فريدة سويزف - الجزائر

توظيف التراث في شعر عبد الصبور

توظيف التـراث في شعر صلاح عبد الصبور: قراءة في المُـتون الشعرية

في ظلّ الصّراعات الفكرية والاجتماعية والسّياسية الّتي رافقت الذّات العربية في عالمها المغمور بالضبابية والغموض، والّتي أصبحت جزءا من الواقع المعيش رفضت أن تخنق ويكبل طموحها، فحاولت هذه الذّات تفريغ كبتها العميق وترجمة انفعالاتها وتجسيد أفكارها بطرح موقفها محاولة التخلص من هذا الواقع المرير، فلجأت إلى التّراث واتّخذته وسيلة للعودة إلى طبيعته الأولى باعتبار "أن التّراث منجم طاقات إيحائية لا ينفذ له عطاء، فعناصره ومعطياته لها من القدرة على الإيحاء بمشاعر لا تنفذ وعلى التأثير في النفس البشرية، ما ليس لأية معطيات أخرى يستغلها الشّاعر"[1] لأن هذه المعطيات التّراثية تعيش في وجدان النّاس وأعماقهم "وتحفّ بها هالة من القداسة"[2].

لذلك سعى الشعراء المحدثون إلى إعادة قراءة التراث بكل مشخّصاته ووقائعه، وذلك بكشف كنوزه وتوجيه الأنظار إلى ما فيه من قيم فكرية وروحية وفنية صالحة للبقاء والاستمرار[3] حيث أدركوا " أنّه لا نجاة لشعرنا من الهوة الّتي انحدرت إليها بغير ربطه بتراثه العريق"[4].

إن الشّاعر المعاصر لم يدرك ماهية التّراث بهذا الفهم إلاّ بعد الخمسينيات من هذا القرن، بظهور جيل جديد احتكّ بالثّقافة الغربية وتأثر بها تأثرا عميقا وقويّا، غير أن الشّعر المعاصر "لم يشكل السابقة الشعرية الأولى في توظيفه لهذا التراث، فقد كان هناك رعيل أول مهّد الطريق وذلّل الصعوبات فشكّل بحضوره أثرا في تجربة الشعراء اللاحقين وكانت أسبقية الشعر في كيفية تناول هذا التراث وآليات توظيفه واختيار رموزه التي تضفي على التجربة الشّعرية بعدها الفنّي والإنساني لأن موقف الشاعر المعاصر من التراث قد حدد القيم الجمالية للتجربة الشعرية المعاصرة، حيث أصبح التّراث الإنساني لدى الشّاعر المعاصر جانبا من تكوينه الشّعري، ذلك أن تجربة الشّاعر هي محاولة جاهدة لاستيعاب الوجدان الإنساني عامة من خلال إطار حضارة العصر وتحديد موقف الشّاعر منه كانسان معاصر"[5].

أضف إلى ذلك أن توظيف الشّاعر المعاصر للتّراث يضفي على عمله الإبداعي "عراقه وأصالة ويمثّل نوعا من امتداد الماضي في الحاضر وتغلغل الحاضر بجذوره في تربة الماضي الخصبة، كما أنّه يمنح الرؤية الشعرية نوعا من الشمول والكلية"[6] فيجعلها تتخطى حدود الزمان والمكان، فحاول الشاعر العربي المعاصر أن "يعيد النظر في التّراث لتفجير ما فيه من قيم ذاتية باقية روحية وإنسانية وتوطيد الرابطة بين الحاضر والتراث عن طريق استلهام مواقفه الروحية والإنسانية في إبداعنا العصري"[7]. ولعل ثمة عوامل مختلفة ساعدت على خلق هذا الوعي عند الشعراء المعاصرين من أهم هذه العوامل:

العامل السياسي والاجتماعي

عندما يشتد الظّلم والقهر وتحتل الأرض وتكبل الحرية ويفرض الصمت الرهيب على أصحاب الكلمة الصادقة فلا ملجأ لهم إلاّ التعبير عن آراءهم وأفكارهم بطريقة فنية غير مباشرة، لا تعرضهم لبطش السّلطة، ولذلك وجد الشاعر في التراث متنفسا يعبّر فيه عن رؤاه وأفكاره السياسية التي كان يسعى لتأسيسها كما "وجد فيه الملاذ لكل تهويمات نفسه القلقة الباحثة عما يسد الفراغ واعتبره البديل الذي يمكن أن يمده بالطاقة السحرية التي تمده بطابعها النظري وغذاء وعيه الشعري، لهذا كانت الأسطورة في شعره تجسد حالة من الانكسارات وما يحتاج إليه الضمير الإنساني من تناقضات وأزمات حضارية"[8]، فكان التراث الملجأ الذي يجد فيه الشاعر الأمان والاستقرار الفكري، وجعله منطلقا يخوض فيه معاركه السياسية والحربية متخذا إياه الدرع الواقي، الذي يحمي ويضلل من ورائه السلطة ليتوغل في متاهات الواقع السياسي ويطرح رؤاه الشخصية كما وجد في الأسطورة المعرب الذي تلجأ إليه الكلمة كقنبلة تهز الذات الساكنة.

تأثير حركة الترجمة

لقد كانت حركة الترجمة عند العرب منذ القديم بوابة الانفتاح على الفكر الإنساني وتصوراته ومن خلال تم التعرف على حضارات الشعوب وعاداتها وآدابها وطرق تفكيرها، كما يمكن القول أن عملية الإبداع لا يمكن أن تكون إلا من منطلق التأثير والتأثر، والشاعر العربي وجد نفسه محاطا بعدد لا يستهان به من الشعراء وفلاسفة العرب والذين كان لهم أثر كبير في التأثير على الشعر العربي المعاصر، يقول محمد لطفي اليوسفي "شهد الشعر العربي في السنوات الماضية نوعا من الانعطاف ببيئته المتعارف عليها، فانفجرت انفجارا لا عهدا لها بمثله وقد جاء هذا الانعطاف في الحقيقة بمثابة الصدى المباشر للمفارقات التي هزت الذات وعجزت عن الصمود في وجه طاقته الحضارية"[9].

صلاح عبد الصبورفنجد السّياب وصلاح عبد الصّبور يستندان إلى الإنجليزي، ت. س. إليوت. وهكذا وجدت القصيدة العربية المعاصرة نفسها مضطرة إلى التغير والتجديد"[10] فالقصيدة المعاصرة تأسست بعد انفتاحها على الشعر الغربي ومحاكاته للأسطورة، فقد وجد الشاعر المعاصر في الشخصية التاريخية والأسطورية "حقلا خصبا وزادا مثيرا للتعبير عن المعاني والإحياء والخصب والجذب والأهم من كل ذلك تعبيرهم بالأساطير عن واقعهم الأليم وعن حياتهم الشخصية وظروف مجتمعهم وقضاياهم الراهنة"[11] وما يمكن استنتاجه أن التراث" بوصفه حضارة وشكلا فنيا"[12] بات من أسس بناء العملية الشعرية التي لم يعرفها الشاعر المعاصر إلا بعدما احتك بالثقافة الغربية وتأثر بها تأثرا قويا وعميقا.

العوامل النفسية

لا يمكن أن نغفل الجانب النفسي الذي يعد منطلق العمل الإبداعي، فالشعر تعبير عن مكبوتات داخلية ووجدانية على الرغم مما وصلت إليه الحضارة من تطور علمي، فهي لم تورث الشعراء إلاّ الأحزان والضياع والإحساس بتفاهة الحياة وقدراتها وخلوها من أي معنى وربما كان "إليوت" في "أرض الخراب" التي تصف مظاهر الحياة من أقوى الشعراء إحساسا بهذا اليأس يقول:

مدينة الوهم[13]

تحت الضباب الأسمر في الفجر شتائي

انساب جمهور على (جسر لندن) غفير

ما كنت أعرف أن الموت قد طوى مثل هذا الجمع الغفير

حسرات قصيرة، متقطعة، كانوا ينـفثون

إنّ هذا الشعور بالانفصام بين الشاعر المعاصر والعالم من حوله ليس السبب الوحيد في اغترابه، بل هناك وجه آخر من "الاغتراب الاجتماعي الناتج عن شعور الإنسان بعدم إمكان التواصل والعيش مع الآخرين"[14]،لقد حاول الشاعر المعاصر التعمق في البعد التاريخي للتجربة الإنسانية ككل، ولعل ذلك يوفر له سبل الخلاص من زيف هذه الحضارة والهروب من دنيا الواقع التعس إلى عالم وهمي رحب، حيث الفطرة والسذاجة وصفاء الروح والحب الممتزج بالقداسة والبراءة. يقول صلاح عبد الصّبور:

يا من يدلّ خطواتي على طريق الدمعة البريئة.

يا من يدلّ خطواتي على طريق الضحكة البريئة

لك السّلام

لك السّلام

أعطيك ما أعطتني الدنيا من التجريب والمهارة

لقاء واحد من البكارة

لا ليس "أنت" من يعيدني للفارس القديم

دون ثمن

فقد ذهب الرجاء بصلاح عبد الصّبور إلى بيع كل ما يكسبه في حياته مقابل يوم واحد من تلك الحياة البسيطة البكر، حيث الأشياء ما تزال على عفويتها وفطرتها في حنين دائم إلى العصور الأولى، حيث الأحاسيس لا تزال بكرا لم تتعفن بالزيف والتعقيد عكس العالم الذي نعيشه والذي يموج بالمفاسد والخطايا، فكان هذا الإحساس يدفع بالشاعر إلى الإبحار في الذاكرة الجماعية والحلم بعالم آخر في أحضان التراث حيث" يعيش سذاجة الأحلام الأسطورية وعفويتها "[15] يقول شاعرنا معبرا عن هذا التحول الذي آلت إليه البشرية[16]:

الناس في بلادي جارحون بالصقور

غناؤهم كرجفة الشتاء في ذؤابة المطر

وضحكهم يئز كاللهيب في الحطب

خطاهم وتريد أن تسوخ في التراب

ويقتلون يسرقون، يبشرون، يجأشون

لكنهم بشر

إذا كانت الأسطورة عند البدائيين "عملية إخراج لدوافع داخلية في شكل موضوعي، والغرض من ذلك حماية الإنسان من دوافع الخوف والقلق الداخلي، فإن استخدامها في الشعر لم يقلل وضعيتها تلك بل على العكس زاد تطويرها عن طريق إثارة الحس الجمالي الذي يؤدي بالضرورة إلى الإحساس بالترويح عن النفس والتخفيف من آلامها"[17].

وهذا ما يؤكده قول غالي شكري "إن حركه الشعر الحديث في استخدامها للأسطورة كان تعبيرا حضاريا شاملا عن الاحتياجات الروحية والجمالية العميقة الجذور في النفس العربيـــــــــة المعاصرة"[18]. كما أنّ الشاعر ظل يصبو إلى السمو بالنفس حيث العلاقات الإنسانية الطاهرة الصافية والأحاسيس الطاهرة، التي لم تدنسها الطبائع والأهواء كما أراد أن يصور آلامه وهمومه من خلالها[19].

العوامل الفنية

لقد كانت عودة الشاعر العربي المعاصر إلى التراث عودة فنية لا تقوم على أساس المتابعة والتقليد ولا تدعوا إلى المقاطعة والإهمال وإنّما استثمر التراث في نتاجاته الأدبية والتي جمع فيها بين الأصالة والمعاصرة "ولجأ إلى استخدام الشخصيات التراثية كمعادل موضوعي لتجربته الذاتية حيث كان يتخذها قناعا يبث من خلاله خواطر وأفكاره"[20].

كما أنّ التراث خُلق للحياة والخلود ليحتضن التجربة ويقدم الرؤية بأسلوب قوامه التلميح والترميز، واللغة أساسها التفعيل والتكثيف لتشع إيحاء[21] وبموجب هذا التوظيف تحول النّص الشعري المعاصر إلى متن مفتوح على مختلف القراءات في ارتباطه بمختلف الأزمنة والأمكنة.

يقول صلاح عبد الصبور: "التراث هو جذور الفنان الممتدة في الأرض والفنان الّذي يعرف تراثه يقف معلقا بين السّماء والأرض، التراث عنده هو ما يجد فيه غذاء روحه ونبع إلهامه وما يتأثر به من النماذج فهو مطالب دوما باختيار سلسلة من نماذج الأدباء والأجداد من أسرة الشعر"[22] ومن هنا ذهب الشاعر العربي المعاصر إلى مثاقفة التراث وتفعيله "بوصفه مُعطى حضاريا وشكلا فنيا في بناء العملية الشعرية"[23].

آليات توظيف التراث في القصيدة العربية المعاصرة

حين اصطدم الشاعر العربي المعاصر بواقعه المرير والمنهار وقف حائرا لا يعرف أي منطلق يتخذ، ليعبر عما تختلجه نفسه التواقة إلى الانطلاق والتمرد فلم يجد غير عالم الأساطير والشخصيات[24] التاريخية ليطرح في قالبه رؤيته لهذا الكون.

لكن أي طريق سلك الشاعر؟ وكيف يمكن أن يجعل من الرمز الأسطوري أداة فعالة تخدم غرضه الشعري ؟وكيف تمكن من حل عقدتها ليحقق التوازن بين تجربته والشخصية وأحداثها التاريخية رغم وجود فاصل زمني ومكاني؟

هذه التساؤلات تقودنا إلى طريقة تعامل الشاعر مع الرمز الأسطوري وهنا يمكننا تحديد آليات التوظيف أي المناهج اللغوية والتعبيرية التي وظفت فيها المادة التراثية الخام في النص الشعري حسب ما تقتضيه الحاجة إلى التعبير عن موقف ذاتي أو موضوعي إنساني.

فما إن استوعب الشاعر المعاصر المادة التراثية راح يوظفها كضرب من ضروب الأقنعة، التي يستترون وراء عالمها الغامض للتعبير عن مواقفهم وواقعهم المرير، مازجين بين الحلم والواقع الجدب والنماء "فالتقاء الشاعر بالشخصية التراثية أو الأسطورية يتجلى في علاقة التحام أو ذوبان يشكل المستوى الذاتي الذي يؤسس لبناء الهرم الشعري وطرح الرؤية النفسية والفكرية أو الاجتماعية والسياسية من خلال الذات الأسطورية ضمن تراسل وانصهار العلاقات الإيحائية"[25].

يقول صلاح عبد الصّبور:

اخرج كاليتيم

لم أتخير واحدا من الأصحاب

لكي يفديني بنفسه فكل ما أريد قتل نفسي الثقيلة

ولم أغادر في الفراش صاحبي يضلل الطلاب

فليس من يطلبني سوى أنا القديم

حجارة أكون لو نظرت للوراء

مدينة الصحو الذي يزخر بالأضواء [26]

هنا مقطع من قصيدة الخروج التي وضع فيها صلاح عبد الصبور هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم خطا مناظرا لتجربته، إذ يخرج من واقع حياته المريب إلى ما يطمح إليه أن يكون عالما زاهرا ومنيرا "مدينة الصحو "كما عبر عنها في قصيدته .

وإذا لجأنا إلى تتبعنا التجربة الشعرية المعاصرة نلاحظ وبصورة واضحة كيف أن الشاعر العربي المعاصر حين وظف الأسطورة والشخصية التاريخية توحد وتمازج مع البطل وغرضه، وفي ذلك إطلاق العنان لخياله لمواجهة الغامض، فتمازج الشاعر مع السندباد وتموز وسيزيف وعشتار و" فتح أمام الرمز الأسطوري أبوابا عريضة لتقصي التجربة الخاصة للشخوص الأسطورية وإطباقها على التجربة الذاتية للشاعر وإقامة العلاقة بين الذات والموضوع، وبذلك حملت على الشاعر عبء تجربته الخاصة من جهة ومن جهة أخرى حملت وجها شموليا في التعبير عن التجربة الإنسانية العامة"[27].

والشاعر عندما يتوحد مع الرمز الأسطوري لا يندمج معه بشكل سطحي، وإنما يكتشف له بُعدا آخر نفسيا من خلال تجربته الشعورية، فيختار الفرص ليتوحد معه وفق المواقف التي تستدعيها الطبيعة الراهنة للحالة الشعورية وتفاعلها مع الواقع، فتكون نقطة التقاء الشاعر مع الرمز نقطة تفاعل في القصيدة في سياق الدلالة.

قلب الأسطورة

قلب الأسطورة هو تصرف الشاعر في مضامينها إذ يتم تغيير المواقف لتعطي دلالة مغايرة. وبذلك يعطي للرمز صيغة جديدة تختلف عن الصيغة القديمة في دلالاتها وسياقها لا في تركيبها وبنائها، ذلك أنه يبقى في إطارها الميتولوجي لا يخرج عنه ولا ينافيه ليكون موضوع التجربة الشعرية متفقا مع الرمز المتحول والمتغير فيعطي هذا التحول والتغيير للأسطورة صورة تختلف عن الأصلية، لتبدو ذات ملمح جديد.

وبهذا الشكل يتخذ الرمز حالة مغايرة عما كان عليه في صورته الأولى، ويعتمد في ذلك على خلفية إبداعية في دقة التصوير والموازنة والمناظرة وفقا لحالته الشعورية الخاصة، فيتعامل مع الأسطورة والشخصية التاريخية استنادا على ما يدعيه المؤشر النفسي "فيشكل مجموعة من التراكيب الدلالية تتلاحم فيها الصورة على نحو خفي وتتأسس فيها أشكال مبتكرة ليست روابط إيحائية تحكمه بل هي الوحدة النفسية الإيحائية التي تحكمها الذات الحديثة من خلال الرمز الجديد في دلالته الجديدة، التي لا يمكننا تخريجها إلا بقراءة حديثة تراعي الأساس الجمالي والمعرفي الذي يمزج المتعارض ويوحد المتناقض ويحطم صورة المألوف في ذاكرتنا ليفتح أمامها أفقا غامضا"[28].

ففي ظل هذه الآلية التي ولج بها الشعراء إلى الأسطورة غابت الصورة القديمة للتصوير الميثولوجي الأصلي، الذي ألفه القراء المتتبعون للأساطير وأصبحت تكتسي طابعا آخر مغايرا للمألوف وتصويرا من منطلق ذاتي في قالبه الجمالي وتركيبه الذي لم يسبق إليه، فتزداد بذلك في غموضها وإيغالها في أعماق الحلم.

أسطرة اللغة وصناعة الرمز

يرى إبراهيم الرماني "أن الشعر تجربة ذات طبيعة خاصة تجنح نحو الإيغال والاستبطان والكشف"[29]، ولما كان هو كذلك فإن اللغة العادية المباشرة لا ترقى أن تكون في هذا المستوى، لأن الغموض خاصية من خصائص الشعر والتعبير عنها لا يتسنى له أن يجد مكانة إلا من منطلق أسطرة اللغة، والرمز هذا الأسلوب الجمالي الخيالي أخذ حصته في جل قصائد الشعر العربي المعاصر.

فالتعبير عن هذه الزاوية في القصيدة العربية المعاصرة ينطلق في الحقيقة من الواقع وتجربة الشاعر هي الدافع ليصل إلى ما هو خيالي فيحمل المعنى الأول الذي هو متعارف عليه في القواميس اللغوية بُعدا ميثولوجيا يصل الواقعي بالخيالي والأسطوري.

ولهذا فالشاعر العربي في قصائده الحديثة ينطلق من أسطرة اللغة، لا يخرج في تعابيره عن نمطية سير الأسطورة في تعامله مع اللغة، وفي هذا المجال فإننا نجد عدة طرق تم بها من ورائها توظيف هذه الخاصية في قصائده.

ففي تعامل الشاعر مع عناصر الطبيعة فانه أعطى لتلك العناصر بعدا آخر يتعدى ما هو محسوس ومعروف إلى ما هو خيالي أسطوري بمعنى صناعة رموز أسطورية من هذه العناصر، وتأتي هنا أسطرة اللغة في الجانب لتشكل مجالا رحبا لحركة الشاعر، ليجد فيها حرية أكثر فيختار العنصر الذي يريده وفق تجربته الخاصة و من ثمة يكون إما هو الطابع الغالب على القصيدة بكاملها أو يتخذ جزءا منها.

هكذا نجد العناصر الطبيعية تأخذ جانبها الأسطوري في قصائد الشعر المعاصر، بحيث تختلف هذه العناصر الطبيعية في توظيفها من شاعر لآخر "مثلا نجد القمح للخصوبة والحجر للجماد والموت والبحر للمغامرة والمستقبل والنار للثورة والانقلاب والرماد للنهاية والعدم والرمل للزمن"[30] وغير هذا من المعاني التي تأخذ طابع الأسطرة في العناصر الطبيعية.

غلاف الناس في بلاديكما نجد الشاعر المعاصر في أسطرته للغة قد تعامل مع الشخصيات التاريخية، حيث أعطاها ذلك البعد الأسطوري المهيمن، فشخصية الحلاج قد وظفت لدى صلاح عبد الصبور، إذ نجده في قصيدته "لحن" من (ديوان الناس في بلادي) يقول:

جارتي مدت من الشرفة حبلا من نغم

نغم قاس رتيب الضرب منزوف القرار

نغم كالنار

نغم يقلع من قلبي السكينة

نغم يورق في نفسي أدغالا حزينة

بنينا يا جارتي بحر عميق

وأنا لست بقرصان ولم أركب سفينة

بنينا يا جارتي سبع صحاري

وأنا لم أبرح القرية مذ كنت صبيا [31]

هذا المقطع من قصيدة مطولة لصلاح عبد الصبور تضم في مجموعها رموزا أسطورية، فهي بذلك في مجموعها تصنع أسطورة، لأن الشاعر استخدم عناصر طبيعية عادية حسية من حبل ونغم ونار وأدغال وبحار، إلا أن هذا الاستعمال لهاته العناصر لا يقف عند المعرفة العادية، وإنما استطاع وبفضل ثقافته وتجربته الشعورية أن يضفي عليها طابعا حسيا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال أسطرة اللغة.

مزج الأساطير

ونعني بمزج الأساطير أو ما يسمى الحشد والتكرار، أي أن الشاعر المعاصر لا يكتفي في قصيدته بأسطورة واحدة وإنما يُعدد استخدام الأساطير في قصيدته ويحملها معانيه وتصوراته ويفجر طاقتها طبعا هذا ليس بالأمر الهين أو السهل و نما على الشاعر أن يكون أكثر وعيا بما يكتب.

ففي مسرحيته "الأميرة تنتظر" وهي مسرحية مطولة تحتل تسعين صفحة كتبها صلاح عبد الصبور عام 1969 هاته المسرحية ذات بنية دائرية مفتوحة ترتكز على ثلاث شخصيات أساسية، وهي :الأميرة وهي البطلة والسمندل ثم القرندل، ولأنها تبدأ بالأميرة والتي تمثل الوطن وتنتهي بها فهي إذا ذات بنية دائرية "يستمد الشاعر أصولها الأولية من التراث القصصي الشعبي ومن الأسطورة معا هذا إضافة إلى اعتماده على حكاية عربية قديمة رواها المسعودي وابن هشام مؤداها أن سابور ذا الأكتاف حاصر حصن الحضر في العراق، دون أن يتمكن من فتحه، وذات يوم أطلت النظيرة بنت الضيزن أو ساطرون صاحب الحصن فأعجبت سابور هذا ومكنته من فتح الحصن، إذ سرقت مفتاحه من أبيها أو أنها دلته على نهر يمر تحت الحصن لقاء أن يتزوجها ولكنه بعد أن حققت له ما أراد، قتلها لأنه لم يأمن خيانتها بعد أن خانت أباها "[32] إذ يقول :

آه، تبدو مثل رمح مشرع ثم استواء ومضاء

آه، تبدو مثل سيف مرهف قد زاده السقل حلاء

آه، تبدو كاله طيب قاس نبيل

آه، تبدو شجرة

آه، تبدو قمرا حلوا مطلا

آه، تبدو كل شيء زار أحلامي وأحلى [33]

هاته المقطوعة الشعرية توضح لنا سقوط الأميرة في حبه، لأنها رأت فيه أحلامها فمثلته كالرمح والسيف وهما رمزا الرجولة، بل هو إله في عينيها وقمر يضيء لياليها، إذ هو أكبر من أحلامها لذا لم يبق لها سوى الاستسلام لحبه، يقول شاعرنا:

علقني بأكتافك كالعقد وداعبني وانثرني حبات

وبعثرني على جسمك موسيقى ونورا

ثم لملمني وانظمني في حبل امتلاكك

وليعدك الغد لي طفلا شقيا وجسورا [34]

هنا استغل السمندل حبها له فتحدث الخيانة، إذ تعود الأميرة إلى غرفة أبيها بعد علمها بأنه يريد مفتاح القصر، وهنا يقتل السمندل أباها فتصرخ الأميرة:

ويلاه

أقتلت أبي

وسلبت الخاتم حتى ترفعه في وجه الناس

وتحكم به [35]

تستفيق الأميرة في زمن لا ينفع فيه الندم ،وينبذها السمندل لأنه لا يأمن صدقها، ويطردها خارج القصر بعد استيلائه على السلطة، فتعيش في كوخ حقير مع ثلاث من وصيفاتها.

خمسة عشر خريفا مذ فارقنا قصر الورد

ونزلنا هذا الوادي المجدب

إلا من أشجار السرو الممتد

كتصاوير الرعب [36]

إذن فالمكان تحول إلى واد مرعب مخيف ومجدب بعد أن ولى زمن البذخ في قصر الورد، إن الأميرة ووصيفاتها يعانين هذا الواقع الأليم منذ خمسة عشر عاما، أما المحور الثاني في المسرحية فهو انتصار الأميرة وعودتها إلى قصرها بعد القضاء على السمندل، تقول الأميرة مخاطبة وصيفتها أم الخير:

لا تبتئسي أم الخير

فسندرك أول خيط فضي

وسنملأ كأسينا من ذوب اللؤلؤ فوق خدود الزهر

ونعود إلى القصر قبيل الموعد[37]

بهذا تبسم الدهر ثانية فالخيط الفضي يرمز إلى الفجر الجديد ثم إن الكأس مملوء بذوب اللؤلؤ فوق خدود الزهر، وكلها صور بديعة ترمز إلى الحياة الرغيدة. وهنا تبرز شخصية القرندل لأنه يرمز إلى حركة التاريخ؛ ولعل حركة الشمس والغروب ترمز إلى الزمن والكتابة.

لا بد أن نشير إلى أمر مهم، هو أن القارئ لهذه المسرحية يستشعر في متنها حكاية خرافية، ويتضح له أن الشاعر قد أتقن الخاصية وفجر الطاقة المخزونة في الأسطورة وحملها مضامين عصره وواقعه، على الرغم بعد الزمن بين عهد الأساطير والوقت الحاضر، ثم أدرك أهمية الأسطورة بكل معانيها المتعددة، حيث تصبح ذات ملمح جديد. وهنا تكمن جمالية الأسطورة في الشعر العربي المعاصر.

= = = = =

الإحالات

1= بوعشة بوعمارة، الشاعر العربي المعاصر ومثاقفة التراث، كلية الآداب واللغات، بسكرة، العدد 08،ص 15.

2= المرجع نفسه، ص 16.

3= علي عشري زايد، استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، ص 262.

4= المرجع نفسه، 58.

5= إبراهيم الرماني، الغموض في الشعر العربي، ديوان المطبوعات الجامعية، ساحة بن عكنون، الجزائر،1991، ص 57.

6= كاملي بلحاج، أثر التراث الشعبي في التشكيل القصيدة العربية المعاصرة، (قراءة في المكونات والأصول) ص 17.

7= المرجع نفسه، ص 56.

8= عبد الرضا علي، الأسطورة في شعر السياب، دار الرائد العربي، بيروت، لبنان،ط1984، ص 105.

9= محمد لطفي اليوسفي، في بنية الشعر العربي المعاصر، ص 11.

10= إبراهيم الرماني، الغموض في الشعر العربي المعاصر.

11= زكي العشماوي، أعلام الأدب العربي الحديث واتجاهاتهم الفنية، ص 158.

12= أثر التراث الشعبي في التشكيل القصيدة العربية المعاصرة (قراءة في المكونات والأصول، ص 26.

13= دزيرة سقال، أرض الخراب والشعر العربي الحديث، ص 120.

14= كاملي بلحاج، الشعر العربي المعاصر قراءة في الوظائف والسمات، ص 4.

15= استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، ص 42.

16= صلاح عبد الصبور، ديوان الناس في بلادي، ص 29.

17= أثر التراث الشعبي في تشكيل القصيدة العربية المعاصرة، ص 55.

18= غالي شكري، شعرنا الحديث إلى أين؟ دار الشروق، الطبعة الأولى، بيروت، لبنان. ص 139.

19= ينظر، استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر ، ص 44.

20= المرجع نفسه، ص 21.

21= الغموض في الشعر العربي، ص 132.

22= صلاح عبد الصبور، الأعمال الكاملة ( أقول لكم عن الشعر)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة- 1992.ص 150.

23= أثر التراث الشعبي في تشكيل القصيدة العربية المعاصرة ( قراءة في المكونات والأصول) ص 26.

24= ينظر، محمد فتوح أحمد، الرمز والرمزية في الشعر العربي المعاصر، ص 290.

25= الرمز والرمزية في الشعر العربي المعاصر، ص 133.

26= صلاح عبد الصبور "ديوان أحلام الفارس القديم دار العودة بيروت لبنان 1998 ص 236.

27= عبد الرضا علي، الأسطورة في شعر السياب ،ص 232.

28= الغموض في الشعر العربي الحديث، ص 176.

29= ينظر، الغموض في الشعر العربي الحديث، ص 277.

30= الغموض في الشعر العربي الحديث ، ص 288.

31= صلاح عبد الصبور، ديوان الناس في بلادي ص 64.

32= يوسف حلاوي الأسطورة في الشعر العربي المعاصر نقلا عن عصام بهي استلهام التراث الأسطوري في مسرح صلاح عبد الصبور - مجلة فصول العدد1 ،بيروت ،لبنان ،أكتوبر،1981 ص 141.

33= صلاح عبد الصبور، الديوان، ص 399.

34= الديوان، ص 403.

35= الديوان، ص 405.

36= الديوان، ص 405.

37= الديوان، ص 441.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3096091

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC