غالية خوجة - سورية

نصوص لا شرقية ولا غربية

غالية خوجةلم يكن في الموسيقى الغائبة سوى إيقاع العشب حين تغني الزرقة للأرجوان. ولم يكن في براكين الأسئلة سوى ظلالي. وكنت أعبر الضوء، أعني: أعبرني، فلا أعثر إلا على غياب يزدحم في الغياب.

تجاهلت ما يحدث، وعدت إلى المستقبل، ليس لأتلاشى، ولا لأتكوّن، بل لأكون حيث لا أكون، ولا يكون أحد.

العزلة رنين فوسفوري، يتفتـّـح في اللا مكان. الزمان حورية تائهة في السديم، والبحر، بعد موجتين وقصيدة سيتشكـّـل.

هيولى من فضة ترقص مع المعاني اللؤلؤية. كأن اللازورد خرج عن النص، والصلصال سيتخذ أشكالاً وتشكـّـلات لا تحصى. كأن تبحث عن كأن، فيترسب الشك، ويرسو الظن، ويغوص اليقين. كذا، تظل اللغة بلا كلمات. والدلالات، وحدها، تطفو على الدلالات، تخادع الاحتمالات، وتشارف على اللا متوقع.

ومن شجرة، لم تعبر الفصول، من ريح لم تتعلـّـم اسمَـها، وحركتـَـها بعدُ، تطلع تأويلات، ستشبه الإنسان، أو الكائنَ الغرائبيَّ، الذي ما أن ينمو، حتى يصير صوته ذئبياً، تتحول يداه البيضاوان إلى أنصال، فلا يجف الدم المعلق بين العرائش.

خلف هذا الخراب،

قبل هذا التنامي،

كانت الموسيقى ترعى الموسيقى.

وكانت موسيقاي تهشّ على الموسيقى،

فيصير الموج قراصنة، وتصير اللحظات مراكبَ، ولا تصعد الأنا، أو النحن، إلى جذوع الشجر الطافية، ولا تتجافى الأمطار عن الغيوم، بل نصعد، ونتجافى، إلى الأعماق الأشد إشراقاً باللامرئي.

قلت: أشعل بصيرتي، لتزداد المعابر احتجاباً. قال: بل، عليك، أن تحترقي في مجامر اللغات، ليصعد الكون إليك.

حينها، اغتابت الفجأةُ الفجأة َ، وتداخلت الموجودات. ارتطام عظيم للأرواح. بروق لا تجيء ولا تذهب، رعود لا تظهر ولا تغيب، والبرزخ، قابَ برزخ وقصيدة،

يصعد، كما المجرات المولودة الآن.

تماماً،

من تلك الفجوة الخضراء،

شبّـتْ طقوس لا نهائية،

وتاهت الموسيقى من جديد.

من يبصر ذاك المد؟ ذاك الجزر؟

بلا مد ولا جزر، ينمو الذي لا يتحدد. هو يتمدد، ونحن نتضاد. وحين تتناغم العناصر بعيداً عن العناصر، يبدأ العشب المتأخر بالتداعي. هكذا، يفعل الآتي وهو يتلصّـص على ذاته، أو على الخلق. ثم، لا يغيب في الشمس، ولا يحترق في المجهول، بل، ينصهر في تحولاتي.

لم أخبركم، كم مرّ على ظني وهو يغوص أكثر في الشك، ولا يرسو.

الأسئلة تتكاثر مثلما تفعل الريح، فتخدع الغيمة والوردة، تخدع العاصفة َ، ولا تصمت.
ثمة صوت يؤدي فرائض صلاته، الصوت مغمور بالتراتيل، هل سيخرج من أعماق المحيطات، أم من أغوار الذات القابلة للفناء والبقاء؟

ربما، سيخرج، من كلمة لم يمرّ عليها الكلام. ربما، من رائحة تصيد الأشعة الفضية الواقفة في آخر حافة للكون. أو، ربما..

كأنني أتجاور مع ظلالي.

كأن ظلالي تتهادى.

تنكسر الآلام القديمة، وشظاياها البلورية تتحول. سأغضّ المعنى عنها لتصير ما تشاء، فراشات، ورؤى، وجحيماً، أو..

قلت: لا أسرار للزيزفون إذا ما زار الجمر.

قالت النار: ولا أسرار لألهبتي إذا ما عبر زمنك.

فأشرتُ إلى رميمي أن انبت، اصعد، ولا تكترث بالتلاشي.

كان التلاشي يُـنصتُ، فاختلس من الأبدية نصفـَـها، ورمى ما تبقـّـى على الجبال التي لن تكون.

منذ متى والريح ليست هنا؟

أغلقت الغربة على غرابتها، فاشتعلت الغرائبية، وأتتني الملاحم عارية إلا من مخيلتي، فأضفتُ جراحَ الموتى عليها، لتنعطف إلى الأساطير، وتستقر في مستقبل لا يستقر.

الغابة العائمة فوق نبضي، تفتح الإيقاع، فترتفع البراكين، ويهذي المُـهْـلُ، ويتجمّـد الصيف على جذوع الثلوج.

جرارُ الخمور مصابة بسكرتي، والشطحة تمنح أسئلتها للكلمة المقدسة، تلك التي لن يكتشفها أحد، أي أحد.

الموسيقى تحتطب نبضاتي، فتئن المعاني الذهبية، وتخلع إيحاءاتها على البنفسج. كأنني رأيته فيَّ، كأنه رآني فيه. كم على كأن أن تتملـّـص من كأن لتكون قيدَ الموجود؟

الموسيقى ترتعش كلما لامستْ ذاكرتي، والوقتُ إثر وقتي يذوب. لم أفتح عليه لهجات القصب، أو هواجس النار، ولم أصدمه برحيلي.

ذاكرتي، تحمل أكفانها، وتغادر.

والموسيقى تبدأ الارتعاش من جديد.

سنديان يتمطـى في الفضاء، ينفخ على أغصان الدخان، فتنتفض حمـّـى التكوين، ويتراذذ الوشيش. قلقي المسجور، يزلزل ما قبلـَـه، ما بعدَه، ويتعدّى على هيئاته.

لا أستوي على حال. ونصوصي أيضاً. ولكي لا يتعب المريدون والمريدات من مدارات الزوابع، ودوامات إيماءاتي، سأترك لهم، ولهن، علامات من اللاشيء، لعلهم، لعلهن، يهتدون، يهتدين.

وهكذا فعلت، وتجاوزتُ الضفافَ والجبالَ والبحيرات والمتاهات والمفازات، ولم أغلق المعاني، بل تركت البصائرَ مواربة.

أو، هكذا، هيّـئ للضوء.

ثم كان أن تجاوزت كان ويكون.

وكمن يغزل المستقبل، منتظراً ماضياً لن يأتي، غزلتُ الغيومَ بالنار، وجئتُ طفلين من موسيقا، وجاء معنا وقتٌ، حين رأته السماء، صار أمواجاً بلا موج.

شفافة تلك الجراح، مثل فراشة داهمها الغلس، أو ذاكرة ٍ ذابت في النعناع، أو شطحةٍ مازالت تعلو إلى المقدس.

ثم، واعدتُ مستقبلاً واعدني، فسبقته، ولم أظن أن مستقبلاً آخر كان ينتظرني عند منعطف المعنى الراحل.

كان الخلود ينتظر، والسراخسُ، تؤوي الشمسَ إليها. والقواربُ، مازالت تحملُ الضحى، فلا ترسو، ولا تصل إلى الشفق أو الغسق.

هل تنصتون؟

من فضلكم، أنصتوا أكثر:

النغمة الأولى، تسبح، ليس في دمي فقط، بل في التكوين وفراغاته، في نبضكم، ورنينها، لا، يصل إلى الظلمة، وإلاّ لكان الإعتام قد صار شعاعاً، ووشى: لم يسحر الانبهارَ سوى تلك الجراح، ألذلك، تاهَ الوقتُ عن الوقت ِ، وضيّـعَ دروبَـه الغروب؟

هل تنصتون؟

طويتُ الريح، وخبأتها في الحلم. المطرُ إيقاع برهتي، والنشيد الأخير، صنع الأزمنةَ سفينة، وهرب مع النجوم. هل نسيتُ السؤالَ في القشّ؟ وإلاّ، لما هرعت المجرات إلى النار، والمياهُ، إلى اللهب، ومناسكُ النصوص إلى قلبي.

منذ متى وأنا لا شرقية ولا غربية، أحترق، وروحي من شدة الإبصار تضيء؟


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC