رشيد فيلالي - الحزائر

مولود قاسم نايت بلقاسم رائد التعريب في الجزائر

مدخل

رشيد فيلاليلقد أنجبت الجزائر عبر مسيرتها الطويلة الضاربة بجذورها في عمق التاريخ شخصيات عظيمة فذة في جميع الميادين، حيث استطاعت هذه الشخصيات أن تترك وراءها بصمات متوهجة وطنيا وعربيا وعالميا، ومن هؤلاء –وهم كثر- المثقف الموسوعي مولود قاسم نايت بلقاسم اللغوي، المفكر، المؤرخ، المتضلع في علوم الدين، السياسي، الأنثروبولوجي، الغيور والعاشق مطلق العشق لوطنه الجزائر الذي أخلص له الود منذ نعومة أظفاره إلى أن افترش خده الكريم ترابها الخالد.

من هو؟

ذكر الدكتور أحمد بن نعمان في كتابه "مولود قاسم نايت بلقاسم، رمز كفاح الأمة" وكذا الأستاذ محمد الصالح الصديق في كتابه "خواطر وذكريات عن الأستاذ الراحل مولود قاسم نايت بلقاسم" أن "سي المولود" كما يلقبه عادة زملاؤه وأصدقاؤه قد ولد يوم 06 جانفي 1927 في قرية "بلعيال" بلدية أقبو ولاية بجاية، وقد تزوج بامرأة محافظة من عائلة شريفة بمدينة تنس، وهي تحمل شهادة الليسانس في علم التاريخ وتعمل أستاذة في الثانوية، وقد أنجب منها ابنه الذي صار طبيبا الآن "يوغرطا" وطفلة سماها "جزائر"، بالإضافة إلى ثمانية أطفال في الكفالة.

مولود قاسم نايت بلقاسموالحقيقة أن الاسم الأصلي الكامل لأستاذنا الراحل هو مولود بن محمد وسعيد نايت بلقاسم. أما اسم "قاسم" فقد استعاره أثناء حرب التحرير والنضال السياسي في حزب الشعب الجزائري، كما كان يدعى في السرية وحركة انتصار الحريات الديمقراطية في الوثائق القانونية للاستدمار الفرنسي.

تعلم مبادئ القراءة والكتابة على أيدي الشيخين محمد امقران شقار ومحمد أقسوح. حفظ القرآن في زاوية "تاموقرة"، ثم التحق بعد ذلك بمدرسة قلعة بني عباس العصرية التي كانت تشرف عليها جمعية العلماء آنذاك. وقد تلقى دروسه فيها على يد الشيخ المرحوم محمد وعمرو جلواح ليرحل بعدها إلى تونس طلبا للعلم من جامع الزيتونة العريقة الذي تخرج منه سنة 1946 الأول على دفعته وبدرجة ممتاز.

سنة 1946 سافر إلى فرنسا لإتمام الدراسة ومن هناك عاد فسافر إلى مصر لينتسب إلى كلية الآداب جامعة القاهرة، حيث كان أبوه هو الذي يتولى الأنفاق عليه من فرنسا التي كان يعمل بها. وسنة 1954 تحصل على شهادة الليسانس في الفلسفة بدرجة ممتاز، وكان الأول أيضا على دفعته. ونذكر من بين أساتذته الدكتور علي عبد الواحد وافي، والدكتور عثمان أمين.

وفي شهر أكتوبر من نفس السنة (1954) سجل بجامعة السوربون الفرنسية لإعداد رسالة دكتوراه الدولة في الفلسفة بعنوان "الحرية عند المعتزلة" بإشراف البروفيسور موريس دوغندياك Maurice De Gandillac لكنه لم يتمكن من إتمامها بسبب اندلاع ثورة التحرير وإضراب ماي 1956.

وفي سنة 1957 رحل إلى ألمانيا ليلتحق بجامعة بون لتحضير دكتوراه في الفلسفة حول مبدأ الحرية عند كانط تحت إشراف البروفيسور تيسن Tyssen لكنه لم يكملها أيضا بعد أن تقرر تكليفه ببعض المسؤوليات السياسية كرئيس الوفد الدائم لمكتب التنسيق والتنفيذ لدى الحكومة المؤقتة لجبهة التحرير الوطني الجزائرية.

ولم يتخل الأستاذ مولود قاسم عن طموحه العلمي حتى وهو وزير للتعليم الأصلي والشؤون الدينية بحيث حاول أن يعد للمرة الثالثة رسالة دكتوراه سنة 1973 بجامعة السوربون حول "اللغة والشخصية عند فيخته" وبإشراف دائما البروفيسور دوغيندياك لكن "ما كل ما يتمناه المرء يدركه" فقد منعه ككل مرة منصبه السياسي عن إتمام إنجاز هذه الخطوة العلمية الرزينة.

صاحب الذاكرة الخارقة

يشهد كل من صاحب الأستاذ مولود قاسم ومن تابع مسيرة حياته عن كثب وكذا من طالع جميع مؤلفاته المطبوعة –وكاتب السطور واحد من هؤلاء الأخيرين- أنه كان يتمتع بذكاء ووعي شديدين وبذاكرة بديعة خارقة للعادة، وهو الشيء الذي أهله لتعلم وإتقان خمسة عشر لغة.

كان حسب اعترافه شخصيا، يكتب ويحاضر بخمس منها هي: العربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والسويدية، وكان أحد كتبه باللغة الألمانية ويحمل عنوان ALGERIEN (الجزائر) وقد طبعه مكتب جامعة الدول العربية في بون عام 1957

كما أن العديد من مقالاته ودراساته لا زالت متناثرة بمختلف الجرائد والدوريات العربية والعالمية القديمة، وهو ما يدل دلالة قاطعة على اجتهاده ونشاطه المكثف والحثيث منذ أن كان تلميذا في أول الطريق، وإلى أن تربع على أعلى المناصب الرسمية.

مفهوم الأصالة والمعاصرة عند مولود قاسم

يتسم مفهوم "الأصالة والمعاصرة" عند أستاذنا مولود قاسم بالمرونة والشمولية وبعد النظر بحيث ينتفي عنده ذلك الفصل الراديكالي التعسفي الفج بين المفهومين "الأصالة والمعاصرة" فهو ينظر إلى العلاقة التي تربط بين المفهومين كجدلية أساسية لا انفصام لها، وقد حدد ذلك في سياق تعليقه على عنوان كتابه الضخم (650 صحفة) "إنية وأصالة" حيث قال بتواضعه النادر: "كنا نوينا أن نعنون هذه الوريقات بعنوان النقطة الخامسة من جدول أعمال الملتقى الثامن للفكر الإسلامي في بجاية ربيع 1974 هكذا "الإنية والأصالة مع التفتح والعالمية" ثم عدلنا عن ذلك لوضوح الرؤية الآن لدى الكثير أن الأصالة تتضمن بحكم الحد والمضمون التفتح والعالمية
والتطور والتقدم، إذ أن الأصالة ليست الانغلاق والتجميد بل بقاء الإنسان هو مع الاستفادة من احتكامه بالغير، ومسايرته الركب الإنساني فيما ينسجم مع عناصر ذاتيته، ويتناغم مع مكونات شخصيته، إذ يتميزه ذلك فقط بكونه عنصرا يقدم مساهماته للفكر الإنساني والحضارة العالمية، وبدونه لا يثيرهما بشيء، بل يعيش على حسابهما عالة، يثقل الركب ولا يقدم الإنسانية قيد شبر!".

إن المتمعن في السطور السابقة يعجب أمام هذه الرؤيا الفلسفية العارفة والتي تتكئ على مسلمات حضارية لسوء الحظ ما انفكت في العالم العربي تعاني من "زلة" الأخذ والرد على طريقة البيضة والدجاجة السوفسطائية المعروفة.

وهذه الرؤيا الفلسفية في الحقيقة
هي التي جرت على الأستاذ الراحل العديد من الهجومات والعداوات ذات الأحكام المسبقة والنظرة الاحادية السطحية الضيقة، سواء كان ذلك من دعاة التمسك المتزمت والمنغلق بتراثنا أو من غلاة الفرانكفونية ممن ذابت وانمحت شخصيتهم الذاتية استيلابا أعمى في ذوات الآخر.

إنجازاته ومواقفه المشرفة

لقد ارتبط للأبد اسم الأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم بالعديد من المنجزات والموقف الوطنية "البطولية" المشرفة، بحيث تقف على رأس الجميع إعداده وإشرافه المتفانين على ملتقى الفكر الإسلامي الذي كانت له اليد الطولى في إنجاحه وإعطائه تلك الصورة الحضارية البارزة والجد محترمة إلى حد جلب اهتمام ومتابعة الصحافة العربية والعالمية ذات الصدى الواسع.

وقد نوّع الأستاذ مولود قاسم في المواضيع والقضايا الفكرية التي أراد للعلماء الأجلاء والأساتذة المشاركين أن يعالجوها في تلك الملتقيات الهامة التي أقيمت بمختلف مدن الوطن الجزائري، فابتداء من الملتقى الرابع تولى تنظيم هذا الملتقى مباشرة بعد أن كان يشرف عليه من بعيد وقد انعقد هذا الأخير بمدينة قسنطينة والخامس في وهران والسادس في الجزائر والسابع في تيزي وزو، والثامن في بجاية والتاسع في تلمسان والعاشر في عنابة والحادي عشر في ورقلة، والثاني عشر في باتنة، والثالث عشر في تمنراست، وهو الملتقى الأخير الذي حضره "وزيرا وأستاذا محاضرا".

هذا فيما يتعلق بملتقيات الفكر الإسلامي، أما عن اهتمام الأستاذ مولود قاسم بتاريخ الجزائر في أقصى عهوده الغابرة، فلقد كانت له أيضا إسهامات ذات شأن عال في هذا المجال الطويل العريض الشديد التعقيد والصعوبة والذي لا يستطيع الخوض والاضطلاع به سوى من ملك رصيدا علميا كبيرا واطلاعا شاملا ومتوسعا مثل مولود قاسم الذي أراد أن يرد على كل من شك ويشكك في وجود "الدولة" الجزائرية قبل الاحتلال الفرنسي الغاشم، وما كتابه الذي صدر عن دار البعث في قسنطينة في جزئين والذي يحمل عنوان "شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية سنة 1830" إلا مرجعا علميا جادا تدعمه الوثائق التاريخية والرسمية النادرة التي تزيد في مصداقيته وتؤكد طروحات المؤلف في أغلب ما ذهب إليه، وقد عانى الأستاذ مولود قاسم الأمرين في سبيل الحصول على تلك الوثائق الهامة بجهده الشخصي خلال تنقلاته وأسفاره المتعددة لمختلف مدن العالم.

إن أستاذنا مولود قاسم وطني صادق شهم وأصيل وما انتفاضته العارمة والحاسمة ضد كلمة الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان الذي قال أثناء زيارته إلى الجزائر سنة 1975 وفي مطار هواري بومدين تحديدا "إن فرنسا التاريخية تحيي الجزائر الفتية".
لكأن الجزائر ولدت يوم استقلالها فقط مع أن تاريخها والآثار شاهدة على ذلك لا يقل عراقة وقدما عن تاريخ فرنسا ذاتها.

دفاعه المستميت عن اللغة العربية

عديدة هي المقالات التي خطها قلم الأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم، دفاعا علميا مستميتا عن اللغة العربية كرمز من رموزنا الحضارية العليا، وكان لمقالاته تلك في كل مرة وقع موجع في نفوس "بعض" الفرنكوفونيين ممن تتملكهم نزعة استعلائية باثولوجية (مرضية) حتى ظنوا أنفسهم أوصياء على الفكر الإنساني عامة فنبذوا واستقذروا بل وحاربوا كل ما هو خارج "مدار" تفكيرهم ولو كان ذلك على حساب شخصيتهم وانتمائهم الديني والوطني، الأمر الذي أثار وأذكى بداخل الأستاذ الراحل روح النقد اللاذع
المشاكس، وكيل الردود القاسية التي صبها على رؤوس هؤلاء الفرنكوفونيين "المتزمتين" حمما بركانية في غير رحمة.

وقد كان بالفعل ينطلق في كل ذلك من منطلق حماسي انفعالي، لكنه لا يخلو بتاتا من وعي راسخ متيقظ بجوهر هذه القضية العادلة، حيث تشهد بذلك البراهين والمقارنات والدلائل اللغوية القوية التي كان يستشهد بها لتؤكد عن حق رأيه وهو يستقيها في الأعم الأغلب من أصولها ومصادرها الأولى إمعانا في افحام معارضيه.

وقد يتصور من لم يتعمق في أطروحات الأستاذ مولود قاسم في هذا الشأن أنه "ضد" تعلم اللغات الأجنبية والفرنسية منها تحديدا، لكن هذا التصور الخاطئ سرعان ما يتبدد ويتلاشى (من المفروض) في ذهن
صاحبه بمجرد قراءة مقالات ودراسات كتبها الأستاذ الراحل باللغة الفرنسية رأسا ومباشرة دون أي عقدة تذكر، وهو ما يعني لديه ولدينا ولدى رجل يحتكم إلى المنطق أن الكتابة باللغات الأجنبية ليست عيبا في حد ذاتها، بل "هو" بالأحرى "ضد" كل من يقوم بذلك "تنكرا" وتهميشا للغته الوطنية، الشيء الذي قد يفتح الباب على مصرعيه لانحرافات وانزلاقات ثقافية جد خطيرة يشكو منها الآن حتى الفرنسيون أنفسهم.

وما هيمنة اللغة الأنجلو-أمريكية ببعيدة ولذلك فقد حث الأستاذ مولود قاسم على ضرورة إصدار وسن قوانين زاجرة ورادعة ضد كل من يقف حائلا في سبيل تطبيق وتعميم استعمال اللغة لعربية.

ولم يكتف بذلك فقط بل راح أيضا
يواصل اجتهاده في هذا الميدان بشكل واقعي ملموس، حيث عمل على إنشاء مجمع اللغة العربية الجزائري على غرار الدول الصديقة والشقيقة التي سبقتنا بأشواط عظمى وسنين طويلة في إنشاء مجامعها الوطنية كالمجمع اللغوي الفرنسي الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى عام 1635 والمجمع السوري (أقدم المجامع اللغوية العربية) عام 1919 والمصري عام 1932 والعراقي عام 1946 والأردني عام 1976 . فما الذي حصل إذن للمجمع اللغوي الجزائري المولود حديثا؟

لنترك الإجابة عن ذلك للأستاذ مولود قاسم شخصيا، الذي يقول في هذا الصدد: "إن مجمع اللغة العربية قدمنا مشروعه وتفاوضنا كثيرا مع سائر السلطات وفي الأخير أنجز، وصوت عليه المجلس الشعبي الوطني بالإجماع سنة 1986 وقد قلت للنواب آنذاك تصويتكم اليوم على هذا القانون هو بمثابة أول نوفمبر ثقافي" أي ثورة جديدة.

وصدر القانون مرسومه التطبيقي من طرف الرئيس السابق الشاذلي بن جديد نفسه وخصصت ميزانية له وعينت الأرض التي سينبني عليها وعينها الرئيس في منطقة الحامة (قرب فندق سوفيتال) والفندق أنجز وفتح أبوابه لكن الحجر الأساسي لهذا المجمع لم يتم وضعه! لقد عرضوا علينا جناحا في الطابق العلوي الأخير للمكتبة الوطنية وقلت أن هذا المكان لا يمكن أن يكون مقرا لمجمع لغوي لاستحالة عملية ... بل إنه عبارة عن "مذججة" أو "محممة" لموقعه غير الملائم في أعلى البناية

فالدول التي تحترم نفسها لها مقرات خاصة لمجمعها اللغوي. انظر الأردن وسورية ومصر في الدول العربية كمثال فقط، أما فرنسا وإيطاليا وألمانيا وسويسرا وغيرها فهذه لا نتكلم عنها.

إن اللغة عند الأمم المتمدنة ليست أداة اتصال وتواصل فحسب بل هي "المادة العليا" كما يقول الألمان، وأي إهمال يصيبها يصيب بالضرورة ذوات متحدثيها الكونية وعصب وجودهم في الصميم. وهذا ما أدركه الأستاذ الراحل مولود قاسم ببصيرته الفذة، وكرس له حياته بحماس وإخلاص وتفان كبير إلى أن غادرنا إلى الدار الباقية يوم الخميس 27 أوت (آب/اغسطس) 1993 فألف رحمة عليه.


مرفقات

مولود قاسم نايت بلقاسم

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3096091

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC