إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

وداعا أنسي الحاج

وهان فما أبالي بالرّزايا = = لأنّي ما انْتفعت بأنْ أبالي (المتنبي)

يقول لك النسر: ارحمني وخلّ صني بطلقة سريعة كرفّ ة العين، ولا تقتلني وأنت تقصّ جوانحي وتنتف ريشي ريشة ريشة. هكذا تنقضي المأساة فيهبّ الموت سريعا غاضبا كما العاصفة، ويرحل الشاعر بشموخ نسر عجوز، بلا جناح واهن ولا مكسور.

في 10 شباط (فبراير 2014) رحل جوزيف حرب. تربّص به مرضٌ لئيم لم ينل من روحه، لكنّ آثاره كانت بادية في الوجه والعينين. وفي 19 من الشهر نفسه، غادرنا أنسي الحاج، الرائق الخجول، عميق التّطلّع، مرفوع الجبهة.

أنسي الحاج العاري المقدّس والعاطفة البركانية خمدتْ ثم انطفأتْ قبل أن يبلغ النضوج الشعري مداه. لكنه منذ البداية عرف طريقه جيدا نحو الحداثة والشعر المنثور، وتمكّن من تحرير الشعر من لازمة القوافي دون أن يرتكب معصية المؤامرة على المتنبي أو التاريخ.

عاش الشاعر الراحل حرا جريئا طليق الفكر والإرادة واليد في كل ما يفعل ويقول، مسالما أيضا وخجولا ونظيف القلب والكف والوجدان. تولى إدارة التحرير في الصحف التي عمل فيها ورفع مداميكها حجرا فوق حجر، والحجارة التي أبعدها البناؤون تعهّدها واختارها أساسا يقوم عليه الصرح الذي بناه.

يشهد على نبله وتجرده معظم من عرفوه في عالم الفكر والصحافة. لكنّ الصحافة والسياسة لم تنل من اهتماماته بالشعر كما اختاره لنفسه، وكما أحبّه الكثيرون من روّاد النهضة الفكرية والأدب.

تعاقب على العمل في الزوايا الأدبية للصحف التي شرّفها بالعمل فيها بشهادة أصحابها أنفسهم. ومن هذه الصحف "الحياة" و"النهار" و"الأخبار". أصدر الملحق الثقافي عن جريدة "النهار" بالتعاون مع شوقي أبي شقرا. وأسس مجلة "شعر" مع أدونيس ويوسف الخال. ترجم الكثير من أعماله الشعرية إلى الفرنسية والإنكليزية والألمانية والأرمنية.

وحينما قدّم استقالة المتنبي من بلاط كافور، وأعفى نفسه من العمل في قصر الأمير، تنكرت له الحاشية فخانته في محنته وانتهزته في موته؛ دون أن يكون قد ارتكب معصية الهجاء ولا المديح. مهما جرى، فإنه إن كان قاسيا أحيانا، فهو لم يكن دمويا أو عنيفا، ولا حقودا يبيّت أمورا في الخفاء. لكنه كان أنانيا في عزلته وحزنه وغضبه وقسوته على نفسه.

كان لطيفا ورقيقا ومتواضعا بلا تكلف؛ يؤمن أن العالم جميل وواسع، واسع لكل البشر، يحسن ابتكار المفردة فيستخدمها؛ حتى إذا ما انتقد لم يتجنّ ولم يجرحْ. أثبت جدارته في الصحافة التي وسمها بأسلوبه الأدبي الجزل المميز، واستدعتْ منه يقظة مستمرة وجهدا متواصلا لا ينقطع ولا يهدأ.

كان يعرف منذ بداية مرضه خطورة ما يعانيه، لكنه كان شجاعا فلم ينهزم ولم يستسلم، وظل حتى النهاية والأيام الأخيرة يكتب ويبتسم ويتحدّى، وهو يدرك جيدا أن ساعاته باتت قليلة محسوبة.

ولن أكون بينكم

لأن ريشة صغيرة من عصفور

في اللطيف الربيع

ستكلل رأسي

وشجر البرد سيحويني

وامرأة باقية بعيدا ستبكيني

وبكاؤها كحياتي جميل

الشعراء أقمار الزمان في ليل هذا العالم. "يعيشون أكثر من الأحياء، ويموتون أكثر من الموتى"، وهذا ما فعله أنسي الحاج دون أن يشتم أو يقتل ودون أن يشهد بالزور ويكفر. رحل الشاعر الجامح، صاحب الضمير الحيّ والمفردة النبيلة، يحسن تدويرها فلا تؤذي ولا تجرح.

أنسي الحاجغادرنا أنسي الحاج في 18 شباط (فبراير) 2014 الساعة الواحدة ظهرا. رحل "دون أن يقتنع بعبثية شعوره وحقّه بالحياة فاستسلم وتنازل عن هذا الحق" طائعا أو مكرها لا فرق. كان، وقد تجاوز السبعين بسبع سنوات، يشعر أنه لم يتعد الثلاثين، فما انفك مستنفرا متوثبا مقبلا على التمسك بالمرأة؛ مشرق الوجه يبتسم استخفافا بالموت الآتي. لكنه فشل في الاحتفاظ بالجمال والتغلب على الموت، وغادر صفحات الصحف، ليستوطن في الذاكرة والكتب والشعر والتاريخ وضمائر الناس.

لم أكن محظوظا، فلم أقابل الشاعر مرة واحدة، ولم أتشرف بالتعرف إليه بصورة شخصيّة، فاكتفيت من أعماله بقراءة ما كان ينشر في الصحف ووسائل الإعلام. هكذا عرفته نسيجا من خصوصية شعرية. تمكن أن يحرّر مفرداته من الغايات، في حداثة شعرية وثورة على المفهوم والإدراك والقيم المألوفة، ليعجن حداثته ويصوغها في قوالب مبتكرة وفق ما يشتهي ويرغب.

هذا المنحى الشعري أنكره الكثيرون، ونازك الملائكة من هؤلاء الشعراء ممن أنكرت على أنسي الحاج ومحمد الماغوط أن يكون ما يقوله الرجلان شعرا. وتناولتْ مثالا على ذلك "حزن في ضوء القمر"، قصيدة من بدايات محمد الماغوط، "تبرق كالمصباح كامرأة عارية". وأنسي لا يختلف كثيرا في أسلوبه عن الماغوط وهو يتوجه بقوله للمسيح:

أأنت المسيح صاحب قصة لعازر؟ إذن تفضّل.

الألفا سنة فاصل طويل. معنا ضعف نظر ولم نعد نراك.

المسافة شاسعة. اقترب وادخل. هذا وقتك. لن يكون لك وقت أفضل. إذ لم تجئ الآن فلا تجئ بعد ذلك. الحاجة إليك الآن.

نريد أن نعرف. نريد أن يقول لنا أحد ماذا نفعل، أين الحقّ، لماذا نعيش، من هم هؤلاء ومن هم أولئك.

نريد أن يقول لنا أحد من نحن، ولماذا يضربوننا، ويكذبون علينا، ويجوّعوننا، ويبّشعون حياتنا، ويهدرون مستقبل أولادنا، ويعهّرون الحياة من بابها إلى محرابها.

نريد أن نعرف منك أنت مع من؟

نريد أن نعرف موقفك من اليهود، موقفك من إسرائيل، موقفك من العرب، موقفك من الغرب، موقفك من الزنوج، موقفك من الحب، والجنون، والطب، والعمل، والمال، والحرب، والعائلة، والبابا، والعقائد، وموت الأطفال، والأمم المتحدة، والفنون، والشعر، والجنس، ومسيحيي لبنان، وسوريا، والأردن، ومصر، والسودان، والعراق.

تعال.

الناصرة تنتظر.

بيت لحم تنتظر.

القدس تنتظر.

جبل الزيتون ينتظر.

الجلجلة تنتظر.

فلسطين تنتظر.

العالم كله ينتظر.

تصدّع كبده وأنهكه المرض، والمسيح لم يلبّ دعوته ويأت إلى الأرض في معجزة أخرى وقيامة جديدة. خاف أن نستخفّ أو نغدر به ونصلبه من جديد. يئس من إصلاحنا، فعلام يجرّب ويهرق دمه ليفتدينا مرة أخرى؟ لكن المسيح المخلّص هو من دعا أنسي إلى ملكوته. قال له: "لقد تألمت وعشت ما يكفي من الأوجاع، وآن لك أن ترتاح، فتعال أنت إليّ".

حفّتْ به الملائكة في موكب مهيب، وأنشدت له الترانيم الرخيمة احتفاء بوصوله إلى الفردوس. فرح بقدومه السيد المسيح، وهيّأ له مكانة مرموقة بين الشعراء ممن سبقوه إلى السماء، وخسرتْ مملكة الشعر في الأرض شاعرا كان يبيع "الخواتم" المرصعة بكلام يأسر القلب ويخطف الأبصار.

كتب يوما يقول: "أنا ممن يعتقدون بالعقل الباطن والحلم والخيال العجيب المدهش، والسحر والهذيان والصدفة وما بعد الواقعي، ولي اهتمامات بالجوانب المثيرة، والانحرافات العصبية والعقلية والنفسية. ‬وأعتبر أن منطقة النفس البشرية أعمق وأكثر تفوقا ‮ ‬من أن‮ ‬يحيط بها أو‮ ‬يحصرها طب نفسي‮ ‬يظن في‮ ‬يده المفاتيح لأبواب هذه المنطقة وعلاج أمراضها‮".

ربما استنادا لهذه العبارات القليلة، يمكن أن نلقي بنور خافت آت من نهاية نفق بعيد، على شخصية أنسي الحاج المتمرد المتوجّس المهووس.

ولد الشاعر في قيتولي إحدى قرى جزين عام 1937، البلدة المشهورة في جنوب لبنان بغزارة المياه وعذوبتها وطيب هوائها، وابتكار التحف والمنمنمات الصناعية البديعة. أبوه مترجم وصحافي، وأمه ماري عقل من عائلة ثرية بالمبدعين. استهل بدايته مع الصحافة في الخمسينات ثم الترجمة والمسرح، ليستقر ويطوب شاعرا بارزا في عالم الفكر والإبداع.

من آثاره الأدبية مجموعات شعرية، "الرأس المقطوع"، "ماضي الأيام الآتية"، "ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة"، "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع"، "الوليمة ". وله كتاب مقالات في ثلاثة أجزاء هو "كلمات كلمات كلمات"، وكتاب في التأمل الفلسفي والوجداني هو "خواتم" في جزئين، ومجموعة مؤلفات لم تنشر بعد.

كان وداع الشاعر بسيطا كما أحبه الراحل، فأقيمت الصلاة عن روحه، في كنيسة مار يوسف الحكمة، في العاصمة بيروت على نحو متواضع يشبه حياة الرجل. شارك في العزاء عدد من المثقفين والشعراء ورجال الدين والفنانين. وسط ثياب الحداد السوداء، كانت تتوالى إلى الكنيسة أكاليل الورد البيضاء، أحدها من السيدة فيروز صاحبة الحظوة الأغلى في قلب الشاعر. اكتفتْ بكلمتين اثنتين على الإكليل. قالت له: "وداعا أنسي".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3226064

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC