فراس حج محمد - فلسطين

الحروف عندما تخون

فراس حج محمد

الحروف عندما تخون
ملامح من أدب إلكتروني جديد:

يعد موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) من أكثر مواقع التواصل الاجتماعي شهرة، على الأقل في العالم العربي، وخصوصا بعد ما أحدثه من أثر في الانتفاضات الشعبية المباركة ضد القهر والاستبداد والديكتاتورية في بلاد العرب والمسلمين، وقد أفاد منه كثير من المثقفين والكتاب، وحتى الاقتصاديون والتجار، فقد غدت الإعلانات تطرز جوانب صفحاته، والإقبال على الإعلان في هذا الموقع دليل رواجه والانتفاع به تجاريا، وما يعنيني هنا الالتفات إلى تلك الشذرات الأدبية التي يكتبها الأصدقاء على حوائطهم، وهذه الكتابات في المجمل إما أن تكون أخبارا قصيرة، أو تحيات ومجاملات، أو نتف شعرية، أو جمل نثرية، قد لا تتعدى السطر الواحد، وقد تصل إلى حد لا يزيد في أحسن الأحوال عن (10) أسطر.

وفيما يأتي نصان مكتوبان على حائطين من حوائط بعض الأصدقاء، يحملان بعضا من ملامح أدب إلكتروني جديد، وأحد النصين أقصوصة قصيرة، والآخر خاطرة، جملة لا تتعدى بعض سطر، أعرض أولا النصين كما هما، دون أدنى تدخل، ومن ثم أقدم بعض الملحوظات النقدية، لأتوقف أخيرا عند بعض من ملامح تلك الكتابات، وينبغي الإشارة إلى أنني اخترت نصين نثريين، أرى أنهما يعكسان في المجمل وبنسبة معقولة ما يكتب على حوائط كثير من الأعضاء، أما الشذرات الشعرية القصيرة فهي في الأغلب منقولة، يُستشهَد بها من أجل التمثّل، أو أنها أشعار كتبت سابقا، وتوظف من أجل الدلالة على حالة الشخص صاحب المقطوعة الشعرية.

النص الأول:

<< تتقافزُ شقاوةٌ متلعثمة فوق أهدابِه في كل مرة يراها فيها... ثورةٌ من الدفء والحذرِ تغزو فضاءات روحِه... يُطبقُ عينيه شوقا ويغيبُ خلفَ ضحكتِها... يَودُّ أن يسكنها بين حناياه دهرا... يحاولُ أن يبوحَ لها بكلماتٍ تكاد تشتعل بين جوانحه ... ينظرُ حولَه...يتراجع...بل يكتفي بلعبتِه المفضلة... لعبةِ الشقاوةِ المتلعثمةِ فوقَ أهدابِه...
فهو بات يتقنُها وهي باتت تفهمُها.. >>

النص الثاني:

<< قلبي ليس حذاءا لرجل تائه في طريق وعر .. >>

مقاربة نقدية:

لقد بدا الخلل واضحا في تركيب عبارات النص الأول، ويَبينُ هذا في مرجع الضمائر (ه/ها)، فليس لها ما تعود إليه، وهذا الأمر تنبه له النحاة قديما وأدرجوه ضمن الأخطاء في تركيب الجملة، إذ لا بد من وجود اسم يتطابق والضمير، سبق الضمير ليعود الضمير إليه، ولم يستثن النحاة من ذلك سوى مواضع خاصة ذكرها ابن هشام في كتابه شرح شذور الذهب، وهذا الموطن لا يندرج تحت أي موضع من تلك المواضع، أما النص الثاني فهو مسبوك جيدا، ولعل قصر النص ساعد على هذا.

وأما التصوير أو التعبير عن المعاني، ففي العبارة الأولى يبدو أن الألفاظ خانت صاحبها في التعبير عن المعنى المقصود؛ فكيف تتقافز الشقاوة فوق الأهداب، تخيلوا معي المشهد، فسوف تدور عينا ذلك الناظر كالذي يغشى عليه من الموت، وتصبح حركات عينيه حركات لا إرادية، تشبه حركة عيني الكفيف.

كما أن النص الأول يعاني من تناقض في تركيبه؛ فواضح في عبارة ثورة من الدفء، فكيف تكون ثورة وهي دفء، والدف أصلا رمز للشعور بالأمان، وهذا بطبيعة الحال ليس قصورا في الفهم، ولكنه قصور في العبارة النثرية إلى حد الفقر المدقع في المعنى.

أما النص الثاني فقد تردت الألفاظ في حمل المعنى المراد فقد وصفت الكاتبة قلبها بالحذاء، وأصبح للعبارة مفهوم آخر تستدعيه، وهو رضا الكاتبة بأن يكون قلبها لرجل غير تائه في طريق سهل؟ فهل تقبل بهذا؟ أظن الكاتبة خلال حواري معها حول هذا المعنى لم تكن تقصد ذلك،
وأخذت تفسر العبارة على غير وجه تستوعبه العبارة نفسها.

وعليه فعلى الكتاب أن يعلموا أن وسائل إخراج المعنى متعددة، فليتخيروا ألفاظا لا تحتاج إلى دفاع عن مضمونها، وهذا لا يعني عدم انفتاح العبارة _أي عبارة_ على دلالات إشراقية متعددة، وهذا غير ذاك.

وعلى صعيد اللغة المستخدمة في سبك النص الأول وصياغته فإنها تعاني أيضا من ترسبات اصطلاحية قديمة تراثية، فقد وظفت الكاتبة مصطلح الغزو في النص الأول، وهو مصطلح تراثي حربي غير رومانسي إطلاقا، على الرغم من أن الكاتبة تحاول اجتراح الرومانسية لكنها تفشل في اصطناعها، وهذا يكشف عن نفسية تعاني من خلل ما، تأتي الحروف بمعانيها لتكشف سر صاحبها لتخونه.

عدا أن هذا يكشف عن لغة الكاتبة نفسها فهي من مخلفات اللاوعي في النضح من خزان اللغة المحفوظة، والتي تعطي مؤشرا على أن اللغة ليست حية، بل تسير في قوالب جامدة ومعلبة، وأما بقية الأقصوصة فكلام غير مدهش ولا جديد فيه، والخاتمة تعود إلى المربع الأول لتتلعثم كما تتلعثم الشقاوة على أهداب المجهول، ولا تختلف كثيرا لغة النص الثاني عن لغة النص الأول في عدم الإدهاش، مع أنه لا يشكل سطرا كاملا، إلا أنه يتميز بملمح لغوي جميل ألا وهو التكثيف في العبارة لتدل على صورة ما، قد لا نتفق على جماليتها، لكنها ترسم مشهدا بائسا لرجل يشقى بأنانيته، ويحاول أن يشقي معه الغير.

ومن باب آخر، يلاحظ العبث في توظيف علامات الترقيم، فقد ألغت كاتبة النص الأول الفاصلة والنقطة وغيرها من علامات الترقيم، لتكتفيَ بنثر مجموعة من النقاط المتراصة لتفصل بين تلك العبارات التي يتكون منها النص، وكذلك فعلت صاحبة النص الثاني، فقد أنهت الخاطر بعلاماتي وقف نقطتين متتاليتين (..)، وهذا ابتعاد وعدم اكتراث أصلا بأساسيات الترقيم في الكتابة العربية، وكأن من يكتب على حائط (الفيسبوك) معفيّ من الترقيم وعلاماته، أيعني ذلك أن أحدهم لا يريد إشارات وعلامات، ولكنه يريد أن يظل عائما في فضاء هذا العالم الإلكتروني غير المحدود؟

وأشير كذلك إلى عدم الدقة أحيانا في التقيد في الرسم الإملائي الصحيح، وهذا ما وقعت فيه صاحبة النص الثاني، فقد كتبت تنوين النصب في كلمة (حذاءا) على الألف، وليس فوق الهمزة هـكذا (حذاءً)، وهذا قد يدل على جهل بالقاعدة الإملائية، أو عدم اكتراث بها.

من كل ما تقدم تظهر ملامح تلك الكتابة الإلكترونية على حوائط أصدقائكم، وألخصها فيما يأتي:

عدم التزام بالقاعدة الإملائية والنحوية، والعبارات غير واضحة المعنى، بل يبحث الكاتب عن الإدهاش فقط، ولكنه لا يوفق في أغلب الأحيان، والأمثلة أكثر من أن تحصى في هذين النصين وفي غيرهما، وكذلك لا يرجو الكاتب أن يبلور لنفسه صورة يعرف بها، فقط يكتفي بأن ينثر ما عنَّ في خاطره دون أن يمحص أو يدقق، فهناك العديد من الكتاب يكتبون على عجل باستخدام الهاتف النقال، وهو مستقل لسيارة خلال سفر طويل، أو هو منتظر في محطة الحافلات أو غيرها من المواقف التي تقتضي الانتظار. فليس معنيا بالجودة الفنية للعبارة، أو يأخذ على يد قلمه ويرحم الحروف ويحترم الألفاظ ودلالاتها، فالكاتب إذا خان حروفه وألفاظه وخرجت معانيه عن السيطرة، فخيانة الحروف له شيء متوقع.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3203787

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC