لما أنيس البزور (*) - الأردن

عناصر الزخرفة في التراث الشعبي...

الصور الجمالية للعناصر الزخرفية في التراث الشعبي الأردني والفلسطيني

لما البزورتِقانة الغزل والنسيج

مارست نساء البدو هذه الحرفة واستخدمن تقنيات وتصاميم تقليدية استمرت سنين. ومن الأمثلة على ذلك مدينة مادبا التي اشتهرت بنسيج البسط الشعبية (الخولي، 2016). لم تعد صناعة النسيج تستخدم كوسيلة نفعية فقط لأغراض الحياة المختلفة مثل الملابس المنسوجة بأنواعها والسجاد وكثير من قطع الأثاث، بل تستخدم بشكل نفعي وجمالي بأسلوب جديد معاصر، كأخذ مقاطع من أشكال البسط وتجميعها على أقمشة جديدة متعددة الاستعمال (البزور، 2012).

إلاّ إن صناعة البسط بشكلها اليدوي، لا زالت قائمة بفضل المشاريع التنموية في الأردن، واستطاعت اختراق السوق العالمي، وصنعت بهدف الترويج السياحي للتراث الشعبي الأردني (الخولي، 2016).

ويعتبر البساط أكثر المنتجات أهمية بسبب استخداماته العديدة، كالمفارش والوسائد والحقائب وكذلك سروج الخيل والأبل. كما استُعمل البساط ذو الحجم الكبير مفرشا على الأرض للنوم والجلوس. أما البسط الصغيرة فكان يُغطى بها هودج[1] العروس، يوم زفافها.

وكانت هذه البسط متعددة الألوان والزخرفة. وتدخل في نسيجها الألياف الطبيعية الحيوانية من شعر الماعز أو وبر الجمال وزادت الألوان في جماليات تلك البسط، فاستخدمت الصبغات المختلفة ذات الأصول النباتية والحيوانية والمعدنية (الخولي، 2016).

الصورة الجمالية في البساط

تميزت ألوانها بالصفاء. على الرغم من قدم هذه البسط، إلاّ أنها لا زالت تحتفظ بصفاء ونقاء الألوان. كثر استخدام الأحمر القوي المشع بالحيوية للتعبير عن وضح النهار، أما في وسط الألوان الزاهية فيظهر الأسود ليعبر عن الظهور والسيادة.

كما استخدم الأبيض مع ألوان الأخضر والخمري والأحمر والكحلي كأشكال هندسية وخطوط. إن ظهور الأبيض وسط هذه الألوان والأشكال يبعث في النفس الصفاء والنقاء والطهر والفرح أيضا. ويوحي شروق اللون الأحمر بالدفء والسعادة. اللون الأخضر جاء متكاملا مع اللون الأحمر بأسلوب جمالي رائع، يذكرنا بالحيوية والاستمرارية كاخضرار العشب المتموج على أرض ترابية حمراء جميلة.

اتسمت أرضية البساط في التراث الشعبي الأردني والفلسطيني باللون الأحمر النقي المشبع المشع بالحيوية. وظهور الأسود يزداد جمالاً عند مجاورته للألوان النارية على شكل خطوط عرضية في أرضية البساط. وتميز نسيج البسط بالزخارف الهندسية والشعبية المستوحاة من البيئة المحلية.

كما استخدمت الخطوط المتوازية والطولية وتسمى "الأقلام"، والأشكال الهندسية مثل المربع، والمعين، والمثلث، ومتوازي الأضلاع. ونجد أحيانا مثلثات تلقي بزواياها مع بعضها البعض لتشكل معين صغير باللون الأخضر.
تظهر المثلثات المتشكلة للناظر للوهلة الأولى وكأنها رسم تجريدي لدلة القهوة التي كانت مستخدمة، حيث تُستحضر رائحة القهوة ودفء المكان مع التناغم الحركي للنار الموقدة تحت الدلة وأصوات جذوع الأشجار المشتعلة.

أما شكل المثلثين أعلى وأسفل البساط فيُرى فيه تحويراً للشكل البسيط للصحن النحاسي أو الفخار أو حتى فنجان القهوة.

لو نظرنا إلى هذه الأشكال وطريقة تكوينها لوجدنا أنها خير مثال على الحركات الفنية الحديثة. ويستحضرنا أسماء وأعمال فنانين عند مشاهدة البسط وكيفية نسجها. حركة المربعات والخطوط تجعلنا نرى الفنان الروسي كازيمير ماليفتش Kazimir Malevich مثلا وطريقة رسمه لأشكال الخطوط التي كان يرسمها. وتارة أخرى نرى مكعبات الفنان الفرنسي فيكتور فاساريلي Victor Vasarely.

تِقانة النحاس

دخلت المصنوعات النحاسية منذ القدم في شكل أواني المأكل والمشرب والمباخر. والمبخرة بأشكالها المختلفة وزخارفها المثقوبة من المصنوعات النحاسية المنتشرة في الضفتين الشرقية والغربية لنهر الأردن، لأهمية البخور والرائحة الطيبة في المنازل والمساجد والكنائس.

أما الدّلة فهي من أساسيات المنتجات النحاسية، وظهرت بأشكال وأحجام ووظائف نفعية جمالية مختلفة. يوجد إناء آخر يشبه الدلة وهو البكرج، وهو مخروطي الشكل قاعدته إلى أسفل وغطاؤه محدب، وله مصب يشبه مصب الدلة ولكنه أقصر. أما اليد فهي عبارة عن أسطوانة طويلة تثبت من الجانب وتتعامد معه.

من المصنوعات النحاسية الأخرى الأجراس الصغيرة واستخدمها البدو بكثرة، فهي تعلق في رقاب الماشية أو الخراف والماعز، وكانت مثلثة أو كروية الشكل (الحمزة 1997).

الصورة الجمالية للدلّة والأجراس النحاسية

عند التأمل في البُنية الشكلية لكامل الدّلة، بدءاً بالغطاء دائري التكوين يعلوه تصميم أسطواني عمودي في نهاية تشكيله من الأعلى يشبه الجرار الفخارية. لو أمعنا النظر في هذا المقطع، لوجدنا فيه خير مثال لمآذن المساجد وأبراج الكنائس الجميلة. أما يد الدلّة فهي مثنية للأسفل بشكل عمودي مقوس قليلاً ليلتصق بأسفل تكوينها.

أما الدلّة ذاتها فهي مخصّرة في الوسط، والجزء الأعلى أصغر بقليل من الجزء الأسفل. ومن الناحية الجمالية، نجدها تشبه الجسد الأنثوي وكأنها تضع يدها على خصرها وعلى رأسها جرة ماء. أما المصب فيكون أعلى من اليد في الجهة الأخرى. وغالبا ما توضع الدلّة مملوءة بالماء عند موقد النار لتبقى ساخنة.

الأجراس الصغيرة

من الواضح أن الهدف من وجودها هو الصوت الرنان واللحن الجميل. لصوت الخراف لحن جميل، حيث يُسمع، فعند مرور قطيع الخراف نسمع ثُغاء قريب من أول القطيع، وما أن ينتهي الصوت نسمع غيره من آخر القطيع، ثم يُسمع ثُغاء خروفين أو أكثر بنفس الوقت بإيقاعات تبادلية مع صوت الأجراس التي كلما تحركت الماشية أصدرت صوتاً. وفي زحمة تلك التأثيرات يُسمع ثُغاء متقطع لحمل صغير. يرسم الصوت صورة فطرية رائعة متحركة. ناهيك عن حركة يد الراعي ذي العصا الطويلة وهو يهُش بها على خِرافه أو الغنم مغيّرا في الإيقاعات دون أن يدري.

قنينة رمال ملونةالصورة الجمالية في زجاجات الرمل

كثرت رؤيتنا للزجاجات المملوءة بالرمل الملون بمشاهد فنية رائعة التكوين. المعتاد تشكيلها كالجبال والجمال. أي طغى حضور المشهد الصحراوي عليها. عندما نراقب الحرفي وهو يبدع تكوين العناصر في قاع الزجاجة بدءا باللون البني الفاتح مثلاً، مشكلا أرض الصحراء، ثم يبدأ برسم خطين عموديين أو أربعة مشكلا بذلك أقدام الجمل، وما أن ينتهي من تكوينه ينتقل إلى تشكيل رجل واقف عند الجمل أو راكب على ظهره. كذلك يعبر عن المشاهد الصحراوية بمجموعة لونية من الرمل الأصفر والبرتقالي والأحمر وصولا إلى رماديات وزرقة الغروب.

نرى جماليات الأشكال الهندسية والزخارف النباتية في التكرار والتنوع، كالمثلثات مثلاً. ينتج هذا التنوع أشكالا يمكن مقارنتها بزخارف البسط. فلو نظرنا لإحدى زجاجات الرمل ذات الأشكال الهندسية، تبدو وكأن بساطا بداخلها. عند بدء الرسم بالرمل من أسفل الزجاجة إلى أعلى كمشهد الصحراء وما فيها من العناصر الآدمية والحيوانية كذلك الطبيعة، يجعلنا نُبصر أو نستحضر تلك الأرض القاحلة التي لا شيء فيها، يبدأ على مهل بتشكيل جِبال وسماء وجِمال مع أشخاص.

بعظمة تلك المفردات تنتهي زجاجة الرمل الأردنية الشهيرة بسدادة من الجبس لتمنع حركة الرمل بالداخل ولتثبت المنظر الجميل.

فنجان قهوة سادة
فنجان قهوة سادة
دلة قهوة
دلة قهوة
قلاية لتحميص القهوة
قلاية لتحميص القهوة

اضغط/ي على الصورة لمشاهدتها بحجم أكبر

= = = =

(*) باحثة وفنانة تشكيلية

[1] كان الهودج يستعمل قديما لنقل النساء عند السفر ولنقل العروس لبيت زوجها. وكان يصنع من الأخشاب الرقيقة، سهلة التشكيل، تقوس على شكل يشبه القبة. ويكسى الهودج كله، أعلاه وجوانبه، بنسيج من صوف أو غيره. ويزين بالألوان والزخارف. ويبطن فلا يبرز من أخشابه سوى بعض أطرافه كمقابض من الخارج لحمله أو أنزاله. والهودج مظلة تقي من بداخلها كل العوامل الخارجية الطبيعية مثل البرد والحر.

المراجع

البزور، لما، أثر القضية الفلسطينية في تطور الأسلوب في تجربة الفنان عدنان يحيى. جامعة اليرموك، الأردن، 2012.

الحمزة، خالد، الأردن، التراث الشعبي التشكيلي في الأردن. جامعة اليرموك، الأردن، 1997.

الخولي، إيناس، دراسة شاملة للحالة الراهنة للتصميم في الأردن. الجزء الثالث. موسوعة التصميم في آسيا.2016.

العزيزي، روكس بن زائد، معلمة للتراث الأردني. وزارة الثقافة، عمّان، الأردن، 1982.

متحف التراث الأردني، كلية الآثار، جامعة اليرموك. زيارات ميدانية.2013.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3109514

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC