مهند فوده - مصر

جعله الحب مجرما

مهند فودهوقعت عيناه عليها في حفل استقبال أقامته شركة سياحية كبرى بمناسبة افتتاح الموسم السياحي الشتوي ودعت إليه كل العاملين بمجال السياحة. إنها فتاة جميلة، أنيقة، تتألق بين الحضور كما النجمات، ورغم أن المكان كله يعج بالحضور، إلا أنه منذ أن وقعت عيناه عليها حتى تعلقتا بها أينما حلقت بين طاولات الحفل وأينما حطت بجناحيها. وكأن الحفل كله خلا من سواها وقد غادره الكل، فبقيت أمام نظره وحدها تضحك وتتسامر وتتحرك كفراشة ضلت طريق الحقول مساء لقاعة حفل.

وعندما لاحظ احد أصدقائه متابعته لها، همس في أذنه ساخرا وبكلمات حاسمة: "لن تصلح معك، ابحث عن غيرها".

عندها فقط حوّل نظره إليه باستنكار يسأله: "ولماذا؟"

رد عليه: "تقدم العشرات لخطبتها ورفضتهم جميعا، وما احد يدري لذلك سببا".

أطلق نصيحته تلك على مسامع متابعها وعاد لاستكمال حديثه مع آخرين، لربما ينتشله من خوض غمار تجربـة محكوم عليها بالفشل قبل بدايتها، وبدلا من أن تحقق النصيحة أهدافها، إذا بها توقد نار التحدي في قلب متابعها، وقد عزم أن يخوض غمار التحدي للفوز بها.

خلال أيام قليلة تلت الحفل، كان يفاضل بين ثلاث خطط لغزوها طالما أن أسوارها منيعة لهذا الحد ويصعب بالطرق التقليدية اقتحامهـا. مؤمنا أن للغنيمة الأصعب لذة لا تقارن بعد أن يكافح طويلا من يظفر بها.

طرق كل الأبواب التي تقود لمعلومـة عنها، جمع ملف استخباراتي كامل مرتب بعناية يحتوي كل ما يخصها، واستغرق في إعداده ما يزيد عن أسبوعين، وقد ساعده زملاء مشتركون وصديقات جندهم خصيصا لينقلوا له كل أخبارها.

أسس شبكة استخباراتية كبيرة تهدف للسطو على قلبها، عزم ألا يسلك طريقا اعتياديا سبقه العشرات نحوها. علم أنها رومانسية الطباع وان لا مدخل لها سوى قلبها.

وجدها تشاركه ذوقه الأدبي والقراءة للعديد من الروائيين والأدباء العرب الذي يفضلهم هو أيضا، لربما يساعده هذا في اختزال المسافة بينهما و يختصر الكثير. هذا ما كان يمني به نفسه، ومتسائلا في الوقت ذاته: أي من مدارس الحب عليّ أن أختار لأظفر بقلبها؟

قرر أن يصنع لحبه مدرسة جديدة، تكون مرجعا لكل فرسان العشق من بعده. على أن يدمج فيها كل ما أبدعه أكبر كتاب الأدب وكل ما استخلصه من روايات الأدب العاطفي، وسيضيف إليها بعض حيّل الروايات البوليسية التي يعشقها أيضا إن لزم الأمر.

انتهى من إعداد خطة متعددة المستويات يتم تنفيذها على ثلاث مراحل. وسرعان ما حانت ساعة الصفر. كانت المرحلة الأولى تقوم على غزو بريدي مباغت، بمحاصراتها بالرسائل الورقية والإلكترونية، فأينما تحل سيصلها منه رسالة.

في اليوم الأول وعلى زجاج سيارتها وجدت بطاقة سطر فيها:

"تورّطت في عشقك.. فأحبك قلبي .. وانتهى الأمر".

في ذات المساء، تحت باب منزلها وجدت رسالة ورقية كتب بداخلها:

"لم أسأل قلبي لماذا أنت دون نساء العالم؟ ما عادت تعنيني الإجابة ولا تغريني التفاصيل".

في صباح اليوم الثاني أمام باب منزلها وجدت رسالة أخرى مرفقة بباقة من زهور التيوليب البيضاء كتب فيها:

"كنت أظن أنني أختار من بين الباقات الأجمل.. واكتشفت أن بجوارك لم تخلق بعد زهور أجمل".

قرب غروب الشمس وبينما تجلس في مقهاها المفضل، باغتتها بأخرى مطوية أسفل فنجان القهوة سريعة التحضير خط فيها:

"لا تبالغي في وضع قوالب السكر.. أشفق عليهم ذوبانا.. فقد سبقتها وما زلت معلقا بقعر فنجانك".

واستقبلت رسالة مسائية على بريدها الإلكتروني كان نصها:

"اشتقت إليك حد السماء.. ألا تذكريني؟ لقد ناجيتك ليال عديدة قبل قدومك للأرض".

وفي صباح اليوم التالي عندما تفقدت حسابها على فيسبوك، وجدت رسالة من مجهول تقول:

"ثمة مشاعر نشعر بها.. وتعجز اللغة أحيانا رغم ثرائها أن تعبر عنها.. ما بداخلي نحوك.. أكبر من أن يسجن في كلمـة أو يصفه نص".

استمر الغزو البريدي قرابة ثلاثين يوما، كان متوسط ما يبعث لها من رسائل يومية يتراوح ما بين ثلاث إلى أربع رسائل، تحتوي على عبارات غير مقتبسة، ولم يسبق أن صنعت لأنثى من قبل.

أرهقته وكلفته تلك المرحلة كثيرا، ولكن احتمال نجاح مهامها سيمهد للمرحلة التالية. كانت عميلاته القريبات منها ينقلن له ردود أفعالها أولا بأول، كانت تبدي لهم انزعاجـها من رسائله، وقد صار الجميع يعرف بأمر هذا المحب المجهول الذي يطاردها.

كان حدسه يخبره أنها الآن ينتابها مزيج مختلف ومتناقض من المشاعر، إلا أن فضول الأنثى بداخلها يكاد يفترسها لتعلم هوية مرسل تلك الرسائل، هكذا أخبرته نتائج دراسته لتحليلها النفسي.

بعد انتهاء شهر كامل، قرر التوقف فجأة، التوقف بعد الإغراق بطوفان الرسائل سيكون مؤثرا بلا شك، وهنا تبدأ المرحلة الثانية. بعد يومين، نما إلى علمه ما يفيد بأنه ينتابها طقس من المزاج السيئ، لقد قللت من نشاطها المعتاد بعد أوقات عملها، وتكاد تلتزم البيت.

عزاه نجاحــا لما خطط له، وأن تلك أعراض الانسحاب من رسائله التي أدمنتها رغما عنها. مباغتة رسائله لها صارت جزءا من يومها وإن كانت تبدي رفضا لها.

بعد خمسة أيام من التوقف، رأف لحالها حينما علم أنها أقدمت على إجازة مرضية لعدة أيام، قرر مراقبة تحركاتها حتى يشرع في تنفيذ المرحلة الثالثة والأخيرة ويبادر باقتحامهــا.

انتهز فرصة خروجها من البيت، فتابع مسيرها بسيارته، وفي احد مراكز التسوق القريبة من بيتها، قرر استيقافها، عرّفها بنفسه واخبرها بإعجابه بها منذ أن رآها في تلك الحفل دون أن يصرح لها بأنه هو ذاته الأديب المجنون الذي يلاحقها برسائله.

ببرود وبجفاء رحبت به، ولم تبد تجاوبا طويلا معه، فسرعان ما أنهت اللقاء سريعا متذرعة بضيق وقتها وغادرته.

رغم جفاء لقائه الأول بها، لم يفقد عزيمته، التمس لها الأعذار لربما تكون معلقة بحب مرسل رسائل الحب ولا تعلم أنه هو مرسلها. لاحقها أكثر من مرة عبر المكالمات الهاتفية حتى امتنعت تماما عن الرد. قرر إخبارها في رسالة نصية أنه هو صاحب الرسائل المجهول وعن نيته الزواج منها، لربما يلين موقفها أمام صدق مقصده، ولكن خاب أمله حينما عنفته بلهجة شديدة حينما حادثها من رقم آخر، وصارت تتجنب الرد كل على الأرقام مجهولة مصدر.

منيّ بالفشل، هكذا بدأت يتسلل ذاك الشعور إلى نفسـه، خسّر التحدي، وزاد عدد من رفضتهم واحدا، لقد حاول أن يجعلها تتعلق به وتؤسر بحبه، فتعلق قلبه بها وصار بحبها مدمنا و أسيرا.

لم تفلح مدارس أدبائه المفضلين في أن تحرز تقدما في قضيته. قرر أن ينحي الأدب جانبا ويتجه للروايات البوليسية. أوحت له بأفكار متطرفة بعض الشيء، تحمس لها كثيرا خاصة أنه لم يعد متاحا أمامه بديل، آملا أن تدفعها لتقبّل حبه، وتبديل موقفها نحوه.

بعث لها رسالتي تهديد بخط يده كان صادقا فيما سطره فيها لحد كبير:

الأولى:

أحببتك حد المرض.. حد الجنون والهوس.. لم أتعلق بأمي مثلما تعلقت بك.. بل لم أبال عندما تركتني صغيرا لدى جدتي وسافرت بعد أن تزوجت فور انقضاء عدتها بعد رحيل أبي..

متعلق بك أكثر.. أكثر من ارتباط الروح بالجسد.. يراودني هاجس دوما ما يلح عليّ إنك لن تكونين لي.. وحينها لسوف أقدم على الانتحار..

لا تحزني لأجلي، فلن أتركك وحيدة، سأبحث عنك لتشاركيني الموت.. طالما لم تفلح في أن تجمعنا حياة..

الثانية:

لقد جننت.. أدرك هذا.. ما عاد هذا اكتشافا.. دفعني الحب إلى إدمانك.. وأفضى بي الإدمان للجنون.. فلا تتعجبي مما صارت إليه حالتي.. فإما أن تداويني.. وإما أن تجنّي معي.. أو نرحل من الدنيا معا.. أمامك يومين للاختيار.. وإلا سيكون لي وحدي القرار..

في مساء استلامها لرسالته الثانية، كانت الشرطة قد أصدرت أمرا بالقبض عليه، وأودعته أحدى مراكزها بتهمة التهديد بالقتل، أخبر المحامي ذويه أنه سيعرض على النيابة في صباح اليوم التالي، ومن المحتمل أنها ستحيله إلى احد المصحات النفسية لتتبين مدى سلامة قواه العقلية.

أما هي ففي تلك الليلة التي أودع فيها مجنونها محبسا مظلما وغاب عن سمائها القمر، كانت الزينة والأنوار تضيء بيتها ممتدة بطول الشارع التي تسكن فيه، تتردد في جنباته أغاني الأفراح والزغاريد. ففي جو من البهجة كانت تحتفل بخطبتها على من كانت تحبه لعامين، فقد حفز اقتحام المجنون حياتهـا، حبيبها على الإسراع والتقدم من أبيها لطلب يدها.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3205610

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC