نورة عبد المهدي صلاح - فلسطين

قصة من هذا الزمن

نورة صلاحهربتُ إلى المقهى الوحيد الذي أعرفه في تلك المدينة، طلبت كأس شاي بالنعناع لأريح أعصابي الهشة، بعد أن أنهكني نقاشي العقيم معه، وجف حلقي وأنا أبتلع كلماتي لصده المتكرر لي.

اخترت الطاولة البعيدة لأعيد الهدوء إلى نفسي، بحثت عن قلمي لأسلي وقتي حتى يجهز ما طلبته، أخربش على ورقة مكتوب عليها اسم المقهى " كان زمان"، أخرجت من محفظتي بطاقة فيها عنوان مكتبه واسم الشارع ورقم العمارة، عنوان سأمنع نفسي إن زرت المدينة أن أمر في شارعه أو أفكر بالنظر لأعلى تلك العمارة حتى لا أقرأ في صدر السماء خيبتي، بعد أن كنت أعتلى درج البناية القديمة لأراه وكأني أعتلى سلماً للسماء أقطف حلماً تلو آخر.

لن أمر من أمام دكاكين اشتري لي الحلوى منها، ولن أحلم لو أكون طفلة يقدم لها غزل البنات، أو أنثى تتلهف للرقص معه في حفلة تحت المطر.

شابة قي مقهىيجلس مقابلي شاب وسيم وفتاة لبس الخريف ملامحها، تبكي بحرقة كبيرة، يتوه بنظره ما بينها وما بين فتيات يجلسن بالمكان، عيناه لم تفارقهن، يتابع هاتفه أكثر مما يتابع دموعها المنهمرة، هي تبكي أمام حائط يتجاهل ما فيها، لا أعرف لماذا تبكي.

ربما هي مثلي تركت بهمومها أمام حائط أبكم، لا يصد ولا يرد، ربما هي صورتي الأخرى التي هربت من رؤيتها لأجدها أمامي في المقهى مرتدية ثوبي الجميل وحزني الدفين.

أشحت بوجهي عن مشاهدتها وتذكرت نفسي المبتهجة أول مرة أتيت فيها لهذه المدينة حتى ألقاه بشوق كبير، وآخر مرة أزورها لأعود محملة بألم أكبر.

قـُدم لي كأس الشاي الذي طلبت لأعود بأفكاري إلى طاولتي وسمعي ونظري يحملاني لتلك التي تبكي، شربت الشاي واستعدت عافيتي المنهكة، تملكني الدفء وقوة لا أعرف من أين أتت لأقف وأخطو نحوها طارقة طرف طاولتها قائلة:

"البكاء أمام الجدران لن يحركها، دموعك لن تجعل من الصمت موسيقى مبهرة"

دون أن أنتظر ردة فعل أو إجابة منها، عدت لمكاني وأنا على يقين تام أني هشة مثلها باكية حتى لو ارتديت ثوب النصيحة والخبرة الزائفة.

طلبت قهوة مُرة لأعدل مزاجي، فوراء الصدمة نشرب قهوة مُرة، بُنها محمص على نار قلوبنا المحترقة، ندندن بألحان تجرح عمق المعاني فينا، ننام طويلاً، نبحث عن مخرج مما نحن فيه حتى لو كان من خرم إبرة، وبالنهاية ننسحب بكل أنواع الخيبة.

لملمت ذاتي وخرجت من المقهى، أسير بتباطؤ في مدينة تكتظ بغرباء يسيرون وبداخلهم همٌ ما، يتربص بهم الخوف وتعلو عيونهم نظرة عتاب، لا أحد يقدم اعتذاره إذ صدمك.

مشيت وحيدة حتى أحسست أني صرت أقصر مما أنا عليه، وكأن الشوارع تأكل مني وتمحو معالمي، لذت بالفرار قبل أن أتساوى مع الأرصفة السوداء، وتخنقني روائح عوادم السيارات، مدينة لا تشبهني مزدحمة ببذخ المقاهي وعشاق الموديلات، وإفلاس المشاعر قبل الجيوب.

نزلت الشمس عن أكتافي ولم أعد أرى ظلا لي، شددت خطوي لموقف السيارات المظلم في الطابق الثاني وسط المدينة، لأعود من حيث أتيت. تركت ضجيج ما حدث وكل ما قلناه وما لم نقله، أخرجت من حقيبتي مرآه شهدت عودتي من هذه المدينة، كنت أترك عليها وجهاً مبتسماً منيراً. بالأمس فقط تركت على مرآتي صورة طفلة مبتهجة متلونة بعشق مثير، ومساء اليوم تركت عليها صورة لعجوز حزينة.

**

وصلت للبيت بعد عراك الأسئلة والمسافات والذكريات، خبأت وجهي المتوجع وابتسمت، انتظرت الليل حتى يهبط، كانت سماء الليلة الأولى مطفأة، وسطوع كلماته في داخلي انطفأ، فقد سقط ادعاؤه حين قال ذات ليله سمر إنه شمسي وقمري. أتى لألقاه يذهب، وعندما أحببت أن أتدفأ بنوره أحرقني، لذا أوصيه بأن يكون نجمة أفضل لي وله، يغيب نوره في مجرة الكون الكبير، ولنترك القمر وشأنه، والشمس لكادحين ينتظرون في شروقها أمل جديد يتحقق لهم.

**

في صباح اليوم التالي، شمسٌ متعصبة للشرق حيث موعدها الأزلي مع الحياة، نهار قصير عاجز بلا أرجل ولا أيد، أمواج من غير بحر، انفلتت لتحدث فوضى بكل ثابت، سماء تنهر عصافيرها عن الغناء، خليه نحل هاجمتها الدبابير من كل مكان، ورقة توت أخيرة سقطت لتعلن عن جفاف وحرمان، فراشه فقدت جناحها الوردي وهرسها الحزن بلون السواد.

كبرت الحياة فجأة أمامي، شحبت ألوانها وتصلب شريان الأمل فيها، تحوصل الكذب على شفاه ساكنيها، وأصبح كل ما فيها رخيص. لم يعد الصباح نقياً كما كان قبل يوم واحد فقط، هشم البرد دفء السلام المختبئ بكفينا، ودمر الخوف قلبينا ومضى بلا اهتمام. أتى ببالي بذلك الصباح لو أبيع ذكرياتي معه لبائع "نحاس؛ ألمنيوم"، تراجعت الفكرة ببالي فما حاجته للصدأ والكآبة الزائدة.

بعد ما حدث بالأمس رغبت أن أبقى وحيدة، مخبئة قلبي بالظل، فمظلة القهر يتسع ظلها، وأمتنع عن العتب لأحفظ ماء وجهي، فمشروع القهر الذي قدمه لي أشعرني كم من الجميل أن نبقى صائمين صامتين عن كل ما في الحياة من لذة وألوان وأفكار قد تمر في البال.

عزائي الوحيد أن ما أكتبه الآن لأجل نفسي حتى لو تشربت كلماتي الألم، فسر كلماتي التي أكتبها، لم يكن حبي له يحركها، ولا حرارة شوقي إليه يكمل نضجها، ولا حنيني إليه يبدع رسمها، ولم أكن في حقيقة الأمر أحتاج أن يجعلني ملكة على قلبه كما كان يظن، فمصير الملوك القتل أو النفي، وها قد فعل بي كليهما.

قبل أن نفترق في ذلك المساء الحزين، طلبت منك لو أننا نترك النهايات تكتب نفسها عذبة نقية كما بدأت، لكن العجلة سرقت منا أجمل لحظة براءة جمعتنا، ونكأت جراح الحب فينا، وأبدلت سعادتنا بحزن يحتلنا ولا يرضى لنا لحظة الفرح بديلا.

لذا، أيها القارئ الناظر إلى كلماتي من بعيد، لن أتوقف عن الكتابة عن ماضٍ مر، أو مستقبل يأتي، سأبقى أكتب ألمي حتى لا أغفل عنه، وألمس جرحي حتى أتعلم من ندبه، وعندما ألتقي بخالقي سأحدثه عن عزلتي ووحدتي فهما بين يديه عبادة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3258609

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC