د. عمار مصطفاوي - الجزائر

مصادر وأهمية الشاهد النحوي

الشاهد النحوي مصادره وأهميته في الدرس النحوي العربي

أهمية الشاهد النحوي

يعد الاحتجاج بالشاهد النحوي من أبكر صور الدراسات اللغوية العربية وذلك لما له من أهمية في إبراز المعاني والدلالات المختلفة من جهة، وفي التأصيل للقواعد التي بنيت عليها العربية من جهة ثانية. وعندما نعود إلى كتب معاني القرآن الكريم مثلا فإننا نلاحظ أنها جمعت بين تحليل الآيات القرآنية تحليلا لغويا أولا، ثم ذكر ما تعلق بها من شواهد نحوية تعين على تطوير هذا التحليل.

وكذلك فإن كتب إعراب القرآن الكريم تعتبر فرعا من المعاني وذلك بتناولها بعض مقاصد المعاني، ويتضح من عناوينها أن أصحابها اهتموا كثيرا بالإعراب، وأن اعتناءهم بالشواهد النحوية يأتي في مقدم ذلك الاهتمام. على سبيل المثال، نلاحظ ذلك في "إعراب القرآن للزجاج".

وقبل ذك كله، فإننا إذا عدنا إلى كتاب سيبويه الذي يعتبر دستور النحو العربي، والذي جمع فيه أفكار أستاذه الخليل بن أحمد الفراهيدي واجتهاداته هو، فإننا نجده قد ضمنه من الشواهد القرآنية والشعرية والنثرية وبعضا من الأحاديث النبوية. وبلغ عدد الشواهد فيه 744 آية، وبلغ عدد الأبيات الشعرية 1500 بيت.

ومن هنا نلاحظ تقديم سيبويه للشعر العربي على القرآن الكريم في موضوع الاستدلال والاستشهاد ، وهو في ذلك يجاري مدرسة البصرة التي تعتمد في التأصيل للقواعد على الشعر العربي الجاهلي ثم الإسلامي أولا، ثم القرآن الكريم وبخاصة ما كان متوافقا مع الأقيسة التي وضعوها، وإلا فإنهم يعمدون إلى التأويل.

فأهمية الشاهد النحوي تعتبر جوهرية وأساسية في كل ما له علاقة بالدرس اللغوي والنحوي، وذلك إن على مستوى التفسير أو التعليل أو التحليل وإن على مستوى التأصيل للقاعد اللغوية والنحوية.

فما هو الشاهد النحوي؟

الشاهد النحوي هو الخبر القاطع الموثق، يستعمله اللغوي أو النحوي أو المفسر مرويا عن الناطق باللغة موضوع الدراسة ويكون في العربية أية قرآنية أو بيت شعر أو حديثا نبويا. وهو، أي الشاهد، قول عربي لقائل موثوق بعربيته يورد للاحتجاج والاستدلال به على قول أو رأي. وهو بذلك يختلف عن المثال الذي يأتي كدليل على القاعدة. أما المثال فهو "ما ستدل به على القاعدة النحوية من جملة أو تركيب أو كلمة: فقولهم مثلا: أعجبني زيد علمه أو حسنه أو كلامه مثال لبدل الاشتمال"[1].

فالشواهد إنما سيقت في الأصل لإثبات صحة القاعدة. وأما الأمثلة فيصوغها المصنف ليوضح بها القاعدة، وتعد بمثابة الجانب التطبيقي الإيضاحي للقاعدة، وليست دليلا على صحتها"[2].

ومن المفيد أن نشير إلى أن المثال يعتبر تمهيدا لتوضيح قاعدة ما، وأن الشاهد تأصيلي وتوكيدي. ثم إن الشاهد النحوي الذي ما زال معتمدا في معظم دراساتنا ومناهجنا الدراسية ينتمي في معظمه إلى العصور التي يحتج بكلام العرب فيها، والتي حددها كثير من القدامى، وبخاصة البصريين منهم، بالقرن الثاني الهجري بالنسبة للحضر، والقرن الرابع بالنسبة للبدو. واعتمد ذلك مجمع اللغة بالقاهرة.

والشواهد النحوية هي الأساس الذي يقوم عليه النحو العربي وأصوله، ويستوي فيها الشاذ القليل والكثير، وذلك تبعا لأوجه الخلاف في مسائل النحو وقضاياه بين المدارس المختلفة.

الشواهد النحوية أنواعها ومصادرها

أولا: القرآن الكريم

يعتبر القرآن الكريم أفصح الكلام العربي وأبينه على الإطلاق، وهو بذلك يعد في مقدمة أنواع الشواهد النحوية واللغوية العربية، وهو الذي تطمئن إليه النفوس والأخذ به في مجال الدرس النحوي على أساس أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وقد اختلف النحاة في موضوع الاستشهاد بيات القرآن الكريم وقراءاته، فالكوفيون مثلا يعتمدونه بشكل مطلق ويقدمونه على غيره من كلام العرب شعره ونثره، جاهليه، وإسلاميه. يقول الفراء: "إتباع المصحف إذا وجدت له وجها من كلام العرب وقراءة القراء أحب إلى من خلافه"[3]. ويقول أيضا: "إن لغة القرآن الكريم أفصح أساليب العربية على الإطلاق: وإن الكتاب أعرب وأقوى في الحجة من الشعر"[4].

وأما البصريون، الذين ولدت وتقررت في موطنهم الدراسات اللغوية عموما، فإنهم يتحفظون قليلا في الأخذ بالقرآن الكريم، وبخاصة في اعتماد القراءات التي طعنوا في بعضها، وأخضعوها لقواعد أقيستهم، فما وافق ذلك اعتمدوه وأخذوا به، وما خالفه طعنوا فيه ورفضوه، واعتبروه شاذا لا يقاس عليه. وقد عمدوا إلى تأويل ما لم يتوافق مع قواعدهم. وهم بذلك يقدمون القياس والقاعدة على نص القرآن الكريم.

نلاحظ على البصريين أنهم في بعض استشهاداتهم قد أخذوا بالأشعار المجهولة وقدموها على قراءة مشهورة. من ذلك أن المبرد ردد قراءة حمزة في قوله تعالى: " َاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ"[5]، حيث عطف على الضمير المخفوض دون إعادة الخافض الذي هو الباء فقال: "لا تحل القراءة بها"[6].

وقد قرأ بها ابن مسعود وابن عباس وقتادة. هذا لا يعني أن المبرد لم يستشهد بالقرآن الكريم كله، بل استدل بنحو500 شاهد قرآني، وكذلك فعل سيبويه من قبله. ويمكن تفسير بعض تصرفات البصريين بأن توجههم العام كان رفع مكانة القرآن الكريم والبعد به عن الجدل وأسبابه واحتراما له وتقديسا .

ثانيا: الحديث النبوي الشريف

يهتم النحاة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما كان قولا، لأن القول والاستشهاد به هو موضوع النحو ومرجع الأحكام والاستدلال به. واختلف أهل اللغة والنحو حول الشاهد من الحديث النبوي، بين مجيز ومنكر، فمن المجيزين جمهرة من الكوفيين وكثير من أهل المذهب المغاربي الأندلسي كابن خروف وابن مالك وغيرهما. ومن المنكرين، ابن الضائع وأبي حيان الأندلس وكذلك السيوطي. وهناك طرف وسط متحفظ يجيز من الحديث ما صح لفظه كما فعل أبو إسحاق الشاطبي، وبعض البصريين والكوفيين.

نلاحظ في موضوع الاستشهاد بالحديث أن المنكرين لاعتماده يتحججون بأن بعض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم رويت بالمعنى. يقول أبو حيان: "إنما ذكر العلماء ذلك لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ الرسول (ص) إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن الكريم في إثبات القواعد الكلية"[7].

غير انه يمكن الرد على هذا بأن الحديث النبوي تم تدوين معظمه قبل نهاية عصر الاحتجاج كما هو معروف. ثم إنهم قد احتجوا بأن معظم رواة الحديث أعاجم، وكذلك فإن معظم علماء اللغة أعاجم: سيبويه والكسائي والفراء وغيرهم كثير، ثم إن كثيرين احتجوا بمرويات حماد الراوية وكان وضاعا ولحانة. بالرغم من ذلك، فإن كثيرا من علماء اللغة والنحو قد استشهدوا بالحديث، من بينهم سيبويه والمبرد وابن الأنباري في إنصافه وحتى السيوطي الذي اعتمد أكثر من 155 حديثا.

ثالثا: الشاهد من الشعر

تعتبر الشواهد الشعرية أكثر عددا من غيرها، فالشعر "ديوان العرب وخزانه حكمتها ومستنبط آدابها ومستودع علوم"[8]، وبه "حفظت الأنساب وعرفت المآثر وتعلمت اللغة"[9]. والأشعار التي يحتج بها، جاهلية وإسلامية، فالأولى معتمده ومقدمة وغير محدودة بزمن. أما الثانية فقد اختلفوا في حدها الزمني تبعا لاختلاف المكان.

ونظرا لهذا الاختلاف والتباين في الحد الزماني لكلام العرب الذي يجوز الاستشهاد به، فقد اتخذ مجمع اللغة العربية في القاهرة قرارا مفاده أن العرب الذين يوثق بعربيتهم ويستشهد بكلامهم هم عرب الأمصار إلى نهاية القرن الثاني الهجري، وأهل البدو من جزيرة العرب إلى آخر القرن الرابع الهجري. وسبب التدقيق في الحد الزمني هو ظاهرة اللحن وتضارب المذاهب والاختلافات السياسية والمذهبية.

خاتمة

نلاحظ في تعاملتا مع لغتنا العربية أن هناك فجوة سحيقة بين العرب عموما ولغتهم وذلك باعتبار أن علاقتنا بهذه اللغة خارجية وبشكل مجرد في كثير من الأحيان، في حين وجب أن تكون اللغة حقيقة وعنصرا مكونا للشخصية، وعندها يكون ذوبان اللغة في الإنسان أمرا إيجابيا، مما يساعد على تطورها تبعا لتطور هذا الإنسان.

لم تعد اللغة عندنا وسيلة للخلق والإبداع والتماسك والانسجام الثقافي والاجتماعي وذلك نتيجة عدة عوامل، ويأتي في مقدمها على المستوى التعليمي على الأقل اعتمادها على الدرس التقليدي الذي يعتبر أساسا تبني عليه لا خطا أحمر لا يجوز تجاوزه.

ثم هناك التراكمات السياسية والاجتماعية التي أثرت سلبا على نمو وتطور اللغة العربية بدءا من عصور الانحطاط إلى يومنا هذا، حيث أدى كل ذلك في المحصلة إلى تدني مستوى التحصيل اللغوي الناتج عن عسر المادة اللغوية التي تتعامل معها، وذلك نتيجة الاختلافات بين المذاهب اللغوية والنحوية منذ وقت مبكر، كما هو الشأن بين الكوفة والبصرة، وكذلك بغداد والأندلس، الأمر الذي أدى إلى خلافات واضحة في مناهج الدراسة في وقتنا الحالي، إن على مستوى التأصيل أو على مستوى الشواهد التي تعتمد من أجل هذا التأصيل والتقعيد.

يضاف إلى ما سبق تدني المستوى التحصيلي الناتج عن تراكمات خلافية وغيرها. ونلاحظ على مستوى المشاعر النفسية تجاه اللغة العربية نوعا من العدائية من طرف بعض الذين هانت أنفسهم وانسلخوا عن جذورهم فكانت خصومتهم لكل ما له علاقة بالتراث العربي الإسلامي شديدة وفي مقدمة ذلك اللغة الحاملة والحافظة لهذا التراث.

لا ننكر أن الهوة اتسعت بين العربية وبين مستعمليها، ولكن مع ذلك وبشكل موضوعي يمكن القول إن العربية سهلة طيعة إلا على الغرباء الذين تعمدوا الاغتراب، وإن صعوبة التعلم قد تكون أحيانا عيبا في المتلقي لا في المادة المتلقاة. إن الشعور والإحساس بالانتماء الحضاري والاعتزاز بمقومات هذا الانتماء، وفي مقدمتها اللغة، يجعل كل عسير يسيرا وتتضاءل أمامه كل العقبات والصعاب.

إن أهمية الشاهد النحوي في العملية التعليمية كبيرة، وذلك ما يوفره لنا من أساس نبني عليه قواعدنا ونطور به لغتنا عن طريق الأقيسة المختلفة التي تعتد بها اللغة العربية.

لا عيب إذ نادى البعض بضرورة إعادة النظر في أمر الشاهد اللغوي والنحوي، ولنا أسوة حسنة في محاولات ابن مضاء القرطبي وأبي بكر الزبيدي الأشبيلي في الرد على النحاة، وفي الواضح وتجديد النحو لشوقي ضيف، وإحياء النحو لإبراهيم مصطفى، فهي محاولات سعت إلى العمل على تسيير النحو بشكل إيجابي خدمة للعربية وأهلها.

= = = = =

الهوامش

[1] محمد سمير اللبدي. معجم المصطلحات النحوية والصرفية. ص 119.

[2] محمد إبراهيم عبادة. النحو التعليمي في التراث العربي. ص98-90.

[3] أبو زكريا يحيى الفراء. معاني القرآن، ج1، ص 14.

[4] المرجع السابق.

[5] سورة النساء؛ الآية 1.

[6] شرح المفصل. ابن يعيش المجلد 3 ص 78.

[7] البغدادي. خزانة الأدب. ج1 ص 5.

[8] أبوهلال العسكري. كتاب الصناعتين. ص 104.

[9] ابن فارس. الصاحبي. ص 23.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC