هدى الكناني - العراق

مسبحة أمي

مسبحة أمي

كورت أمي حبات مسبحتها من صبر معجون بدموعها وأسكنت كل حبة دعاء ختم بترتيل ملائكي وعبقتها بطيب خشوعها. أمي دمعة منذ الأزل، حين رحلت؛ أورثتني كل جيناتها.

عباءة وأمنية

كانت عباءة أمي قبة لسماء أحلامي، وطني، يقيني ودفء حياتي؛ ما أن ألوذ بها مثقلة بسنواتي الثلاثين، تتلاشى وتتطاير سنوات عمري كفراشات، فتصير عشرا، فأنير قناديل أمنياتي وأصنع من ضفائري أرجوحة أطارد بها أحلامي.

أتراك حين غادرتني، تلفعت بعباءتك وأطفأت قناديل الأماني؟ فإذا بالسنوات تتسارع خببا نحو شيخوخة وذكريات، أبحث عن ضفائري، مرجوحتي لتأخذني إلى حيث الفرح والصبا، فلا أجد سوى تناسل وتكاثر لخيباتي، فاستسلم وأضع أكليل زهور على شاهد قبر أمنياتي.

أنوار متكسرة

أينما حللت تبهر وتربك الناس بأنوار تشع من حولي ملونة بابتسامتي. ما دروا أنها انكسار الضوء على مرآة روحي المتشظية حزنا، لإخفاقاتي.

فلنختبئ

هلم بنا نختبئ في تفاصيل أحلامنا، علنا نضيع في لا زمان، لا مكان، أو خلف نجمة تتغنج سابحة في ضياء القمر، لكن إن أفلت النجمة، أتراه سينكشف عن مخبأنا الستر؟ دعنا إذا نغوص في أعماق غيمة تسبح بضياع في بحر السموات، لكنني أخشى إن تخلت عن قطيراتها، سنتبعثر. إذا، دعنا نغفو في أحضان بعضنا علّ القدر يغض عنا وقصتنا النظر.

سهمك الأحمق

ليت حاضري، المنتحر هدوءا ما التقى بمستقبل ضاج، كبكاء طفل. ليت يومي القانع ما التقى بمستقبل طامع يأمل بمزيد من الفرح. ليتك ما غزلت من أهدابك شباكا، اصطادت يقيني وتركته بحيرته متخبطا يتعثر. ليت يوما ظفرت عيناي مرآك، شطب من تقويم سنيني وما تغضن قلبي وجعا.

ليتني تراجعت وما عبرت ذلك الخط الفاصل بين ماض سكنني جماله بحاضر أجبرت على أن أحياه ومستقبل أسدلت عليه غلالات ضباب، جعلت غدي، مبهم الملامح. ليتني تعثرت وكبوت وما أصابني ذلك السهم الأحمق ليغرقني في تفاصيل وجهك الأسمر. ليتني لذت بكبوتي وهربت من فرح ما دام إلا سويعات عشتها في غفلة من الزمان. ليتني ما أطلقت حمائم عتقي المحبوسات لتصاب بسهمك الذي أوقد جمرات قلب برماد القناعة قد تدثر.

ليت السماء ما شابت غيوما حملت بجرابها أمطارا، أحالت جزر حياتي إلى طوفان. ليت لي عمران فأعيش أحدهما برتابة، قناعة وملل، وأكرس الآخر لحبك الطائش المجنون المتهور بلا ندم.

شهيد واعد

تستمع الصبية ذات العقد والنصف من العمر دامعة العينين إلى شاب وهو يخاطبها بحنان أخ أكبر: "يا صغيرتي إن الحياة في بلادنا مكممة حتى ليخيل إلي أن أيادي تخرج من أسفلت الشوارع ومن الطرقات كافة، تقيد خطواتنا بسلاسل غير مرئية، أكاد أختنق هما وأنا أرى عيونا تثقب حتى الجدران لتعد علينا أنفاسنا، يا عزيزتي ما عدت احتمل ولن أكون كأخيك وصديقي الحبيب الذي اقتادوه من بيننا إلى ذاك الطريق الذي لا رجعة منه، أتدرين كم أحسست بالعجز والهزيمة؟ كأن رجولتي ونخوتي قد نحرت برحيله".

ينظر إلى عينيها وكأنه يرى عيني صديقه الذي غادر وما رجع ومن خلال دموعها التي تأبى أن تنهمل تذكر وجه صديقه الحبيب رعد وكيف اقتاده زبانية النظام إلى المجهول وهو عاجز عن فعل شيء وكيف همس له "محمد أوصيك بصغيرتي أختي".

ويتذكر تلك الحفلة التي أقامتها زميلتهم في العمل بمناسبة تخرج أخيها من الجامعة. لو كانت تدري أن حفلتها ستكون حفلة توديع وتأبين لشهيدين واعدين؟

رعد وسيم تفوح منه رجولة بطيب الأرض وعطائها. لطالما كانت صورته آخر ما تذيل بها الصبايا أحلامهن الوردية، ونوم طوله الفارع على مدن أحلامهن وتصورهن له كعريس لهن.

ومحمد كان قصير القامة بضحكته التي تتلألأ في عينيه قبل شفتيه. أما ليلاه، أمل فلقد كانت فارعة الطول كإحدى عارضات الأزياء.

وأغنية رعد ذي الصوت الشجي من الفولكلور العراقي: "الأمل لو طال، الأمل أكبر مرض بي". وكان يضع اليد اليمنى على اليسرى وقد أفرد أصابعه بحيث تكون خنصر اليد اليمنى على إبهام اليسرى، ليشاكس محمد ويبين فرق الطول بينهما، فينفجران ضحكا، حتى يختنقان سعادة، كانت آخر عهدهما بها.

وارتحلا واحدا تلو الآخر. ما أراد محمد شيئا، إلا أن يشتري حريته ويغادر البلاد، فاشتراها غاليا بشبابه وحياته. برحيلهما غادرت الضحكات ووئد الفرح وودعت الأمنيات.

الأمل لو طال الأمل اكبر مرض بي

نعم إن طال الأمل، أصبح مرض عضالا. طال انتظارنا للأمل حتى مللنا انتظاره وتلاشى على أبواب زمان أرتحل عنه الحبيب، الأخ وكل عزيز ووسدنا أحلامنا مدافن الذاكرة وكتبنا على شواهد قبورها: هنا ترقد أجمل الأيام، هنا تغفو قلوب احتضنت أقمار أمنياتها الآفلة وزهورا يوما ما، رفعتها أشجار النخيل على أكتافها عاليا، هنا حيث أطفأت النجوم سرجها ورقدت كجمرات ذابلات في حضن موقد.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3096091

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC