أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 8: 84-95 » العدد 95: 2014/05 » الفتى الأسمر إيفان

أوس حسن - العراق

الفتى الأسمر إيفان


"معركة الروح وحشية كمعركة الرجال، لكن رؤية العدالة هي بهجة الله وحده". آرثر رامبو.

أوس حسنلم يخرج من بيته، كان في انتظار الفراشات التي تطلقها كل يوم من حنايا صوتها الحالم، وصباحاتها الندية. السماء العارية من حقيقتها هذا المساء كانت تئن في صدره وتمزق قلبه الجريح. ثلاثون موتا، وحياة ٌ واحدة، هذا هو تاريخه. حياة واحدة سيختارها الآن.

العبودية والخوف كائنان ثقيلان جعلا منه قديسا في معابد الصمت. سجناه ونقشا ظله خلف جدران النسيان والعتمة البعيدة، لكنه أصبح الآن حرا، وله حياة واحدة سيختارها بعد قليل.

عند مرافئ البحر هناك، حيث النوارس المهاجرة، وموسيقى الصمت الصاخب، أصبحت ذاكرته صفرا حسب توقيت العدم؛ وكما أن الحياة لم تتسع يوما لأحلامه الهاربة، لن يتسع الموت لانكساراته.

لن يكون الغد أجمل، ولن يصحح الماضي أخطاءه، ويعتذر مني. أنا واثق من ذلك، فكل هذه الأشياء بجوهرها وغموضها، هي وجه آخر للعدم. وداعا أيها العالم، وداعا أيتها الأناشيد الباردة، وداعا أيها الضجيج الوحشي، رددها قبل أن يعزف لحن رحيله الأخير.

صدى الصوت المدوي، أيقظ الأسرار الساكنة في عمق البحر. الشمس بردائها الإرجواني استلقت على جسد البحر. القمر الموشى بالذهب يطل من بين الغيوم القرمزية، يمزق أثواب حكمته القديمة، ويذوب في الأحمر اللازوردي. السكون هنا يشبه بداية الخليقة، والمشهد بريء ونقي تماما، عار من كل شيء يشبه براءة الأرض، قبل أن ترتطم بها الفكرة السرمدية.

المشهد ضبابي تارة ومعتم تارة أخرى. الأجساد الشفافة والأطياف الهلامية تلوح له من بعيد، لم يفعل شيئا سوى أنه عانق ذلك الطفل المعذب، الطفل المسجون في أعماقه منذ موته الأول.

عند مرافئ البحر، الفتى الأسمر ذو الساق المبتورة، يجره طائران مضيئان بوجوه آدمية في دهليز مظلم. في هذا الدهليز، تتبدل الوجوه، والأصوات، والأحلام كل ثانية. امتلأ المكان بالموسيقى، لم تكن الموسيقى غريبة عنه، بل كانت غامضة وبعيدة.

بدأ الصوت يقترب منه رويدا رويدا، تبدد الظلام. اجتاحه النور الكثيف، وخطفه إلى هناك.

هناك عند مرافئ البحر، وبعد خمسين عاما لم يعرف أحد في هذا العالم أن إيفان الفتى الغريب، قد جاء ورحل.

توافد الزوار والسياح من بقاع الأرض المختلفة، بنيت عشرات الفنادق والمنتجعات السياحية، البشر يأتون إلى هنا من كل حدب وصوب، بأعراقهم وأجناسهم ولغاتهم المختلفة.

على رمل الشاطئ، وحيثما سرحت بصرك على امتداده، سترى الكهل الخمسيني بائع المرطبات، عشاق في الزوايا الخفية، فتيان وفتيات يلهون بأمواج البحر، يلعبون بالكرة الطائرة. عوائل وأصدقاء نصبوا خيمهم ومظلاتهم على رمل الشاطئ، وأنت لا تسمع منهم إلا تلك القهقات والضحكات العالية والأحاديث الطريفة الممزوجة بالسخرية أحيانا.

على شاطئ البحر فتاة خلاسية ترقص على أنغام موسيقى صاخبة وسريعة، زوج تأبط ذراع زوجته وهم يسترجعون أيامهم الخوالي، وتفاصيلهم القديمة، عندما كان الحب في قلبيهما فتيا كنجمة خضراء تتوهح في مرايا الروح، قبل أن يأكلها الصدأ، مشردون، لاجئون، سكارى، تلاحق عيونهم أجساد الفاتنات نصف العاريات لتفترسها وهنّ يتمشين بغنج ودلال على رمل الشاطئ.

عجوز ناهز السبعين مستلق تحت أشعة الشمس، يطالع جريدة وينثر ما تبقى من فتات عمره على أمواج البحر المتلاطمة. أم تنادي على طفلها الصغير بصوت مسموع وهو يلعب عند جرف البحر: انتبه يا إيفان، لا تذهب بعيدا، ارجع إلى هنا حالا.

مئات الشعراء والفلاسفة والفنانين المصابين بهوس الانتظار ونبوءة غودو جاؤوا إلى هنا، ولم يعرف أحد أن الحقيقة كانت يوما هنا ورحلت.

العالم المسكون بالصمت والموت الأخير كان في عيني إيفان، لكن أسئلة إيفان لم ترحل معه بل سكنت عيون الأطفال والغرباء، وسكنت قلب كل فتاة خرساء تعذبها أحلامها.

دموع إيفان ما زالت تضيء ليل البحر وأنين أمواجه العميق. ذكراه الأخيرة ما زالت ندية عالقة في أجنحة النوارس، وهي تعانق ظلال الأفق الحمراء ساعة الغروب. إيفان لا أهل له ولا وطن، لا أرض له ولا سماء، جاء إلى هذا العالم وحيدا، عاش وحيدا، ورحل وحيدا.

لكنه أحب تلك الفتاة، الفتاة الخرساء التي اغتصبها الجنود العائدون من حروبهم الشمالية، اغتصبوها وقتلوها ورموا جثتها في البحر. كان يركض بساق واحدة، يتكئ على عكازه يمشي ويتعثر بخطوته، ينادي عليها، يبحث عنها، يجلس تحت ظلال الشجر الوارفة، يبكي وينوح كالأطفال، يخضب الدمع لحيته الكثة، والريح تحمل صدى آهاته كل يوم. لا أنيس له إلا البحر، ولا وطن له إلا الريح.

لكنه بعد أن قضى من العمر ثلاثين خريفا وربيعا واحدا: متأملا، مفكرا، صامتا، قبل أن يفتح له الجنون نوافذ الحقيقة الأزلية، وقبل أن يحاصره ذلك الصوت البعيد، قرر في ذلك اليوم، وهو ينظر إلى المدى بعينيه العميقتين، أن يتعرى من نبوءته، وأن يولد مرة أخرى هناك.

هناك عند مرافئ البحر، وقبل خمسين عاما، لم يعرف أحد أن ايفان البحار الصغير، وشاعر الأبدية المطلق، هو ذلك المنتظر الموعود، الذي توحد مع الفناء واختفى إلى الأبد.

D 25 نيسان (أبريل) 2014     A أوس حسن     C 8 تعليقات

4 مشاركة منتدى

  • يرسم النص لوحة تشكيلية حافلة بجمالية الصورة، وحركية الحياة، وسكون الموت الناطق بأسرار لا يمكن العبور إليها إلا عبر الوقوف عند تخوم البرزخ الفاصل بين الوجود والعدم، ما دام القبض على معنى محدد للوجود، عندما تنتفي أسبابه، يكاد يكون مستحيلا؛ وبالتالي فإيفان كان مسكونا بالصمت والسكون الذي يشبه بداية الخليقة باعتباره علامة دالة على الفصل بين حياة لن يكون الغد فيها أجمل، وحياة يظل السكون فيها ناطقا بأسئلة إيفان التي لم ترحل معه، بل سكنت عيون الأطفال والغرباء، وقلب كل فتاة خرساء، وظلت معها دموعه تضيء ليل البحر..
    إلى جانب جمالية الصورة وحركية الحياة، حضر الخطاب الشعري في كثير من مقاطع النص، فضلا عن باقة الألوان المتناسقة مع هذه الحركية، وخاصة منها الأرجواني والأحمر اللازوردي، وكلها عناصر تندرج في سياق مقاربة المعاني دون تحديدها، وإتاحة فرص التأويل للقارئ لكي يشارك في إعادة صياغة النص...


    • مما يسعدني حقا ً ويبهجني هو وجود مثقفين حقيقين قادرين على تفكيك النص وإعادة صياغته وتركيبه بمفاهيم وتصورات جديدة وبمناهج تأويل متفرعة ومتعددة بما يتناسب مع تركيبة الوعي الذي اختمر ونضج في عقولهم النيرة،القارىء الحقيقي هو ذلك الشخص الذي يملك منظومة تفكيكية ليس في بنية النص فحسب وإنما في النفس البشرية والولوج العميق لمكنوناتهاوأسئلتها الوجودية المحيرة، محمد علي حيدر أشكرك على هذه القراءة التي أصابت كبد الحقيقة في الكثير من جوانبها اللغوية والفلسفية، شكرا لهذا الدفق من الالوان التأملية التي زينت النص بكلماتك العميقة،تحياتي وتقديري لك.

  • أوس حسن من العراق
    جمالية النص حاضرة في دقة اختيارك للكلمات وعمقها.
    حقيقة ما ورد في مداخلة محمد علي حيدر قد اوضحت الكثير من الاشياء التي توقع القاريء في حيرة بسبب الحركة الدؤوبة لتلك اللوحة السريالية التي رسمتهاوكأنه بذلك يفك طلاسمها ويضع الحروف بدلا عن الرموز التي ضج بها النص .
    بالتوفيق
    هدى الكناني


    • بالفعل أختي العزيزة هدى الكناني،وهذا ما أبحث عنه تماما.قوة التفكير والتأمل عند قارىء يقظ وفطن،قادر على تفكيك النص وإعادة صياغته وبلورة أفكاره مرة أخرى،التفكيكية واللامركزية حاضرة هنا وبقوة،شكرا لعبق مرورك،تقبلي تحياتي وتقديري

      أوس حسن

  • أ/ أوس..نصك بديع في لوحاته التشكيلية تارة والسريالية تارة أخرى لعبت الطبيعة دورًا أساسيًا فى كل منها بلغة غنية وعبارات عميقةوفى مجمله ينتمى إلى النص الرمزى يفك شفراته المتلقى وفقًا لخلفيته الثقافية والفتاة الخرساء الصامدة قد تكون الوطن أو الحبيبة ، الفتى إيفان المواطن أو المحب المخلص ولكنه عاجز جسديًا كما جاء بالنص والرجل المكسورة ما هى إلا قلة الحيلة أمام جنود الشمال الذين اغتصبوها ..تحياتى وتقديرى لقلمك المميز


  • يقول نيتشة:

    "عندما نكتب لا يكون هدفنا هو أن نفهم ولكن أن لا نفهم أيضا. ولا ينقص من قيمة كتاب ما إذا وجده البعض غامضا: فهذا الغموض قد يكون من نوايا المؤلف، فهو لا يريد أن يُفهم من طرف أي كان. كل عقل متميز وكل ذوق رفيع يختار قراءه، وبعد ذلك يغلق الباب على الآخرين. من هنا تولد القواعد الطريفة للأسلوب، لكن تبعد وتدين بلوغ مؤلف ما، وتمنع من فهمه البعض، وتفتح آذان البعض الآخر".

    مع تحيات زهرة من الجزائر.


في العدد نفسه

كلمة العدد 95: "عود الند" تتم سنتها الثامنة

عبد المجيد يوسف: السّيرة والمسيرة

الآخر في الرّواية الفلسطينيّة

القراءة ودورها في العملية التربوية

الصوائت في التراث العربي

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  غلاف العدد الخاص: نحو التميز

2.  عود الند تحصل على رقم الدوريات الدولي

3.  الغادية

4.  سينما: صمت الحملان وهانيبال

5.  بسام الشكعة في سطور