د. عدلي الهواري

التياران الإسلامي والعلماني وهزيمة 1967

د. عدلي الهواريثمة رأي منتشر في أوساط الأكاديميين المهتمين بالعالم العربي مفاده أن التيار العلماني في الدول العربية هزم في هزيمة الأنظمة العربية في حرب حزيران/يونيو 1967، وأن صعود التيار الإسلامي بدأ بعدها وبسببها.

على سبيل المثال، جون اسبوزيتو (1999، ص 655)، وهو من المدافعين عن الإسلام في الوسط الأكاديمي، يقول: إنه تم خوض حرب 1967 "باسم القومية العربية والاشتراكية. والهزيمة المنكرة نزعت مصداقية القومية العربية (...) وكانت حافزا أوليا للصعود الإسلامي".

وفي الآونة الأخيرة، عبر عن رأي في هذا الاتجاه أسعد أبو خليل، الأستاذ في جامعة ولاية كاليفورنيا، ستانيسلاوس. وكان ذلك في مقالته الأسبوعية في صحيفة «الأخبار» اللبنانية (25/1/2014)، فقال: "وصحيح أيضاً أن خسارة 1967، التي لا تعوّض، دفعت بالكثيرين إلى وضع الآمال الكبار في «حل إسلامي» غير محدّد المعالم"[1].

هذ الرأي المعبر عنه بكلمات مختلفة وجوهر واحد صحيح جزئيا في أفضل الحالات، وقد ينطبق على الوضع في مصر أكثر من بقية الدول العربية، لأن الدليل التاريخي يناقضه، فما جرى بعد هزيمة 1967 كان انتعاشة للأفكار العلمانية ممثلة بصعود ظاهرة المقاومة الفلسطينية.

لكن قبل التوسع في نقدي لهذا الرأي الذي يتكرر رغم مجانبته الصواب، أود أن أشير إلى أن وصف التيارات الأخرى غير الإسلامية بأنها علمانية ليس دقيقا، فالدول العربية (باستثناء لبنان) تحدد في دستورها دين الدولة، حتى في دول حكمتها أحزاب غير إسلامية كحزب البعث في سورية والعراق.

ومصطلح العلمانية مختلف أساسا على صوابه لغويا قبل رفضه مفاهيميا، وجرت محاولات لتمييزه بالقول إنه يلفظ عَلمانية بفتح العين وليس كسرها (أي ليس نسبة إلى العِلم). وأذكر مقالة لا يمكنني الآن توثيقها للكاتب إياد إبراهيم القطان شرح فيها المفهوم واقترح استخدام مصطلح "العالمانية"، فهذا في نظره يعكس مقصد المفهوم. ويبدو أن مصطلح "الدنيوية" قد بدأ يستخدم كبديل للمصطلح المختلف عليه لغة ومفهوما. والنقطة الأخرى التي تستوجب التوضيح هي أن مفهوم العلمانية يفهمه البعض معاداة للدين، ويعتبره بعض الإسلاميين كفرا.

أما المقصود بالعلمانية في هذه المقالة فهو مبدأ الفصل بين الدين والدولة، وينطوي ذلك على احترام حقوق وحريات الاعتقاد والعبادة. وقد بينت أحداث السنوات الثلاث الأخيرة في الدول العربية أن مبدأ فصل الدين عن الدولة، بالمعنى المذكور هنا، يحميهما من الاستغلال، والمزج بينهما يؤدي إلى إفساد الاثنين.

ولكن غاية هذه المقالة ليست مناقشة مفهوم العلمانية وترجيح كفة فهم على آخر، بل مناقشة الرأي الذي يقول إن هزيمة 1967 هي بداية انحسار التيار غير الإسلامي (العلماني)، وصعود التيارات الإسلامية.

ربما أثرت هزيمة 1967 على التيار العلماني في مصر ممثلا بالناصرية، بالنظر إلى صراع جمال عبد الناصر مع الإسلاميين، فمن المعروف أن الهزيمة جعلت عبد الناصر محل شماتة كثير من الإسلاميين في مصر وخارجها، بدلا من الغضب نتيجة احتلال أراض من بينها القدس، التي تمثل قيمة دينية كبرى للإسلاميين.

بعد هزيمة 1967 كان معروفا عن المنتمين للتيارات الإسلامية استخفافهم بحركات المقاومة الفلسطينية، ورفضهم الانضمام إليها، أو تأسيس منظمات خاصة بهم، لأنهم لم يعتبروا المقاومة جهادا، وفضلوا أيضا الدعوة على الجهاد. ولذا، لم تكن لهم شعبية يعتد بها مقارنة بفصائل المقاومة الفلسطينية، كحركة فتح أو الجبهة الشعبية. ومنظمات المقاومة العديدة لم يكن بينها منظمة إسلامية التوجه والمرجعية. ومع أنه صحيح أن بعض الإسلاميين شاركوا في المقاومة الفلسطينية، إلا إن ذلك كان من خلال حركة فتح، وليس كتيار إسلامي مستقل، وتوقفت هذه المشاركة عام 1970.

وبعد ظهور حركة المقاومة الفلسطينية بعد هزيمة 1967، طُرحت وانتشرت فكرة الدولة الفلسطينية الديموقراطية كهدف للمقاومة. ولزيادة انتشار هذا الهدف بين الجماهير تم التعبير عنه في أغنية يقول أحد مقاطعها:

وهدفنا دولة فلسطينية

وفلسطين دولة ديموقراطية

لا إرهابية ولا عنصرية

تجدر الإشارة هنا إلى أنه لم يسخر أحد في ذلك الحين من ذكر الديموقراطية في شعار يحدد هدف المقاومة، في حين أن السخرية من ذكرها كهدف لمحاولات التغيير شائع هذه الأيام من بعض اليساريين ومؤيدي القضية الفلسطينية. وقد ظلت المقاومة الفلسطينية محافظة على هذه السمة من "العلمانية"، رغم تغير الأهداف والشعارات على مر السنين.

إذن كيف يمكن تفسير تغير الوضع وظهور منظمات إسلامية قادرة على منافسة سابقاتها "العلمانية"؟

العامل الرئيسي هو نجاح ثورة إسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني عام 1979. هذا النجاح أظهر للإسلاميين في العالم العربي أن الفعل أهم من التنظير وانتظار نضج الظروف، وإعطاء الأولوية للدعوة، إلى آخر ذرائع الإسلاميين في الماضي.
وراجع الإسلاميون في فلسطين أنفسهم، فأدركوا أنهم يجب أن يمارسوا المقاومة كما مارستها من قبلهم المنظمات غير الإسلامية. وهكذا نشأت حركتا الجهاد الإسلامي وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وكان هذا في الثمانينيات.

وبناء على ما سبق، لا يمكن أن يكون صحيحا أن تراجع التيار العلماني بدأ مع هزيمة 1967، أو بسببها. فلماذا انحسر التيار "العلماني" إذن؟

الانحسار ناتج عن سوء إدارة القضايا التي ناضلت من أجلها التيارات غير الإسلامية، وعلى رأسها قضية فلسطين، وتسلل الترهل والفساد والتخلي عن المبادئ والأهداف. ولذا عندما ظهرت المنظمات الإسلامية كانت تبدو "أنظف" من تلك المنضوية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية. وحصل تبادل للأدوار، وتغيير للمواقع، فأصبح الإسلاميون يؤمنون بالفعل والكفاح المسلح، واصبح مناضلو الماضي مهتمين بالمفاوضات السرية والعلنية.

هناك المزيد من العوامل، ومنها عودة الإسلاميين الذي قاتلوا في أفغانستان إلى بلادهم، واللجوء إلى تأسيس منظمات تعطي الأولوية للعنف في إحداث التغيير. ولكني سأكتفي بالتركيز على ما بدأت به، وهو العلاقة بين انحسار التيار "العلماني" وحرب 1967.

طبعا لا أعتبر الإسلاميين كتلة واحدة متجانسة، فمثلما كان بين التيارات غير الإسلامية تنوع رغم أن الهدف المعلن واحد (تحرير فلسطين)، هناك اختلاف بين المنظمات الإسلامية، وداخلها أيضا. وقد وصل الوضع في سورية إلى حد الاقتتال بين الجماعات الإسلامية.

الخلاصة إذن هي أن هزيمة 1967 لم تكن سببا في انحسار التيار العلماني، وتحديدا في منطقة بلاد الشام، بل انتعش التيار غير الإسلامي وبلغ أوجه ممثلا بحركة المقاومة الفلسطينية التي تمتعت بتأييد كبير عربيا وعالميا. ومن المكن جدا أن تنحسر التيارات الإسلامية مثلما انحسرت غير الإسلامية. وأحداث السنوات الثلاث الماضية في الدول العربية قد تكون بداية الانحسار، فالصورة المثالية لما هو مقاوم أو إسلامي وخلافه تتأثر بالممارسات على أرض الواقع.

= = = =

أبو خليل، أ. (2014، 25 كانون الثاني/يناير). "نوبة الدين". «الأخبار». على الرابط التالي (شوهد في 2014/1/25):

http://www.al-akhbar.com/node/199355

Esposit, J. L. (1999).“Contemporary Islam: Revolution or Reformation?” In Esposito J. L, ed., The Oxford History of Islam. New York: Oxford University Press.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097151

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC