مهند فوده - مصر

لقاء دبره القدر

مهند فودههـو

يحاول جاهدا أن يدفن رأسه بين ملفات عمله، ولا يرفعها إلا عندما ينتهي دوامه. فعلى عكس زملاء عمله في الغربة يكتئب كثيرا حينما يحين موعد ذهابه للبيت، فالطعام هناك بارد، ومخدعه ليس دافئا، وجدران غرفته دوما صامتة، حاول محادثتها كثيرا واستنطاقها بتعليمها أبجديات اللغة وحروفها، ولكنها أبت أن تتكلم، اكتفت بسماعه، وحتى هذا صار يشك في حدوثه.

كلما عاد للوطن وارتمى في حضن أمه، وجدها قد ادخرت له نصيبه من الحنان كما منحت إخوته في غيابه، وأعدت له قائمه كبيرة من الطعام الذي يحبه، وقائمة أطول من الفتيات المُرشحات لزواجه، لعل وعسى كما تقول له دوما وهي تسرد له محاسهن، أن تتعلق إحداهن بذراعه عند العودة إلى غربته.

كلما رضخ لرغبتها تلك وجلس مع واحدة تلو الأخرى، ازدادت قناعته بأن العودة منفردا لجدران بيته هناك أفضل كثيرا من زوجة تشاركه غربته بجسدها فقط ولا يتقبلها قلبه ولا تقاسمه أفكاره.

بلا شك سينتابه شعور مرير بالذنب حينما يكتشف أنه سبق وظلم الجدران قبلها، وظلمها هي الأخرى، حينما اقتاد - بورقة مكتوبة- سجينة أخرى من بيت أسرتها لجدران محبسه في الغربة.

ولكن قناعاته تلك لا تدم صلاحيتها فور عودته أكثر من ثلاثة أسابيع، فكلما طالت غربته واشتدت وحدته، استقوت بداخله رغبة أخرى ملحة تدعوه بالاستسلام لأول من ترشحها لها والدته، وكلما غلبه ذلك الشعور، تحسس أضلاعه، لعل من خلقت من ضلعه تشعر به وبأوجاعه.

هي

كانت تشعر به بل وتشاركه ذات الوحدة رغم كونها تحيا في وطنها وبين عائلتها، فالغربة شعور لا يرتبط بوطن تسكنه أو أناس يشاركونك السكن فيه، فلكل فرد من عائلتها عالمه الخاص وأحواله البعيدة كل البعد عنها. لذا تعيش جُل يومها على أمل أن تجمعها صدفة ما بقدرها من الحب في أي لحظة من نهارها، فتعود من عملها وقد أوشكت الشمس على المغيب مع أمنيتها.

لم تكن تدرك أن قدرها ذاك ما زال يقبع بعيدا في قارة أخرى، تبعدهما آلاف الأميال، وتفصلهما بحور وبلاد، وأن لا وسيلة متاحة بينهما سوى رحلتي طيران يوميا، عادة ما يصل لأذنها هدير إقلاع الرحلة الصباحية بعد قرابة الساعة ونصف من بدأ دوامها كعشرات الرحلات الأخرى التي تقلع من مطار القاهرة القريب جداً من محل عملها.

هي لا تعلم أيضا أن ساعة الصفر التي تنتظرها كل يوم، ما زالت بعيدة عنها، فما زال أمامها الانتظار قُرابة أربعة آلاف ساعة أخرى حتى يحين موعد لقائها به. تخاف أن يباغتها الحب في أي لحظة وهي على هيئة لا تليق به، فتستيقظ كل صباح، ترتدي أبهى الثياب، تُمشط شعرها، وتتقن إشراقتها، عدا ذلك اليوم الذي استيقظت فيه متأخرة، ولم تكن تدري أنه لا يفصلها عن ساعة الصفر المنشودة سوى عشرين دقيقة فقط لا غير.

أسرعت تنهض من فراشها غاضبة، تلعن وتسب هاتفها الذي لم يدق في موعده ككل يوم. ألقت النظر سريعا على شاشته لتتحقق مما ألم به، فوجدته وقد صار جثة هامدة، فقد فرغت بطاريته بعد أن نست أن توصله قبيل نومها بالشحن.

أسرعت تغسل وجهها، وبسرعة أكبر ارتدت ملابسها وقد صارت شبه متأكدة أنها لن تلحق بالموعد المحدد لبصمة الموظفين. نظرت للمرآة سريعا تحاول أن تُعدل من هيئتها بقدر ما يصل لأصابعها من أدوات تجميل، ومن ثم قامت بتهيئة خصلات شعرها بأصابعها سريعا. لا وقت لديها متاح لأكثر من ذلك.

في ذات الوقت، كان "هو" يعد العدة لرحيله من إجازة قضاها في وطنه منذ أسبوعين، وقد انتهت الإجازة كسابقاتها دون أي جديد. لم يكن يدرك هو الآخر أن ساعة الصفر التي انتظرها طويلا صارت قاب قوسين أو أدنى منه.

ينتابه للتو الكثير من القلق والتوتر في انتظار أخيه الذي اعتاد توصيله للمطار ولم يأتِ بعد، فلم يعد باقيا على موعد إقلاع طائرته الرابضة في أرض مطار القاهرة سوى القليل، ودقائق ليست بالكثيرة ويتم غلق مكتب استقبال أمتعة الركاب الخاصة برحلته.

لا يدري سبباً لتأخر أخيه وهو يعلم مسبقاً بموعد رحلته، ولا لهاتفه النقال المغلق دائما.
"لربما استدعوه للطوارئ بالمشفى الذي يعمل به ولم يستطع سوى الإجابة": هكذا قالت له والدته مبررة تأخير ابنها ومحاولة تهدئة غضب أخيه.

رد عليها حاسما موقفه: "لن انتظر أكثر من ذلك، سأستقل أول سيارة تاكسي للمطار، فقد أخطأت في تقدير الوقت وتأخرت كثيرا".

ودع والدته وقبّلها، ولم يشفع لديها لا تأخره ولا تعجله المغادرة في اختزالها لأي من مراسم توديعه، فأبت إلا أن تؤديها كاملة يتصدرها البكاء الحار ووصلات العويل ونعي حظ ابنها العاثر في إيجاد شريكة تقاسمه غربته وحياته.

وقف في الشارع بجوار أمتعته ينتظر مرور سيارة تاكسي خالية من الركاب ولم يجد. قرر أن يشير لإحداها الشبه خالية إلا من طفل صغير يرتدي زياً مدرسيا يجلس بجوار السائق. وافق السائق على توصيله حينما علم بوجهته. جلس في المقعد الخلفي بعد أن وضع السائق أمتعته في الحقيبة الخلفية للسيارة.

بعد خمس دقائق أخرى، أشارت للسيارة شبه الممتلئة فتاة جميلة في أواخر العشرينيات تبدو على عجلة من أمرها، يبدو أن الوقت لم يمنحها رفاهية اختيار سيارة أخرى شاغرة. جلست بجوار الراكب الجالس بالمقعد الخلفي حينما علمت أن وجهة الركاب جميعها واحدة "حي المطار".

بعد سبع دقائق، نظرت للساعة ونطقت تخاطب السائق بحدة، تطلب منه بأن يقوم بتوصيلها أولا فلقد تأخرت كثيراً عن موعد عملها، وقبل أن تتلقى من السائق ردا على طلبها، رد الطفل ذو الثماني سنوات بحزم يخبرها بأنه هو من استقل السيارة أولا، وأن الأولوية تحتم بأن يلحق بمدرسته وطابور الصباح، أيد السائق ما قاله الطفل الصغير مبتسما من فصاحته.

وجهت كلامها للسائق مرة أخرى تخاطبه بحدة وقد أوشك صبرها على النفاذ: "إذن قم بتوصيلي بعده".

حينها ولأول مرة نطق الجالس بجوارها يُحدثها بحدة أكبر: "وأنا أيضا أريد اللحاق بطائرتي التي أوشكت على الإقلاع".

كادت أن تثور عليهم جميعا، بل وتطلب من السائق إيقاف تلك السيارة ومغادرتها على الفور، ولكن عدم يقينها بوجود بديل أفضل من ذلك في أوج الذروة الصباحية دعاها للصمت والرضوخ لشروط ركابها وإن لم ترق أبدا لهواها.

بالقرب من حي المطار، كل الشرايين المؤدية إليه مصابة بجلطة مرورية غير معتادة، "يبدو أن حادثاً مرورياً أدى لتعطل حركة المرور": هكذا فسر السائق رؤيته لتوقف عشرات السيارات أمامه بلا حِراك تقريباً.

خيم الصمت المُطبق على الجميع، فالكل ذهنه متعلق بأمنية واحدة "انفراج أزمة المرور واللحاق بمواعيده". كل منهم أراد أن يصل أولا، ولكن ثلاثتهم لم يدخروا حساباً لإرادة القدر.

طالت الأزمة كثيرا، والعربة ما زالت محاصرة بعشرات العربات حولها، يتشارك مصير الأربعة بداخلها مع مئات الركاب حولهم، ولا مفر أمامهم سوى الانتظار.

بعد ساعة ونصف من اليأس والإحباط الذي تملكهم جميعا، شاهد بأم عينيه من نافذة السيارة طائرته تحلق على ارتفاع منخفض دونه، فصاح قاطعا الصمت الذي خيم على السيارة وركابها منذ مدة مشيرا لهم نحوها، شاركوه الحزن صمتا دون تعقيب، قطع صمتهم مرة أخرى بقهقهة مستمرة عالية، ضحك على إثرها الجميع.

انتقلت عدوى سخريته مما حدث له إلى الراكبة الجالسة بجواره، فسخرت من نفسها وحدتها الزائدة عن الحد حينما أدركت أن خصم يوم عمل لا يُقارن بخسارة ثمن تذكرة طيران. قررت من قبيل الاعتذار مواساته ببعض الكلمات، وأن تبدو ما تبقي من رحلتها معهم مرحة و لطيفة كمحاولة منها لاستبدال انطباعهم نحوها.

فور اختفاء الطائرة عن أعينهم بدقائق، انفرجت أزمة المرور.

وصل الطفل لمدرسته وقد فاته الطابور والحصة المدرسية الأولى، أما الراكبان الجالسان في المقعد الخلفي، فقد طلبا من السائق أن يوصلهما لأقرب مطعم لتناول الإفطار، فالقدر كان قد أعد لهما شيئا أخر قد انتظراه منذ زمن، وحان وقته الآن.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3111273

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC