رعد صادق الميتاني - الأردن

أن تشهد الولادة

رعد صادق الميتانيكيوم في تاريخ الهزائم يأتي انتصاره على سرير المتعة اللعين، مُنْذُ أن غفلت الحياة أن تحاصره في الرجولة المارقة أيضا، لا لشيء، لكن من الصعوبة أحيانا أن تذكر كل النسخ المتماثلة لإنسان مكرر بليد. اختتم معركته بقبلة باردة وضعها مواساة لها على جبينها، واهما أن الحياة لا تتم إلا بما وهب.

قامت بدورها لتغتسل من عاره، وما ألحقته أنيابه في روحها، تلك التي أنشبت الأقدار حربا عليها، لأنها تزاحم الآخرين بأفكار لا تجب، في زمن وحدة الأفكار الرديئة.

أخذت ما يسترها عن وجوده، ومضت تَسكُن الظلمة قليلا، مداعبة ضجرها المسائي. انتدبت سيجارة الأسى رفيقا معتزلا لطيفا يغازل شفاهها من بعده، وبحركة عفوية وضعت ساقا من دون ساق، وأخذت تغذي أفكارها برائحة التبغ المنبعث في أرجاء الغرفة بصورة جريئة.

ما معنى أن تكون جميلا في عين مجتمع باهت مات قبل الولادة، مادام في عين نفسك أنت القتيل الوحيد ؟

هذا أول ما أزهرته أفكارها في العشية الأولى للحياة. ولذلك كان لها أن تكون الغريبة، والوحيدة، عاهة اجتماعية في مجتمع قميء يعد القذارة رسالته الأولى. وادعى كفرا أن نسبته للحياة حقيقة خالصة.

لعمري ما وقف الطب مستعصيا على استطباب أحد كما يقف عاجزا أمام من أنكر مرضه. مصرا على أن السلامة عِلَّته، والصحوة سكرته.

تتمنى أن يرافقها رجل في أحلام كفاحها الثوريّ، لكن هذا الزمن مليء بالذكور. لذلك لم تتحرج أن تجلس وحيدة، في عتمة الشبهات، قنديلا يوحي لمن يرى، "أن الإضاءةَ في الليلِ ممكنةٌ دونَ أن تظلمَ النارُ زيتا ودونَ افتخارِ الدُّخَانِ بلا وَجْهِ حَقٍّ على العالمينْ"[1].

جاءت غربتها استحقاقا أثيرا، وحزنها حتى بصورته الكلاسيكية يضفي عليها شيئا من الهيبة والوقار.

تستعين بفنجان قهوتها الصباحيّ لترميم مزاجها، صحبة سيجارة معتادة، ثم تقلبه رأسا على عقب بعد الانتهاء منه لتلعب دور العرافة العجوز في أقاصيص الخيال. تجلس مقابل نفسها، لتسأل عن الحكايات القديمة: البوابات السوداء؛ خيوط العنكبوت؛ وعش حمامها الزاجل.

إلا أن امرأة كتلك اعتادت أن تصمت عند عتبات الأسئلة الكبيرة، اعتبارا للتاريخ، فهو وحده الذي يسرد حكاياتها، وما اختطف من قصصه وحده يحمل سر الحقيقة، وسر أبي رغال أيضا.

من عادة البشر أنهم يتفقون على الأسئلة، مع أن علامات الاستفهام ترهقهم. إلا أن الإجابات هي الكفيلة أن تردي أصحابها، مالكة حق تشريدهم وإحلال دمائهم، وهي وحدها التي تقلهم إلى الرياسة والسيادة، حاملة إياهم على كراس من عاج، آخذة على عاتقها تدريبهم الجلوس في باهة القصور، والفنادق الفارهة، والغرف المغلقة كأولى الشروط.

لذلك أصحاب الإجابات الكبيرة يموتون حدادا على الكلمات التي ماتت في فيه أصحابها، أو تلك التي قتلت على عتبات أذن لم تعتد الإصغاء لدروس المتمردين.

الصمت في عنوانه الأول هو استدراج الحقيقة للكلام، لا الاختفاء وراء القرار الكبير.

حتما، سيأتي للصمت دوره ليتكلم، لكن هو ينتظر حتى يفرغ البعض من ثرثرتهم.

فنجان قهوتها، والعرافة العجوز، وذبذبات أفكارها، أنبياء عزلتها، وهي تحسن مناجاة الأولياء وأصحاب الكرامة.

أقسى غربة هي التي نعيشها مع أقرب الناس منا، وبحجم القرب نفسه يخيم الاغتراب، بحكم ثقة الفضيلة التي يتمتع بها.

وما دمنا نقيس أنفسنا بحجم أفكارنا، فمن الحق إذن أن يكون اغترابنا بحجم ضلال أفكار غيرنا. وعلى خلاف ذلك تفرض الصداقة الكبيرة نفسها، بلا مقاييس أو شروط، هبة الحياة.

تناولت من صفوف مكتبتها كتابا كان يحمل همَّ الحياة، لعل اسمه كان "في ضيافة الموت". كأن صاحبه يود أن يقول: الموت ما هو إلا سبيل للحياة، كأن شعاره يعني: خذ الموت رهينة إذا ما أردت الحياة.

أليس أبطال التاريخ هم أولئك الذين اختاروا أن التواجد في مذكرة الحياة، تحت الثرى أو من فوقه لا يهم، دوما يقولون: إن الخيارين ضمن منظومة الحياة.

ألم تر زعيما يحدث خصومه بشراسته المعتادة ساعة إعدامه فيقول: هذا الحبل سيمنحني الحياة. تحدث نفسها قائلة.

دوما أفكارها تحت شبهة القانون، لذلك تتحاشى مناقشة أذنابه، خوفا على نفسها من الموت كفعل اعتياد.

تحب أن يأتي لقاؤها مع الموت مبهرا، كما ينهي الكبار مسيرتهم في الحياة، لا موتا على طريقة قطط الزقق. هي لا تحب الموت كخطأ صغير، تُدَوِّرهُ رياح الصدف.

"ما لسهم ضل طريقه أن يرديني قتيلة. أريد موتا يكون قرارا، أمليه بنفسي، وأوقع عليه لجيل يأتي من بعدي". هذا ما اعتادت قوله.

تظن إن صدقت صدقها القدر. ألم يأتِ الموت للبعض كما يحب، كما اشتهى تماما.

تقبلت فكرة الحياة على شاكلتها، ليس هروبا، هو قرار اتخذته للمواجهة، على الأقل حتى تستمر في الرفض والامتعاض.

الحالمون يستيقظون باكرا، قبل الصباح بقليل، ليشهدوا البزوغ، ولحظة الولادة. يثيرهم ذلك الألم الذي يأتي بالحياة. فهم جزما يعتقدون أنها لا توهب نفسها هباء، يثيرهم أي تغيير طارئ في الحياة، لكنهم لا يخدعون بالكسوف.

الأشهى على الإطلاق أن تشهد الولادة، لا أن تأتي بعدها، حين تجف الدماء، ويصدأ القيد المنكسر.

= = = = =

[1] من قصيدة "مقام عراق" للشاعر تميم البرغوثي.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3310001

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC