غانية الوناس - الجزائر

ذاكرةٌ من دمّ

غانية الوناسمضى الوجعُ ثقيلاً جداً وكان الصبرُ خلاله يخونني مرات ومرات ولم أكن أعرف للراحة سبيلا ولا منفذا، أجلس إلى نافذةٍ صارت أكثر من يعرفني ويفهمني ويتفهم كلّ الّذي كنتُ أشعرُ به.

ذلك الجسد الجميل أصبح فزاعة من العظام مكسوة بالجلد وعيونا غائرة هناك حيث لم تعد ترى شيئا سوى ما وراء ذلك السراب الذي صار يسكنها.

لا أدري لما تخطر في هذا الصباح المبلل بالندى صورة بيتنا في القرية حيث كان كل شيء بسيطا ونقيا ومفطوما على الفطرة، كنت لا أنام إلا بعد أن أراقب النجوم في السماء، اخترت نجمة من بينها أطلقت عليها اسمي وكنتُ أخبرها كلّ مساء كل أشيائي الصغيرة التي أخفيها في صدري، كنت أعترف لها بحماقاتي الكثيرة التي كنت أرتكبها وبالأحلام الكبيرة التي كانت تراودني.

ذلك المكان كان قطعة من الجنة توسدت الأرض مهداً ومستقراً لها، لذلك لم أتصوره يوماً مخالفا لتلك الصورة التي ألفتها نفسي واستأنست بها روحي وأنا أمضي بأيامي فيها، لذلك حين أصبح فجأة ملاذاً لأولئك الّذين نصبوا أنفسهم وكلاء لله فوق الأرض صار صعباً علي المضي بأحلامي التي كنت أرسمها في ذلك المكان.

ذلك الصباح القاتم لا زال عالقا في ذاكرتي لا يريد أن يغادرها أبدا، كأنه يحدث أمامي كل يوم في ذات التوقيت وبذات الوجع والألم، أستحضر صوت والدي في فناء البيت وهو يتحدث إلى رجال غرباء بأشكالهم المخيفة ولحاهم المصبوغة بالحناء وعيونهم المكحلة بالحقد والكره، وبأسنانهم التي تبدو صفراء خلف ضحكاتهم وقهقهاتهم الكريهة.

والدي كان فلاحا بسيطا لا يملك سوى بعض النعاج الهزيلة وحقلا صغيرا يغرس فيه أحلام عائلة مكونة من عشرة أفراد. جاؤوا يطلبون منه جزية كما أسموها، قال لهم إنه لا يملك مالا يدفعه لهم وإن عائلته الكبيرة لا يجد أحيانا ما يعيلهم به. لم يهتموا لتوسلاته الكثيرة. اقتحموا البيت. دلفوا إلى الداخل حيث أمي مع رضيعتها وإخوتي الصغار، راحوا يفتشون المكان. قلبوا كل شيء فوق رؤوسهم الحائرة، لم يجدوا شيئا مهماً لذلك أفرغوا رصاصات حقدهم في أجسادهم النحيلة، وقبل أن يغادروا استدار أحدهم ليزرع آخر رصاصة في رأس والدي المسكين ومضوا مخلّفين وراءهم أحلاماً مغتالةً بوحشيّة وبيتا كان قبل لحظات من مجيئهم مكانا تتربع السعادة على عرشه. كان قبل دقائق وطناً للفرح أحالوه مقبرةً باردةً تفيضُ بحمرةِ الدّماء.

كنتُ في الحقل القريب، وحين عودتي بقيت خلف جدار الفناء حين سمعت أصواتهم تتعالى، كنت أستمع لكل ما كان يحدث، كنت أهوي مع كل رصاصة إلى سحيق هاوية لم يبد لها قرار أبداً، كنت أفقد صوتي مع كلّ صرخة. وعبثاً حاولتُ الصراخ طلبا للمساعدة، غاب صوتي بشكل مفاجئ هكذا، حين حاولت الركض أحسست بأن قدمي أصبحتا ثقيلتين جدا. لم يعد بإمكاني التحرك ولا الصراخ. حتى الدموع تحجرت فجأة في عيني، جلست وتكومت حول نفسي وعواصفٌ من الألم كانت تفتك بي داخليا، غبتُ عن المكان والزمان عن الحدث عن كل ما كنت قد رأيت لتوّي.

الآن أجلس هنا إلى نافذتي أستحضر أحيانا وجوه عائلتي، أرواحهم وأطيافهم، أصواتهم التي لا تكف ترنّ بأذني، لكنّي ما عدت أذكرهم بتلك التفاصيل الصغيرة التي كنت أحفظها عن ظهر قلب وحب ووفاء. صار لي ذاكرة مبتورة كل ذكرياتي فيها تتوقف هناك أمام حائط الفناء، كلّ ما عشته بعد ذلك كان منقوصا من الفرح، كان مفقودا في شيء ما حلقاته ضاعت ولم أعرف لها طريقا للعودة بعد ذاك.

قال لي ذلك الطبيب يومها: "كلّ شيء سيكون على ما يرام. فقط حاولي أن تفرحي بالحياة وتفكري فقط في أشياء جميلة".

لم يكن يعرف وهو ينصحني بأنّه ما عاد من فرح في هذه الحياة يستحق مني أن أنتظره بشوق ولهفة، ما عاد هناك من أشياء تفتح شهيتي للحياة، كل ما في نفسي صار عديم اللون والطعم والرائحة، كيف لذلك الطبيب أن يفهم أني أصبحتُ جوفاء من الداخل لا شيء في روحي يستحق العناء.

"عائلتي التي أصبحت سكناها في السماء، اشتقت إليكم كثيراً، اشتقت إلى بيتنا وحقلنا، إلى شجرة اللوز في الفناء، إلى نجمتي المضيئة كل مساء، اشتقت إلى حضنك يا أمي فالعالم بعدك بارد جداً لا يحتمل، اشتقت إلى عطفك يا أبي. كأن البشر في غيابك باتوا وحوشاً يتربصون بالضعفاء المكسورين مثلي، اشتقت إلى ألعابنا، إلى حماقاتنا، إلى نقاشاتنا الغبيّة سويا أشقائِي، اشتقت إليكم كثيراً."

أكملت رسالتي لعائلتِي وضعتها جانباً حيث ستأتي بعد حين غيمةٌ تأخذها هناك إليهم حيث سنلتقِي ذات يوم.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3097151

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC