د. حفيظة عبداوي - الجزائر

التصوير الفني في الإبداع الأدبي

يعد التصوير الفني جانبا من جوانب الصياغة الجمالية المولدة للمعنى في العملية الإبداعية، إذ بواسطة التصوير يتم استنطاق المعاني الكامنة في الذهن وإخراجها إلى الواقع المادي في تعبير مميز، وإيحاء دلالي خاص يركن إلى جعـل " الصورة المجازية تحل محل مجموعة من العبارات الحرفية (...) إنها لا تقود المتلقي إلى الغرض مباشرة مثلما تفعل العبارات الحرفية، وإنما تنحرف به (...) فتبرز له جانبا من المعنى، وتخفي عنه جانبا آخر، حتى تثير شوقه وفضوله، فيقبل المتلقي على تأمل الصورة (...) وعندئذ ينكشف له الجانب الخفي من المعنى"1.

والملاحظ أن توظيف الصورة الفنية، أو التصوير بشكل عام، لم يكن حكرا على المادة الشعرية فحسب، وإنما وظف في الكلام المنثور حيث وجد الجميل الرائع، والعذب السلس في كتاب الله المجيد، وفي غير كتاب الله، وفي ذلك قيل: "والتعبير بالصورة خاصية شعرية ولكنها ليست خاصة بالشعر، لقد آثرها التعبير القرآني والحديث النبوي كثيرا، واعتمد عليها المثل كما فضلتها الحكمة"2.

من ثم، فإن أكبر ميزة في اللغة الأدبية، تكمن في اختلافها عن اللغة العادية، وتعود العلة في ذلك إلى اعتماد لغة المجاز مع الارتكاز على خصيصة "الخيال"، فكان أن اعتبرت اللغة الأدبية كسرا للنمطية سواء على مستوى الشعر، أو على مستوى النثر الفني.

فالفعل الإبداعي، يقوم على الطاقة الإيحائية الكاشفة عن جوهر الأشياء، والراقية إلى عوالم لا متناهية يعرضها المبدع من خلال عنصرين مهمين من عناصر الكتابة الأدبية: عنصرا الوصف والتشخيص. وذلك ما سأحاول الوقوف عليه في هذا المقال.

=أ=التشخيص في الشعر والنثر:

يقوم الإبداع على تلاحم الصور، وتلاحقها، والتحليق في أجواء خيالية بشكل يضمن عرض المشخصات من زاوية رؤية معينة، ويضمن إيجاد علاقات بين المادي والمعنوي، فيحدث استحضار الغائب والغريب في نفس الوقت، وتتعدد الدلالات. يقول حازم القرطاجني في هذا الصدد: "فإذا عبّر الشاعر عن تلك الصّور الذهنية الحاصلة من الإدراك، أقام اللفظ المعبر به هيئة لتلك الصّورة الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم، فصار للمعنى وجود آخر من جهة دلالة الألفاظ"3.

إن إحساس الشاعر المفرط بالأشياء يجعله يضم المتنافرات في بوتقة من التناسق وذاك منطق العملية الإبداعية، المرتكزة على عمق الوجدان وإمكانية تجاوز تناقضات الحياة من أجل خلق نوع من الحيوية الباعثة على الاستمرارية. يقول البحتري مثلا:

أَتَاكَ الرَّبيعُ الطَّلْقُ يَخْتَالُ ضَاحــكًـا = = منَ الْحُسْنِ حَتىَّ كَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَا

وَ قَدْ نَبَّهَ النَّوْرُوزُ4 فِي غَلَسِ الدُّجَى = = أَوَائِلَ وَرْدٍ، كُنَّ بِالأَمْسِ نُوَّمَا

يُفَتِّقُهَــا بَـرْدُ النَّـدَى فَكَأَنَّـهُ = = يَبُثُّ حَدِيثًا؛ كَانَ قَبْلُ مُكَتَّمَا

وَ مِنْ شَجَـرٍ رَدَّ الرَّبِيعُ لِبَاسَــهُ = = عَلَيْهِ كَمَا نَشَّرْتَ وَشْيًا مُنَمْنَمَا

وَرَقَّ نَسِيمُ الرِّيــحِ حَتىَّ حَسِبْتُهُ = = يجيئ بِأَنْفَاسِ الأَحِبَّةِ نُعَّمـا5

عند تأمل هذه الأبيات، نجد أنفسنا أمام منظر طبيعي، فالشاعر يطالعنا بحيوية فصل الربيع بل وحيوية الوجود في رأى المبدع، إنه يعرض أشكالا وصورا منمقة تعرب في حقيقتها عن نفسية هادئة منشرحة مقبلة على الحياة، رغم ما يمكن أن يكون قد اعتراها، سابقا، من قنوط أو من منغصات لا يسلم منها البشر مهما أوتوا من القوة والعزيمة والصبر.

نلمس في مستهل الأبيات صورة تشخيصية دقيقة حيث جعل الشاعر أحد فصول السنة وهو فصل الربيع إنسانا وأسبغ عليه متعلقات هذا الإنسان: (1)خصيصة الضحك المصحوب بالزهو والانشراح: (يختال ضاحكا من الحسن)؛ (2) خصيصة النطق باعتماد فعل الكلام: ( حتى كاد أن يتكلما).

بعد هاتين الخصيصتين، انثنى الشاعر إلى تعداد تمظهرات هذا الفصل الجميل فذكر على التوالي: (1) صورة أوائل الورد؛ (الندى مع البرودة)؛ (3) الشجر؛ (4) نسيم الريح. وهذه كلها تمظهرات طبيعية، توحي بالجمالية، وتبعث البهجة في النفوس، فالورود شخّصت بفعلي النوم والصحو (كنّ بالأمس نوّما) وهما خصيصتان ملازمتان للكائن الحي، والنّدى يتقمص شخصية إنسان يتحدث (يبث حديثا)، بل وأكثر من ذلك، فإن هذا النّدى لا يتحدث فقط، وإنما يصوره الشاعر كأنه انتقل من حال إلى حال، وكأن عقدته انفكت، أو كأنه كان محروما من الحديث لسبب قمعي، وإذا به اليوم يتجرأ، فيتحدث (كان أمس مكتّما).

إنه في هذا الفصل، ينعتق من الكتمان إلى فضاء البوح والتصريح، شأنه شأن من قُمِعَ لفترة من الزمن ثم تمرد على هذا القمع، فتغير الوضع.

أما الشجر، فرسمه الشاعر وكأنه كان عاريا ثم كسي بفضل الربيع (رد الربيع لباسه عليه).

ففي هذا تشخيص عميق لتحركات الفصل، وكأنه كائن حي ينتقل بين العناصر الطبيعية ليمارس عليها دور "الإنسان الخير" الذي يأبى إلا أن يدخل البهجة على أفراد محيطه، والشجر أحد أفراد الطبيعة الربيعية الخلابة، ومن ثمّ تفضل الربيع بإلباسه كل جميل باه (وشيا منمنما).

وتستوقف القارئ صورة أخرى تجعل المشهد متكاملا: إنها صورة "نسيم الريح" الذي يحمل دلالات الرقة والعذوبة،
بالإضافة إلى تقمصه دور حامل أنفاس الأحبة، فكأن رقته، وعذوبته، إنما هي في الأصل أنفاس الأعزاء الغائبين عن عين الشاعر، الحاضرين في فؤاده، إنها ثنائية الحضور والغياب شخصت بشكل تسلسلي حافل بالانتشاء والفرحة بما يحدثه فصل الربيع من تغيير عام على المستوى الطبيعي والنفسي على السواء.

فبتغير الطبيعة، من الاكفهرار إلى الصحو، ومن الغضب إلى السكينة، ومن الجذب إلى النماء تتغير نفسية الإنسان من الانكماش إلى الانفتاح، ومن القنوط إلى الأمل، فتشرئب إلى كل جميل، وتتطلع إلى كل عذب وتلك لعمري قمة التصوير الجمالي في عرض العلاقة بين رقة الطبيعة واستئناس النفس بها، وهي علاقة لا يكتشفها إلا شاعر، قوي الإحساس بالأشياء، عميق الإدراك بالوجود، حتى وإن خالف تصوره منطق الواقع واستأثر بنبع الخيال، يغترف منه ملء الشرايين.

إنها مسيرة الإبداع، حيث يبدو النزوع إلى الجميل سُنّة الفعل الأدبي الخالد، وحيث يلتئم الوصف بالسرد فـ"لا ينهض الوصف بوظيفته السَّردية حتى يشمل المناظر الطبيعية، والأحياز الخارجيّة: كالرِّيح، والمطر، والشمس، والقمر، واللَّيل (...) ووصف الأمكنة الطبيعية كالجبال والسهول، والأنهار"6.

وإذا انتقلنا من التشخيص في الشعر، إلى التشخيص في النثر، يصادف الباحث نصوصا نثرية عديدة حاول مبدعوها تشخيص ما لا يُشخّص في لغة خيالية، تنبئ عن الاغتراف من منبع التصوير الفني والتحليق في فضاءات إبداعية متميزة باعتبار أن لكل لون سردي خصائصه ومميزاته، التي تطبعه داخل مقولة الأجناس الأدبية المؤسسة للعملية الإبداعية في تجلياتها المختلفة".

فالنص السردي صورة للواقع حقا، ولكن لا ينبغي لهذه الصورة أن تكون مأخوذة بالأشعة الخاطفة، وإنما يجب أن تؤخذ في هيئة رسم مرسوم بريشة فنان مبدع مثقل بالشعور والعواطف، مشبع بالمبادئ، مؤمن بالمواقف، مسلح بالإعداد الفني"7. يقول أبو حيان التوحيدي مثلا:

"كتبتُ إليك والربيع مطلٌّ، والزمان ضاحك، والأرض عروس والسماء زاهرة (...) والجبال مبتسمة، والجنان ملتفة (...) فما تقع العين إلا على سندس وإستبرق ووشي اليمن وديباج الروم ونقش الصين"8.

في جرد بسيط للمشخصات في هذا المقطع نقف على: (1) الربيع مطل؛ (2) الزمان ضاحك؛ (3) الأرض عروس. (4) الجبال مبتسمة؛ (5) الجنان ملتفة.

وبالجمع بين الإطلالة والضحك والعروس والبسمة والالتفاف، يكون المبدع قد شكل سلسلة من المتعلقات الإنسانية، أسبغها على عناصر طبيعية رقت بها إلى مستوى من الزينة والجمال، مستوى لا يعادله إلا السندس والإستبرق والوشي والديباج والنقش، وكلها تمظهرات ساهمت في خلق صورة فنية منتمية إلى منظومة الإبداع بشكل عام.

=ب= الوصف في الشعر والنثر:

كثيرا ما تعاطى الأدباء غرض الوصف في إبداعاتهم الشعرية والنثرية على السواء، فحفلت الخزانة العربية بأصناف عديدة من الموصوفات قد يكون على رأسها وصف الطبيعة بمختلف تجلياتها.

ويعدّ الأدب الأندلسي من أكثر الآداب عناية بالعنصر الطبيعي، ومرد ذلك جمال الطبيعة في هذا البلد وإحساس الشاعر بهذه الهبة الإلهية التي هزت القلوب، وطربت لها النفوس، فتنافست الأقلام تصف المشاهد، وتتفنن في رسم الصور، صور تبارك من أبدعها.

يقول ابن حمديس9:

كــأنما النَّيِلُ وفَرُ المُجْتَنىَ = = وَقَـدْ بَدَا لِلْعَيْنِ فَوْقَ البَنَانِ

مَدَاهِنُ اليَاقُوتِ مُحْمَرَّةً = = قَدْ ضُمِّنَتْ شِعْرًا مِنَ الزَّعْفَرَانِ10

و يقول ابن زيدون، وقد اختلط عنده وصف المنظر الطبيعي بوصف الذات الملتهبة شوقا إلى من يحن إلى لقياهم 11:

إِنِّي ذَكَرْتُكِ بِالزَّهْرَاءِ مُشْتَاقَا = = وَالأُفْقُ طَلْقٌ وَمَرْأَى الأَرْضِ قَدْ رَاقَا

وَلِلنَّسِيمِ اعْتِلاَلٌ فِي أَصَائِلِهِ = = كَأَنَّمَا رَقَّ لِي فَاعْتَـلَّ إِشْفَاقَا

وَالرَّوْضُ عَنْ مَائِهِ الفِضِّيِّ مُبْتَسِمٌ = = كَمَا حَلَلْتَ عَنِ اللَّباَّتِ أَطْوَاقَا

كَأَنَّ أَعْيُنَهُ إِذْ عَايَنَتْ أَرَقِي = = بَكَتْ لِمَا بِي، فَجَالَ الدَّمْعُ رَقْرَاقَا

في فحص أولي لهذه القطعة الشعرية الواصفة، يلمس المتمعن ذلك المزج المتعمد من طرف الشاعر؛ بين وصف الطبيعة وبين حالته النفسية وكأني به، وهو الحزين، يرى في منظر الطبيعة "مواساة" قائمة على مشاركة وجدانية، باعثة على استحضار الذكريات الطيبة (ذكرتُك) ويقصد بالخطاب ولاَّدة بنت الخليفة المستكفي وهي المرأة التي شغلت الشاعر حرًّا وسجينا.

إنه يصف، ويسبغ على موصوفاته صورا فنية تنبئ عن إحساس عميق بالرغبة في الهروب إلى أحضان هذه الطبيعية الجميلة، طبيعة ذات:

1- أفق طلق صاف لا يكدّره شيء.

2- أرض زاهية بهيجة، تروق للناظرين.

3- نسيم عليل، منعش يرقّ لحال الشاعر، فيهبّ عليه عذبا، وما هبوبه إلا مشاركة وجدانية تلطف الجو النفسي عند الشاعر، وتبحر به في عالم الهدوء.

4- روض ومياه رقراقة، تتسلل عبره ألوان فضية تحاكي بريق أسنان السعيد المبتسم، وبالجمع بين الاثنين: الماء والروض، يمكن استنتاج أن كليهما يستشعر حال الشاعر فتسيل القطرات كما تسيل العبرات. إنه الالتحام بين الذات الواصفة والموضوع الموصوف، وطبعا لا يتأتّى ذلك إلا لمبدع يمارس الفعل الإبداعي بمؤهلات فنية لا يمكن تجاهلها.

إلى جانب وصف الطبيعة، حظي موضوع "الحرب" بعشرات أو قل بمئات القصائد الوصفية، في مختلف عصور الأدب العربي، وتكفي الإشارة ها هنا إلى بعض الأسماء اللامعة في هذا الباب. أذكر من بينهم المتنبي وقصيدته معركة الحدثِ؛ أبو تمام وقصيدته فتح عمورية؛ وقبلهما كثير من أمثال: عمرو بن كلثوم، وعنترة بن شداد، والحارث بن حلزة، ولست في مقام التفصيل والتوسعة حتى أقف عليها جميعها وإنما هي إشارة فقط وسأكتفي منها بالوقوف على معركة الحدث التي يصف فيها المتنبي جيوش الروم، فيقول من ضمن ما يقول12:

أَتَوْكَ يَجُرُّونَ الحَدِيدَ كَأَنَّهُمْ = = سَرَوْا بِجِيَادٍ مَا لَهُنَّ قَوَائِمُ

إِذَا بَرَقُوا لَمْ تُعْرَفِ البِيضُ مِنْهُمْ = = ثِيَابُهُمْ مِنْ مِثْلِهَا وَالعَمَائِمُ

خَمِيسٌ بِشَرْقِ الأَرْضِ وَالغَرْبِ زَحْفُهُ = = وَفِي أُذُنِ الجَوْزَاءِ مِنْهُ زَمَازِمُ

تَجَمَّعَ فِيهِ كُلُّ لِسْنٍ وَأُمَّةٍ = = فَمَا تُفْهِمُ الحُدَّاثَ إِلَّا التَّرَاجِم

في هذا المشهد الوصفي، الذي يضجّ بالحركة والصخب، يعمد المتنبي إلى خلق صورة فنيّة جامعة بين التشخيص والوصف، فإذا هما بنية واحدة تعضد كل منهما الأخرى.

يصف قدوم الجيش وقد ارتدى ثياب الحرب (يجرّون الحديد) إذ يفهم من هذه العبارة كثافة العتاد الحربي، والتهيئة الجسدية والنفسية التي ظهروا عليها، فجَرُّ الحديد ليس بالأمر الهين، والحديد يفهم منه: الدروع على الصدور، والخوذات على الرؤوس، والسلاسل الثقيلة وما إلى ذلك من الأدوات الحربية، هذا الوصف، يعضده بصور فنية جميلة منها: (أ) كأنهم سروا بجياد ما لهن قوائم؛ (ب‌) إذا برقوا لم تعرف البيض منهم؛ (ج) في أذن الجوزاء منه زمازم.

لقد صوّر المتنبي فرسان الروم، وكأنهم جياد لا قوائم لها، بسبب كثرة السلاح الذي وصل حد تغطية الأقدام، وبسبب ستار الليل (سروا، والإسراء يكون ليلا، بدليل قوله تبارك وتعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله)13، وهو ما يفهم من توظيف الشاعر للفظة الجياد فالخيول عادة في المعارك، تطوي المسافات وتشق الغبار، وتطير بالفرسان يمنة ويسرة في حركة قوية، ومشهد مهول تتضارب فيه الأصوات وتصطدم السيوف، وتتداخل الرماح، ويعلوا جو الموت الرؤوس، فيصيب هذا ويخطئ ذاك.

ويتعمق الشاعر في الوصف، فبعد أن عرض صور العتاد الحربي الكثيف، التفت إلى الفرسان أنفسهم، في حال انطلاقهم إلى المعركة، وانصهارهم بالجو الحربي، إذ لا يكاد يفرق الناظر إليهم بين ثيابهم وعمائمهم وسيوفهم، وكأن هذه العناصر تشكل كتلة واحدة عند هؤلاء الفرسان، الذين حرص الشاعر على استنطاق صورة "السرعة" لديهم، فهم كالبرق الخاطف، لا يمكن الإمساك به، ولا يمكن ملاحقته.

يسترسل الشاعر في استعراض تمظهرات القوة عند هذا الجيش، فيشير إلى كثرة العدد، فأول هذا الجيش في الشرق وآخره في الغرب، إنه جيش جرّار، جمع بين كثافة العتاد الحربي وكثافة العدد البشري فأحدث الضوضاء والهرج والمرج، حتى وصل الضجيج عنان السماء، وتسبب في كسر سكينة "الجوزاء" وهي نجمة، استعار لها المبدع "الأذن" على سبيل الاستعارة المكنية.

كان الوصف دقيقا وكان المشهد إبداعيا، اكتملت صورته حين أشار الشاعر إلى اختلاف العناصر المكونة لجيش الروم (تجمع فيه كل لسن وأمة) إلى درجة استدعت حضور مترجمين لضمان فعل التواصل (فما تفهم الأحداث إلا التراجم).

وما هذا بمستبعد في أشعار المتنبي الوصفية والتشخيصية، فالرجل "مغرم في الواقع بالميل إلى تجسيد صور تعتمد على إعادة صياغة معطيات الحواس وعلى تداخلها في تكوين الصورة الشعرية من ناحية وفي استيعابها من ناحية أخرى"14.

والحقيقة أن المتنبي كان ذكيا أيّما ذكاء في هذا الوصف، فقد وصف العدو بالقوة، وتفنن في تعداد تمظهرات قوة الروم، في حين كان من المفروض أن تكون أوصاف القوة هذه موجهة إلى جيش سيف الدولة الحمداني، ولكن الشاعر وبذكاء، بيّن أنّه رغم هذه القوة الهائلة عند جيش العدو، فإن سيف الدولة استطاع النصر في الأخير، واستطاع قهر الروم، وبذلك يكون للنصر معنى، ويكون للنصر نكهته الخاصة، فالانتصار على القوي، أعظم من الانتصار على الضعيف وشتان بين نصر ونصر، إذ "للعرب في وصف السلاح والخيل مذهبان، فإذا وصف شاعرهم خيل قومه وأداة رهطه، وسلاح عشيرته، وما ادخره من عتاد واقتناه من رباط فإنما يريد أننا أهل حروب ومغارات ولنا النجدة والمنعة، وفينا العز والقهر، ولنا الغلبة والفضل، وإذا وصف بذلك عدوه ومحاربه فإنما يطلب الغض منه والنعي عليه"15.

ومثلما مارس الشعراء غرض الوصف، مارسه أيضا كتاب النثر، فوصفوا وأسهبوا، وتركوا العنان للأقلام، تختار ما تشاء من الموصوفات وعرضوا نماذج تستحق الوقوف عندها، من ذلك مثلا ما اشتملت عليه المقامات العربية القديمة من موضوعات وصفية فـ"الوصف في السرد حتمية لا مناص منها له. إذ يمكن، كما هو معروف، أن نصف دون أن نسرد، ولكن لا يمكن أبدا أن نسرد دون أن نصف كما يذهب إلى ذلك جينيت"16.

وسأختار مقطوعة من السرديات خاصة بالحرب والاستعداد لها. يقول أبو محمد بن مالك القرطبي الذي عاش زمنا بمنطقة "المرية" في عهد ابن صمادح: "لا تسمع إلا همهمة وصهيلا وقعقعة وصليلا فخلت الأرض تميل ميلا والجبال تكون كثيبا مهيلا، لا تسمع إلا أصوات تلك الغماغم وضوضاء تلك الهمائم من وهواه صهيل ودرداب طبول، أزئير ليوث بآجام أم قعقعة رعد في ازدحام غمام؟"

ثم يصف ظهور ابن صمادح: "حتى لاح لنا من ملك الأملاك وثابت القمرين في الأحلاك". ثم وصف قوة ممدوحه واستسلام عدوه: "فرمى بيده صاغرا إلى السلم، ثقة بعفو كطل المزنة الممدود، وكرم كشط اللجة المورود، فلولا حلم كالجبال رصين، وجود كالسحاب هتون، لبادوا خلال تلك الديار كما بادت جديس في وبار"17.

من الملاحظ أن هذا المقطع المختار، ارتكز على ثنائية السمع والبصر، فعرض الموصوف، وهو الجو الحربي، بضجيجه وصخبه: (1) لا تسمع إلا همهمة وصهيلا، وقعقعة وصليلا؛ (2) لا تسمع إلا أصوات تلك الغماغم، وضوضاء تلك الهماهم؛ (3) أزئير ليوث، أم قعقعة رعد؟

وعرض الموصوف أيضا بحركية المشهد وأهواله: (1) فخلت الأرض تميل ميلا؛ (2) الجبال تكون كثيبا مهيلا.

في هذا الجو، سيتعزز الوصف بالبطل المركزي ابن صمادح، محرك الأحداث، فيصفه الكاتب وقد جمع صفات القائد الكفء: (1) العفو الكبير الممتد كامتداد ظل السحاب. (2) الكرم الفائض. (3) الحلم والثبات كثبات الجبال. وكلها صفات أسبغت على الموصوف عظمة وتجلة يستشعرها القارئ خاصة عندما يشير الكاتب إلى ظهور هذا البطل في ساحة الحرب: "لاح لنا من ملك الأملاك = = وثابت القمرين في الأحلاك".

ولعل الكاتب يكون قد افلح في اختياره للفعل "لاح" وتوظيفه للدلالة على أن ظهور ابن صمادح، ظهور أثلج الصدور، وحمس النفوس، وغمر المكان ضياء، فحدث الاستئناس ومن ثم كان الحافر قويا لهبوب رياح النصر المصحوبة بالبشر، وتلك، لعمري، براعة اليراع، حين يسخره المبدع للالتقاط ثم التصنيف ثم العرض في صور فنية راقية تسمح بتبني فكرة:

"ليس القول الأدبي صياغة تركيبية أو تطبيقية لقواعد لغوية أدبية جاهزة، ليس القول الأدبي إنشاء يحفظ أو يتوارث أو يلقن شأن التلقين له في تعليمنا المدرسي: تحفيظ تراكيب وصيغ جميلة تعادل الثقافة والقدرة على الكتابة (...) بل هو حجم وفضاء، حجمه هو الدلالات التي يولدها انتظامه. الدلالات تولد في حركة الانتظام فتشكل بالعلاقات بينها فضاء هذه الحركة"18.

يصف لسان الدين بن الخطيب تكالب الناس على الدنيا، وفرحهم ببهرجها وزيفها فيقول:

"ما هذا التواني، والكلف بالوجود الفاني عن الدائم الباقي، والدهر يقطع الأماني، وهادم اللذات قد شرع في نقض المباني؟ ألا معتبر في عالم هذه المعاني؟ ألا مرتحل عن مغابن هذه المغاني؟ يا كلفا بما لا يدوم، يا مفتونا بغرور الوجود المعدوم، يا صريع جدار الأجل المهدوم، يا مشتغلا ببنيان الطرق، قد ظهر المناخ وقرب القدوم، يا غريقا في بحار الأمل ما عساك تعوم، يا معلل الطعام والشراب ولمع السراب، لابد أن تهجر المشروب وتترك المطعوم. دخل سارق الأجل بيت عمرك فسلب النشاط وأنت تنظر، وطوى البساط وأنت تكرب، واقتلع جواهر الجوارح وقد وقع بك النهب، ولم يبق إلا أن يجعل الوسادة على انفك ويقعد"19.

في ملاحظة أولية، يبدو أن هذه القطعة النثرية تدرج ضمن باب "الموعظة" وهو باب واسع في تراثنا العربي، تناولته أقلام خبرت الحياة، وجربت حلوها ومرها، صقلت أصحابها الخطوب، فراحوا ينهلون من تقلبات الأحوال، ويسطون هذه التقلبات في قطع إبداعية، تنم عن ذوق في اختيار التعابير، وعن دراية في العرض التصويري، المتجلي في توظيفات فنية تتراوح بين التشبيه والاستعارة والكناية وما شئت من ألوان المجاز.

ولعل الوقوف عند بعض التعابير يكفي للدلالة على أن النثر أيضا كان له نصب من الاشتغال على فعالية الخيال وتوليد الصور الجميلة التي ترقى بالمقول إلى الفضاء الجمالي المطلوب في كل كتابة خالدة.

يقول لسان الدين مثلا: "والدهر يقطع الأماني". إنه وصف وتشخيص في نفس الوقت لهذا الدهر الذي: (أ) وصف بالغدر (لا يدوم على حال)؛ (ب) شُخِّصَ بكائن شرس يحطم أماني الناس. بل ويقطعها قبل أن يسعد أصحابها بها. فكأنه يتركهم برهة من الزمن في حالهم، حتى إذا ما ألفوا هذا الحال، وصعب عليهم استبداله، إذا بالدهر يشهر آلة القطع، فيهوي بها على كل أمنية عذبة، ودون سابق إعلان.

ومن هذه الزاوية، تبرز ميزة الغدر عند الدهر، فهو يضرب بغتة، ويهلك ويسعى جاهدا إلى الإتلاف بعد الإيجاد والى النَّغَصِ بعد المسرة، وكأني به دائما يسيطر ويثبت المقولة الخالدة: دوام الحال من المحال.

وبما أن الدهر يتقلب، والإنسان هو الذي يدفع ثمن هذا التقلب، فقد آثر المبدع، مخاطبة الإنسان فناداه في حرقة: (1) يا صريع جدار الأجل المهدوم؛ (2) يا غريقا في بحار الأمل؛ (3) دخل سارق الأجل بيت عمرك؛ (4) لم يبق إلا أن يجعل الوسادة على أنفك ويقعد.

قامت هذه الرباعية على صور فنية مستقاة من جنس الموعظة فالأجل جدار، سيسقط لا محالة على المرء، فيصرعه، وكأن هذا الأجل يمتلك خاصية الهدم والفتك، إذ السقوط وحده، يكفي لفهم دلالة الزوال والاندثار.

وما دام في الأمر زوال واندثار، فبم سينفع الغرق في بحر الآمال؟ إنها دعوة إلى الرجوع إلى الله، والاكتفاء من الدنيا بقليل القليل، ولتجسيد هذا المعنى، وظف المبدع: الغرق، البحر، وأسقطها على "الآمال" التي يعيش لها وبها الإنسان، متناسيا موت الفجأة:

دخل سارق الأجل بيت عمرك. فالموت سارق والسارق يدخل في خفية ويباغت أصحاب الدار، حتى إذا ما صدرت عنهم حركة دفاع أو مقاومة بادر إلى كتم أنفاسهم: ولم يبق إلا أن يجعل الوسادة على أنفك ويقعد.

إنها صورة فنية وصفت وشخّصت الموت باللص الشرس الذي لا يتوانى عن سلب الحياة من صاحبها كلما حان وقت التنفيذ، فأين المهرب؟ ومم المهرب؟

ويصبح الأثر الفني مسوغا للتأثير الوجداني حتى وإن خالف الواقع، وارتكز على الخيال، واقتنص المعطى الجمالي في أقصى تجلياته، وتلك ميزة اللغة الأدبية المنفلتة من عقال المعيار إلى رحابة الإبداع، حيث التجسيد والتجسيم، وحيث القفز على حواجز اللغة العادية.

= = = = =

المراجع

1= عصفور جابر، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط 3، 1992، ص 326-327.

2= عبد الله محمد حسن، الصورة والبناء الشعري، دار المعارف، القاهرة، د.ت، ص 16.

3= القرطاجني، أبو الحسن حازم، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تقديم وتحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط2، 1981، ص 19.

4= هو أكبر أعياد الفرس، ومعناه بالفارسية اليوم الجديد. ينظر: الزبيدي، محمد مرتضى تاج العروس من جواهر القاموس، مادة (نرز)،دار ليبيا للنشر والتوزيع، 1966.

5= البحتري، الديوان، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1983، المجلد الأول، ص 147.

6= عبد الملك مرتاض، تحليل الخطاب السردي، معالجة تفكيكية سيميائية مركبة لرواية "زقاق المدق"، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1995، ص 265.

7= عبد الملك، مرتاض، القصة الجزائرية المعاصرة، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1990، ص 234.

8= التوحيدي أبو حيان، الإشارات الإلهية، تحقيق عبد الرحمان بدوي، القاهرة، 1950،ص 337.

9= هو أبو محمد، عبد الجبار بن حمديس، الأزردي الصقلي ولد سنة 447 هـ بجزيرة صقلية وتوفي سنة 537 هـ. ينظر: خفاجي، محمد عبد المنعم، الأدب الأندلسي التطور والتجديد، دار الجيل، بيروت، ط1، 1992، ص 785.

10= الصقلي بن حمديس، الديوان، تحقيق إحسان عباس، بيروت، لبنان، د.ت، ص77.

11= ابن زيدون، الديوان، شرح وتحقيق كرم البستاني، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1984، ص 46-47.

12= مطلعها: على قدر أهل العزم تأتي العزائم = = وتأتي على قدر الكرام المكارم.

اليازجي ناصيف، العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب، راجعه يوسف فرج عاد، دار نظير عبود، ط1، 1995، ج 2، ص 731-741.

13= سورة الإسراء، الآية 1.

14= العشماوي، أيمن محمد زكي، قصيدة المديح عند المتنبي وتطورها الفني، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1983، ص 206.

15= مندور محمد، النقد المنهجي عند العرب، منهج البحث في الأدب واللغة، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1996، ص 328.

16= عبد الملك مرتاض، تحليل الخطاب السردي، معالجة تفكيكية سيميائية مركبة لرواية "زقاق المدق"، ص 264.

17= عباس إحسان، تاريخ الأدب الأندلسي عصر الطوائف والمرابطين، دار الثقافة، بيروت، لبنان، ط 2، 1971، ص 311.

18= العيد يمنى، في معرفة النص، دار الأفاق الجديدة، بيروت، ط 3، 1985، ص 18. وينظر الهاشمي السيد أحمد، جوانب الأدب، مؤسسة المعارف، بيروت، د.ت.، ج2، ص205-206. وينظر في ذلك أيضا فروخ عمر، تاريخ الأدب العربي، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان،ط1، 1983، ج6، ص 503-504.

19= المقري التلمساني الشيخ أحمد بن محمد (ت1041هـ)، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، شرح وضبط وتعليق مريم قاسم طويل ويوسف علي طويل، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1995، الجزء 9، ص41-42. ينظر أيضا الهاشمي السيد أحمد، جوانب الأدب، مؤسسة المعارف، بيروت، د.ت. ج2، ص205-206. وينظر في ذلك أيضا فروخ عمر، تاريخ الأدب العربي، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط 1، 1983، ج6، ص 503-504.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3201865

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC