا الأمل والقوة والفرح، هنا حيث عانقت السماء وقدماي على الأرض، حيث بترت الحزن أخيرا من أعماقي، وتسلّقت الغيوم غيمة غيمة، وأصبح لي أجنحة بألوان تماما كالفراشات، هنا حيث تحدثت لأول مرة وكان هناك من يسمعني حقا، هنا حيث تعلّمت التحدث بالفرشاة والألوان، هنا حيث أريد للعالم كلّه أن يسمعني أخيرا، هنا معرض لوحاتي هنا صوتي الحقيقي".

تحدثت بلغة الإشارة بينما كان إلى جانبي الدكتور قصيّ يترجم إشاراتي للحضور، وقف الجميع مصفقين لي، رأيت وجه الخال في السماء يبتسم لي، سمعت صوته في داخلي يتردد: "كوفان، تحدثي اللغة التي تعرفين، وأجبري العالم على سماعك".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3180822

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC