نورة عبد المهدي صلاح - فلسطين

أسرار ووعود

نورة صلاحسر

حبيبي؛ أنا لم أخبرهم عنك، ما زال اسمك مجهولا لم تذكره قواميس اللغة، كل ما أفعله أكتب لأجلك وأنت ما زلت أميا لم تتعلم القراءة والكتابة، أنت من عصر لم يدخله النور والحاسوب، لم تطالع أخبار الناس من صفحات فيسبوك، وجهك ما زال بريئا وروحك لم تلوثها الخيانة، لسانك لم يصافحه الكذب بعد. صراحة، حبيبي لم يولد بعد.

إبرة

في الروح ثغرات كثيرة، تحتاج خيط وإبرة تسد كل فتق فيها، تسير الإبرة محدثة بين غرزه وأختها ثغرة أصغر تسد ثغرة أكبر، في الحقيقة الثغرة باقية والنزف كتمته لعبة الخيط والإبرة. هذا ما يحدث فعليا لجراحنا المفتوحة.

ضياع

نسيت أين وضعت قلبي، لا أعرف، أسلمته لك بأخر عناق كان بيننا، أم أضعته عندما كنت أختار قطع الشوكولاتة، أم رميته خطأ إلى سلة المهملات عندما تخلصت من مناديلي الباكية؟ ليس مهما أن أبحث عنه ولا أجده، كما لا أجدك، كما لا أجدني.

حقائق

(1)

عرفت أنه حائر في اختيار نهاية مريحة بلا خسائر، أصيلة صاحبه القلب الكبير كما أسماها، أهدته بآخر عناق بينهما كلمات وداع لبق، أراحته من تفكير حشره بدائرة ضيقة، عانقها بغباء وانصرف، تركته أصيلة بدائرته التي رضيها لنفسه وتابعت سيرها بزوايا بعيدة، الدائرة تتسع على حساب الزوايا، ولذلك تضيق الأرض بساكنيها لأنها دائرية.

(2)

لا أعرف من يعتدي على حرية الآخر: النهر في جريانه ليتحد والبحر، أم البحر الذي يلتهم جدولا صغيرا طامعا في زيادة مائه؟

(3)

سرقت قطعة الشطرنج، لم يلحظ ذلك أحد، تنتهي اللعبة وتجمع القطع للبدء من جديد، قبل لحظات فقط كانت اللعبة مستمرة وتامة، أما الآن لا يمكن أن يتمم النقصان شيئا.

وجبة دسمة

يبحث عن شيء يسلي ملله الشديد، ثلاجة بيته الفارغة والملل جعلا معدته تأكل بعضها، فكر كيف يكسر روتين حياته ليشعر بوجوده، ناسيا حياته الماضية، وعلاقاته المتعددة، يفكر كيف يقتنص من كل أنثى أحبها وأحبته، حتى لا يعاني مرارة النقص كلما تذكر حبيبته الأولى بعد أن فضلت غيره وتزوجته.

غريب الطبع هو، يعاني من نوبات ملل دائم، وتطرف بأفكاره، يظن أنه ليس آدميا أو من بني البشر، مكانه السماء، حائر بذاته ما بين شيطان بصورة إنسان أو ملاك مطرود من الجنة.

توصل لطريقة يقضى على ملله، دون أن يتوجع ضميره، أو تستعطفه دموع من أحبوه، أخرج وعودا قطعها على نفسه، برّد مشاعره في ثلاجة المطبخ، قطع الوعود بسكين حادة، شواها على نار حامية، أكلها، مضغها، بلعها وشبع، نام بعد وجبته الغريبة، ومع ذلك ما زال يشعر بالملل. وحقيقة ما فعل لا يصدر إلا عن بني البشر.

لعبة

(1)

تضع ذكرياتها معه على لوحة مرسومه، تمارس هوايتها القديمة في إيجاد الفرق بين الصور المختلفة، لم تتخيل يوما أنها ستجد فرقا بينها وبينه، ذات مساء هجرت لعبتها تلك خوفا من أن لا تجد (اتفاقا واحدا) بين ما كان عليه وما هو كائن في علاقتهما. هي بارعة في اختراع ألعاب تجعلها تبوح بكل ما فيها دون أن يجرح اللعب حلمها معه واقعها بعد غيابه.

(2)

ينظر لفرح يبرق في عينيها بعد أن أهداها لعبة ذات ابتسامة مشرقة ووجه مدور بخدود نضره: توحة، كما أسمياها لم تفارق حضنها في طريق عودتها لبلدتها، لو أدركت أنها المرة الأخيرة التي تكون فيها طفلته المدللة ما قبلت هديته، ولتمنت تركها لصبي يبيع العلكة على إشارة ضوئية، أو لألقتها لطفل يبحث عن معجزة تغير ملامحه البائسة، تهبه حلما وطموحا يعيش لأجله.

وقد يتخيل نفسه شابا عاشقا يعتلي حصانه يطلب الماء من صبية على غدير ماء. حب بدوي حفظناه من مسلسلات بدوية قديمة: تسقيه على خجل، يقدم لها اللعبة شكرا وعرفانا، تبتعد وهي تسمع وصيته وتبكي.

عيشي لها ومعها، فقد وجدتها ضالة في الطريق وأهديتك إياها، البدوي أنتَ والطفلة أنا، روته فمنحها الجفاف. رويتك ومنحتني انسحابا ولعبة معلقة على باب غرفتي لا تمل من الابتسامة وإنا لا أمل من البكاء.

تصابي

هاتف صديقتها القديمة بعد أن غير القدر دربهما، تنهدت وطلبت منها أن ترسل لها صبغة تعيد شبابها المهدور من تجارب حب فاشلة، وفراغ حفر على وجهها هما لا يخبأ. ها قد صبغت بياض حلمها بعد أن شاب بصبغة مستوردة لتجعل من حلمها شابا بعد أن أكل منه الدهر وشرب.

وعود مؤجلة

علاء: احتضنه التراب شهيدا قبل سنوات بعد انقسام الوطن شيعا وفصائل.

جيفارا: وعدها كثيرا بأن يكون لها شفيعا بالجنة، لو كتب الله له الشهادة، استشهد الآخر.

لليوم تحدثهما وتشتاق لهما ويثيرها السؤال اليقظ في ذاكرتها مع كل غارة وسقوط شهيد هنا وهناك؛ ماذا حدث لوعدكما معي؟

نتيجة واحدة

خلف القبلة نعش، وخلف الضمة جنون معتم. وعودك الكاذبة أصبحت قصائد رثاء وخذلان، ولأجل هذا اشتريت كفنا لقلبي وأهديتك دمي، اسكبه على الأرض واسفح دموعي وقت تشاء، فقد تنمو زنابق، زنابق تبكي، لونها أحمر، قليلة المشاعر تشبهك. وإن التقينا يوماً على حرف القصيدة، سنسير نفس الدرب، ونفترق بذات الطريقة، منذ التقينا وخيوط الوداع تحاك بيننا، الآن اكتمل الوداع لنلبسه ونمضي.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3096091

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC