مهند فوده - مصر

أقفال تفتح القلوب

مهند فودهوقد عقدت النية حال زيارتي باريس أن أزور جسر العشاق، وان اشتري قفلا وأعلقه بسور الجسر، لربما تصيبه العدوى من أقفال تجاوره، وينقل عدوى الحب إلى قلبي بالتبعية، فأزوره مرة ثانية لأضيف اسما في المكان الخالي بجوار القلب المرسوم جار اسمي.

وأتيحت لي في تموز الماضي لأول مرة زيارة باريس، وصعدت على جسر العشاق بقلب خالٍ، حاملا في يدي اليمنى قفلا، وفي يدي اليسرى أملا كبيرا. لكن سرعان ما خاب أملي حينما هالني الكم الهائل من الأقفال المتنوعة في الأحجام والأشكال والألوان والمعلقة بأسواره، والمُدون عليها أسماء عشاقها بكل اللغات.

من كل حدب وصوب جاءوا مُعلقين حبهم على سور جسرٍ في باريس، مطمئنين أن عُمر حبهم سيطول طالما ظلت أقفال قلوبهم معلقة به، وبقيت مفاتيحها راقدة في قاع نهره الخالد.

تجولت بعيني في الأقفال أتأملها، باحثا عن متسع لقفلي بينها، وحين يئست في إيجاد مكانا له، قررت النزول لأسفل الجسر والجلوس على مقعد بمواجه شط نهر السين، لأتأمل حال قلبي البائس على صفحات نهر الحب.

على الطرف الآخر للمقعد ذاته، كانت تجلس فتاة ملامحها شرق أوسطية، بيأس كانت تعبث يداها بقفل كبير، فبادرت بسؤالها بالإنجليزية:

"الم تجدي لقفلك مكانا، مثلي؟"

ردت بالعربية: "نعم".

ضحِكت وقلت لها: "يبدو أن الجسر ضاق على قفلينا".

قالت بلكنة فلسطينية: "بعد قليل سأصعد ثانية، حتما سأجد مكانا".

قلت لها: "أأنتِ فلسطينية؟"

قالت: "نعم"، ومدت يدها بقفلها الكبير، تُريني هويتها. خريطة وطنها مرسومة بوضوح على أحد وجهي القفل، وكلمتي "غزة تقاوم" بالعربية والإنجليزية على الوجه الأخر.

قلت لها وأنا أرد لها برفق هويتها: "ظننت قفلك يحمل اسمك واسم حبيب لكِ مثلا".

بابتسامة صغيرة ردت: "لا نملك نحن الفلسطينيون رفاهية الحب مثل العالم".

خجلت مما قالته، ولم أُريها قفلي وبهدوء دسسته في جيبي.

وأضافت بعد صمت قصير: "حب الوطن أكبر كثيرا من مُجرد قفل، وأطول عمرا من حب البشر، ولكني أردته على الجسر مجرد رمز ليس إلا، لربما تقع أعين بعض زائريه ومتفحصي أقفاله على قفلي، فيتذكروا أن هناك مكانا ما في العالم يُعاني، لا يتمتع مواطنوه برفاهية الحب مثلهم، ولا الوقت الكافي ليفرحوا، فلا العروس يظل فستانها أبيض، ولا الوليد الجديد ينعم بوالدين كليهما حي، فالحب في وطننا دوما ما يحيا مبتورا، قصير العمر، وربما يموت في رحم أمه حتى قبل أن تلده فيموتا معا، لتزرع كل يوم عشرات شواهد القبور لشباب صغار وأطفال لم تهنأ الأرض بعد بحصادهم، ليدفنوا مبكرا مع أحلامهم، دون أن يخبروا مذاق ذاك الحب الذين يصنعون منه، في أعلى الجسر، أقفالا".

كمن تحدث نفسها، استطردت تقول: "أعلم أن ما أفعله الآن، لا يُقدّر بما يفعله أبناء وطني وتضحياتهم كل يوم، أنا هنا ادرس الفنون في مدينة نيس، ورغم أن العلم يُعد مجاهدة في سبيل الوطن أيضا، ولكنه لا يقارن بذاك الجهاد الذي تُقدم فيه دماءك وأولادك وأحباءك قربانا لوطنك المحتل، أتعلم؟ لقد فكرت كثيرا أن أعود لأحارب جنبا إلى جنب مع إخوتي الرجال، أن ادعمهم بيدي لا بفرشاتي، أن أُرضي شيئا ما بداخلي دوما ما يصرخ فيَّ ويتهمني بالتقصير، ولكن أبناء جاليتي في فرنسا دائما ما يحثوني على البقاء، يعلِّـقون آمالهم عليَّ، بأنني يوما ما سأجاهد بقضيتهم على جبهة أخرى، ربما في صالات الفنون، أجوب أنحاء العالم أجاهد بلوحاتي، اعرض قضيتنا، أخلد شهداءنا، وأعيد هوية مدننا التي سلبت منا ومن ذاكرة العالم".

تضاءلت قامتي كثيرا وهي تحدثني بحماسة عن قضيتها، أشعرتني بأنها الأكبر سنا رغم إنني أزيدها بعشر سنوات على الأقل. أي صنفٌ من صنوف البشر هي؟ وأي وطن هذا الذي يُلاحقك بقضاياه في غربتك ليل نهار؟ لربما يعود الاختلاف بيننا، لأنها تنتمي لوطنٍ محتل، ولأننا ولِدنا متحررين من الاستعمار فلم نخبّر مرارته في حلوقنا مثلها ومثل آبائنا وأجدادنا، فلم نملُك يوما العزيمة مثلهم، وظللنا نبحث طوال عُمرنا عن قضية ندافع عنها، فانشغلنا عن شقيقتنا المحتلة بقضايا أخرى لم يكن لها قدر يذكر من الأهمية. وها أنا اليوم أجلس على ذات المقعد مع فتاة في مقتبل العمر لا هم لها سوى وطنها، وأنا لا هم لي سوى البحث عن حب فتاة تشاركني حياتي الفارغة.

بعد قليل، صعدّت معها على الجسر، وقد توزع كل منا في جهة ليبحث لقفل غزة عن مكان، تفحصت الأقفال بشكل أكثر دقة هذه المرة، وجدت أقفالا كثيرة لعشاق عرب، وأقفالا عديدة لمواطني ذات الدولة المحتلة. ذهبت لها عارضا فكرة أن نُحطم قفلا منها، ونعلق قفل غزة مكانه، ولكنها أبت قائلة إنها ما جاءت هنا لتحطم أقفالا لآخرين في سبيل قضيتها.

بعد قليل، أشارت لي بالقدوم، فقد وجدت ضالتها خلف دائرة كبيرة من زحام الزائرين، فكان الزوار يحرصون على التقاط الصور مع قفل كبير عليه علم بريطانيا، وحينما حاولت التقاط حروف أسماء عاشقيه، كان لكيت ميدلتون وزوجها الأمير ويليام، زرعاه على الجسر وقت زيارتهم لباريس منذ عامين، وقد شُغل كل سنتيمتر بأقفال اصغر حول قفلهما، يأمل عشاقها بأن تنعم أقفالهم بمجاورة قفل الأميرين العاشقين تبركا بحبهما.

بعينين لامعتين نظرت لها باسما دون أن نتبادل الحديث، فقد فهمت ما قصدته على الفور بل وأيدت بابتسامتي ما تنوي فعله. انتظرنا مغيب الشمس وقد خفت أقدام زوار الجسر، وبسرعة أخرجت من حقيبتها قفل غزة الكبير وعلقناه بقفل وريث عرش بريطانيا وحبيبته، ما كان وطنها ليعاني لو لم يكن ضحية وعد بلدهما لليهود [وعد بلفور]. ومشينا مبتعدين عن الجسر.

قبل أن نفترق، قلت لها متخوفا: "لربما يقومون بنزعه"، فقالت بثقة: "لا تقلق، كلما سنحت لي فرصة لزيارة باريس سأزرع بقفل الأمير قفلا غيره"، وفتحت لي حقيبتها لتريني كم الأقفال التي تحملها، ثم عقبت باسمة:

"إذا مررّت بأي جسر في طريقك ستجد قفلا لغزة معلقا به، ليست بريطانيا وحدها التي تتحمل جريرة ما يحدث في فلسطين، إنه الغرب والعالم كله مذنبٌ بحقها، وذنب شهدائها وسكانها معلق بهم إلى يوم يبعثون".

ثم صافحتني قائلة: "نسيت أن أعرفك باسمي، أنـا نضال، سررت بلقائك".

مبتسما صافحتها: "وأنا زياد، أقيم بلندن، سررت بلقائك أكثر".

وكمن تذكرت شيئا، عبثت بمحتويات حقيبتها ثم أخرجت مفتاحا ومنحته لي قائلة: "هذا مفتاح قفل غزة بجسر الفنون آو العشاق كما يدعون، أُخالف عادات العشاق تلك، ولا ارمي بمفاتيح أقفالي في الأنهار، أرجو أن تقبله كتذكار و تحافظ عليه".

بامتنان تسلمّت مفتاحها، وقد أسعدني كثيرا. ربما أكثر مما تعتقد هي، وحتى لا يضيع، علقت المفتاح بقفلي الخالي، آملا أن تنتقل عدوى حب نضال لوطنها إلى قفلي التعيس، فأجد حُبا حقيقيا يُعمر قلبي مثل حبها لوطنها العزيز.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3099447

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC