سمية زين - الإمارات العربية المتحدة

نبض الحياة ونص آخر

نبض الحياة

بقيت مستيقظة طوال الليل تداوي ألم قلبها الذي فُتح جرحه قبل دقائق عندما أعلمها الطبيب بقرب انتهاء حياة خالد الذي اعتبرته ابناً لها قبل أن يكون طالباً في مدرستها.

سحبت الغطاء وغطت وجهها عندما تناهى إلى مسامعها طرقات باب هادئة.

لقد تظاهرت بالنوم حتى لا تحدث ضجة في المنزل كالضجة التي أحدثتها عند طلاقها من نعيم، الذي وهبت له كل ما تملك.

تخلت عن حياتها وسعادتها من أجله ليكافئها على ذلك بخيانة تهتز لها السماء قبل أن يهتز لها قلبها الذي شارف على السقوط إلى الهاوية التي تفتح فكها في كل مرة.

"سارة، هل أنت نائمة؟"

لم تردّ، فصوتها سيكون كاشفا لما يعتريها من حزن. فضلت الصمت على الكلام، أحكمت الشد على الغطاء عندما وصلها صوت أمها القلق من خلف الباب:

"إني داخلة".

أم مع ابنتهادخلت وخطت ناحية فراشها. تلمست خصلات شعرها السوداء المطلة من تحت الغطاء. أحست سارة باهتزاز سريرها نتيجة جلوس أمها على الحافة.

أمها كانت الشخص الوحيد الذي بمقدوره أن يكشف حزنها وبنفس الوقت بمقدورها مداواته بكلماتها التي تنساب إلى أذن سارة ناعمة كموسيقى هادئة.

أرادت سارة أن تقاوم لطف والدتها، أن تقاوم دموعها، أن تكتم انتحابها ولكن ليس لها المقدرة، فالدموع غادرة، والصوت خائن، ولطف أمها ساحر.

كل هذا يدفع سارة إلى نفض الغطاء ودفن رأسها بحضن أمها حتى لو تجاوزت سارة سن ثلاثة وعشرين عاما.

انهارت باكية، رفعت رأسها تتفحص ملامح أمها الباسمة، عتمة عينيها، ولمعان شعرها كسبائك ذهبية نادرة، جعلت من أمها شخصا مختلفا.

هذا الذي ما تزال سارة متمسكة به إلى الآن. أمها هي الطاقم الوحيد التي تعتمد عليه سارة بعكس دفة الحياة لصالحها حتى تتجاوز كل العوائق، وكل العواصف التي لم تبق لها سوى شراع قلبها الممزق الذي يوشك على الانهيار.


سكون بعد العاصفة

"أيها الشيطان، اخرج من هنا".

أخفض عينيه إلى مستوى الزجاج الذي نال حظا كبيرا من جسده، ثم ارتدى معطفه وخرج من المنزل إلى حيث لا مكان.

الجو كان باردا كبرودة قلب أخته التي تزيد ألمه وجرحه بموت والديه بافتراء كاذب بحكم أنه من أم أخرى غير تلك التي أنجبتها.

ما عاد محتملا لها في كل مرة. حان له أن يتحرر من قيوده، ومن أحزانه، ومن كآبته التي تظله في كل مكان.

نظر إلى السماء سامحا لقطرات المطر، التي تعانق الأرض بشغف، بتبليله واللعب به كيفما تشاء. نزع معطفه ولم يبق عليه سوى قميص رث يستر جسده فقط. همس بلهجة باكية:

"تساقطي حبات المطر، فما عاد لي من مفر".

وكأن حبات المطر تستمع إلى ما يقوله فينهمر المطر غزيرا، لتلفحه رياح باردة تدفع جسمه إلى الارتعاش، بينما هو لألف سبب يشعر بالانتعاش فجأة.

تلك الرياح لا تختلف إطلاقا عن موجة الرياح التي تلقاها في أول مرة عندما كان في السادسة، فموقفه الآن مشابه تماما لما حصل قبل عشر سنوات. اختلاف صغير كان متمثلا بطرده من قبل والده الحقيقي. أما هذه الليلة فلقد طرد من قبل أخته التي كان يعتبرها كأم قبل أن يعتبرها كأخت.

خطا خطوتين ببطء. الكل من جانبه يفر ويغطي رأسه بأي شيء يحميه من المطر. وحده المجنون الواقف ببلاهة وسط المطر، يفرد ذراعيه وكأنه يودّ الاحتضان.

تقدم أمامه طفل، تفحص ملامحه بدقة. شعر أسود كثيف وعينان تبرقان وسط الظلام، الابتسامة الجذابة التي رسمها الصغير على شفتيه بدت له كبريق الأمل.

توقف عن الشرود، وجلس القرفصاء وهو يتأمله، بينما الصغير أخذ بالابتسام أكثر وأكثر حتى لاحت أسنانه ناصعة البياض.

مدّ يده ومسد على شعره، وتحولت تلك الابتسامة إلى تساؤلات تنتظر إجابة مباشرة. ولكن إجابة الشاب جاءت غير متوقعة: نظر إلى السماء هذه المرة بسعادة تمثلت بضحكة انتشلها من رواسب الألم التي تكدست بقلبه خلال السنوات العشر الماضية.

تلاشى مستنقع أفكاره الغريبة المجنونة بالانتحار مخلفا كل شيء كان يأمله. فقط بهذه اللحظة تبدلت أفكاره إلى خيوط أمل نسجت بسرعة عند لقاء هذا الصغير الذي شارك الشاب بالضحك بدون معرفة لما يجري معه.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3310001

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC