غانية الوناس - الجزائر

دورة قلب ونصوص أخرى

غانية الوناس: كاتبة جزائريةحلم

يوما ما سأسافر إلى كلّ المدن الممنوعة، سأبني بيتا في حيفا، سأخيّم في النّاصرة، وكلّ يوم صباحا سأصطاد سمكا في عكّا، ستزورني الطيّور والعصافير، وتحطّ على شرفتي ألوان الفراشات، سأسمّي أطفالي بأسماء الشّهداء.

ذنب الكتابة

في داخلي آلاف الحروف تنتحب، أريد أن أكتب حتّى لا أختنق، تعذّبني الجمل الموءودة بين سطر وسطر، فهل محكوم علينا بإعدام الصمت؟

مذبوحة كلماتي، جريحة تعابيري، لغتي الفصيحة صارت تتلوّى، كلّما نبت حرف تتأذّى أكثر، فهل نمارس الكتابة حربا على الصّمت؟ أم أنّ الصّمت في زماننا هذا حفظ ماء لما تبقّى من شرف؟

قلب أخضر

ها أنا ذا قبل أن أحزم أمتعة أحلامي، وأغادر إلى حيث مقدّر لي المضيّ، ألتفت ورائي لحظة ليس لألومك ولا لأعتب عليك، فقط سألتفت لأبتسم في وجهك كما فعلت دائما، ولأسألك الابتسام أنت أيضا، فرغم النّهايات الحزينة كلّ مرّة، كان بيننا شيء جميل لن يموت أبدا، ولدت كبيرا في قلبي وستبقى كبيرا دائما، أما أنا فأبقني فراشة صغيرة في قلبك، تشرق شمسا على حقل أخضر، سيبقى أخضر رغم أنّ أحدا لن يزوره مطلقا، لكنّه سيبقى أخضر كقلبي وقلبك.

تلاقي الأرواح

عظم في نفسي كثيرا أن تكون خاصا بي، أن يكون هناك شيء ما يجمعنا، كتاب محبّب، كاتب مفضّل، موسيقى تعجبنا، لوحة على شهرتها نجدها سخيفة جدا، حلم مشترك، وعد بكثير من الوفاء، وشيء صغير ينبض ها هنا ما بين القلب والرّوح وما يحتويه الكيّان كلّه.

شيء يسمّونه الحبّ، ولا أسمّيه شيئا سوى "تلاقي الأرواح".

لست صديقي

لو كنت صديقي لكنت في كلّ صباح أعددت لك فطورك، وكنت قرأت عنك أخبار الصحف حتّى لا تؤذيك، لكنت جلست في حديقة ما بدلا عنك، أطالع كتابا لم تحبّه، وزرت قريبا قاطعته منذ مدّة، وأرسلت رسالة إلى غريب مرّ صدفة بحياتك، وفي آخر الليل كنت قمت الليل أدعو له ولك. لكنّك لست صديقي، أنت لست صديقي.

فرح مبتور

تجهزت للفرح هذه الليلة، كل ما في نفسي به شوق لصوته، كأني سأسمعه لأول مرة، ارتجفت يدي وهي تمسك بالهاتف، هفت روحي تلقاه بالشوق الذي استوطن في داخلي عمرا، كأني طفلة غدوت، اجتاحتني طفولتي وتمردي ومراهقتي، ها أنا أنتظره كأني خلقت لأجلس أبدا هناك حيث كرسي الانتظار، هاتفي ظل أصم، لم يرن، لم يأت صوته السحري الذي يسكن الكواكب البعيدة، ارتجفت يدي وهي تحاول أن تمنحني الأمل، غافلتني دمعة انسابت لتشاركني حزن وسادتي، في هذا المساء الفارغ من كل شيء، في هذا الليل المدرج بالحنين، توضأت بالدمع، دعوت الله ألا أبكي، أنكرتني دموعي، احترقت بها أشواقي، كيف نسيت أن الفرح ليس من حق الجميع؟ وغبت لا أدري إلى أين؟

فصل عن الخّيبة والخذلان

أشغّل أغنيّة "إنت عمري"، وأهوي معها إلى جحيم أوقده كلّ مساء، كلّ شيء حولي يحيلني زهرة ذابلة تخشى المطر، فراشة على وشك الاحتراق، تهزمني الموسيقى لأن فيها شيئا ما من صوتك، وأنا كلّما اشتقت إلى صوتك أتناوله مع موسيقى تبترني نصفين.

آه يا وجعي المعلّق بين صدري وحلقي، كم من خيبة لازمتني منك؟ كم جرحا على يديك لا زال نازفا، والموت في هواك قرباني للحياة؟

تسكت أمّ كلثوم، كأنّها تسمع نحيبي، موسيقاها تجلدني مع الذّكرى، أنت عمري، وجعي، وانكساري، هزيمتي التي لم أنهض منها بعد.

أنت يا أنت، خيبتي فيك كلّ حين تتجدّد.

دورة قلب

والقلب حين يتعب ينفض عنه غبار الخيبات، هو لا ينسى فقط ،يستكين للذّكرى، سيصمت كثيرا قبل أن يقرر أخيرا الكلام، سيرتجف إذا عاوده الحنين فجأة، ستختنق الدّموع فيه مرات ومرّات، سيزحف الشّوق إليه كلّ ليلة متسللا من تحت فراشه، يدعوه ألاّ ينام ولن ينام.

سيطرق سمعه لكلّ صوت يشبه صوت الذّكرى، ستلتقط حواسه كلّ عطر يعرفه، سيلاحق طيف الراحلين في كلّ الوجوه، سيركض ويتعب وهو يركض باحثا عن خيالاتهم، سيبتسم دون سبب، ويضحك دون سبب، ويبكي كلّما عاوده ألم الفقد، سينهار يوما وينكسر، لكنّه سيعتاد.

سيعتاد ويعتاد، وفي نهاية الأمر سيشفى.

ذاكرة ونصف

كان الوقت يمضي سريعا، سريعا جدا، وأنا كنت أتفقّد ذاكرتي: عمت مساءا يا وجعي الخفيّ، كيف مساؤك الثقيل يمر عليك كأنّه دهر؟ كيف نهارك صار مقصلة للنّور كيفما اتجهت؟

كيف أنت؟

كيف النّسيان فيك مغادر لا يأتي؟ أما زارك بعد؟ ألم يقرّر بعد كسر ساعته الرّملية المملّة، ليأتيك بكامل أناقة الحضور؟

تضحك ملء صوتها، تخنقها الدّموع، تمدّ يدا مرتجفة إلى النّور، تتسلّل ابتسامة حزينة، يغادرها صوت أنين حارق لتقول لي:

"اجلسي ها هنا نتسامر هذا المساء، استريحي فالرّاحلون أبدا لا يعودون".

خوف آخر

"أيخيفك ألا تعرف طريقك في الحياة؟"

"يخيفني أن أعجز ذات يوم، أن أكون إنسانا".

درس قاس

علّمني أن أقسو قليلا.

أنا من طين يحنو على البشر إذا ما بردوا.

وقفة

هناك في لحظة ما، حين نجرّب الالتفات إلى الوراء، نجد أننا في كثير مما كنا نفعله لم نكن تماما كما أردنا، أو ربّما لم يكن بوسعنا فعل شيء غير ذلك، ربّما لجهلنا بالحياة، أو ربّما لغبائنا، أو أيا كان السبب.

نتعلم من كلّ ما يحدث معنا، ذلك هو الشيء الوحيد الذي يكون لنا عزاء في كلّ ما يحدث لنا، ولولا ذلك لقتلنا الندم في كثير مما اقترفناه بأيدينا، وقلوبنا ومشاعرنا.

أحيانا حين نتمادي في شيء ما، نصبح غير قادرين على التوقف لحظة لمصارحة أنفسنا، أو حتى على الأقلّ للوقوف على ما وصلنا إليه، ما كنا عليه وما آلت إليه أحوالنا.

الحياة غريبة جدا، هكذا يخيّل إليّ لكنّها ليست بالتعقيد الذي نصنعه نحن بأنفسنا، لذلك حين نريد شيئا، علينا أن نعرف ونعي جيّدا أن كلّ شيء له ثمن، والتعب والجهد وكل ما نفعله لبلوغ شيء ما نريده يكون عادة هو الثمن، المهم دائما ألاّ يكون الثمن هو أنفسنا وما آمنا به طوال حياتنا.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3201865

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC